“إنه أصل الداء”.. لماذا خصَّص الكواكبي حيّزاً كبيراً من مؤلفاته عن الاستبداد السياسي؟


أحمد بوعشرين- تدور محورية أفكار عبد الرحمن الكواكبي حول مؤلفين أساسيين له، الأول وهو الكتاب المعروف “طبائع الاستبداد”، وفيه شرح كل المظاهر الواصفة للاستبداد والمؤسِّسة له، وكل الأمراض الناتجة عن الاستبداد، والثاني كتاب أم القرى، وفيه شرح حال الأمة من حيث معيقات إرادتها في التحرر والحرية ووحدتها وقوتها ومناعتها، كما سنُبين لاحقاً.

أولاً: “طبائع الاستبداد” ومركزية نظرة داء الاستبداد في فكر الكواكبي.
خصَّص الكواكبي -رحمه الله- حيّزاً كبيراً في أطروحته لإظهار مساوئ وخطورة الاستبداد السياسي على الإنسان والمجتمع والأمة، الذي اعتبره أصل الداء، “وحيثُ إني قد تمحّص عندي أنّ أصل الدّاء هو الاستبداد السّياسي، ودواؤه دفعه بالشّورى الدّستورية، فالقائلُ مثلاً: إنّ أصل الدّاء التّهاون في الدّين، لا يلبث أنْ يقف حائراً عندما يسأل نفسه لماذا تهاون النّاس في الدّين؟ والقائل: إنّ الدّاء اختلاف الآراء يقف مبهوتاً عند تعليل سبب الاختلاف.

فإن قال: سببه الجهل، يُشكل عليه وجود الاختلاف بين العلماء بصورة أقوى وأشدّ… وهكذا؛ يجد نفسه في حلقة مُفرغة لا مبدأ لها، فيرجع إلى القول: هذا ما يريده الله بخلقه، غير مكترث بمنازعة عقله ودينه له، بأنّ الله حكيمٌ عادلٌ رحيمٌ…، وبذلك يعلمون أنّي ما وافقتُ على الرّأي القائل بأنّ أصل الدّاء هو الاستبداد السّياسي إلا بعد عناءٍ طويل يرجحُ قد أصبتُ الغرض”.

فما تعريف الاستبداد عند الكواكبي، ما أعراضه، وما تأثيراته، وما دواؤه؟ تلك أسئلة أخرى سنحاول سبر أغوارها من خلال مُدارسة كتاب “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” للكواكبي رحمه الله.

بعد أن يمر على تعريفه اللغوي بكونه “غرور المرء برأيه، والأنفة عن قبول النصيحة، أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة”. يعرج الكواكبي تركيزاً على تعريف الاستبداد تعريفاً اصطلاحياً سياسياً دقيقاً ومفصلاً:

“الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان فعلاً أو حكماً، التي تتصرَّف في شؤون الرَّعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محقَّقَين، وتفسير ذلك هو كون الحكومة إمّا هي غير مُكلَّفة بتطبيق تصرُّفها على شريعة، أو على أمثلة تقليدية، أو على إرادة الأُمَّة، وهذه حالة الحكومات المُطلقة، أو هي مقيَّدة بنوع من ذلك، ولكنَّها تملك بنفوذها إبطال قوة القيد بما تهوى، وهذه حالة أكثر الحكومات التي تُسمِّي نفسها بالمقيدة أو بالجمهورية”.

وهذا التعريف يجعل مفهوم الاستبداد السياسي ليس محصوراً فقط في الحكم المطلق، بل قد يتّسع حتى إلى الحكم المقيد ولو بإرادة الأمة، متى كان هذا الحكم غير مسؤول أو باستطاعته إبطال إرادة الأمة التي تُقيّده، فصفة الاستبداد “كما تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق الذي تولّى الحكم بالغلبة أو الوراثة، تشمل أيضاً الحاكم الفرد المقيَّد المنتخب متى كان غير مسؤول، وتشمل حكومة الجمع ولو منتخباً؛ لأنَّ الاشتراك في الرَّأي لا يدفع الاستبداد، وإنَّما قد يعدّله الاختلاف نوعاً، وقد يكون عند الاتِّفاق أضر من استبداد الفرد، ويشمل أيضاً الحكومة الدستورية المُفرَّقة فيها بالكُلِّيَّة قوَّة التشريع عن قوَّة التَّنفيذ وعن قوَّة المراقبة؛ لأنَّ الاستبداد لا يرتفع ما لم يكن هناك ارتباط في المسؤولية، فيكون المُنَفِّذُون مسؤولين لدى المُشَرِّعين، وهؤلاء مسؤولون لدى الأمَّة، تلك الأمَّة التي تعرف أنَّها صاحبة الشَّأن كلِّه، وتعرف أنْ تراقب وأنْ تتقاضى الحساب”.

يتبيّن إذن من خلال تعريفه ما يلي:
أن الاستبداد السياسي يشمل الحكم المطلق المُغيِّب لإرادة الأمة، والحكم المقيد الذي باستطاعته إبطال هذه الإرادة التي تقيده.

أن الاستبداد السياسي قد يشمل حتى الأنظمة التي تفصل السلطات التشريعية والرقابية عن التنفيذية، إذا لم تكن مقرة بسمو الإرادة العامة للأمة، حيث السلطة التنفيذية مسؤولة أمام السلطة التشريعية والرقابية، وهذه الأخيرة مسؤولة لدى الأمة.

أن أشد أنواع الاستبداد هو الحكم المطلق، ذلك لأن “أشدّ مراتب الاستبداد التي يُتعوَّذ بها من الشيطان هي حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز سلطةً دينية. ولنا أنْ نقول كلّما قلَّ وَصْفٌ من هذه الأوصاف؛ خفَّ الاستبداد إلى أنْ ينتهي بالحاكم المنتخب الموقت المسؤول فعلاً، وكذلك يخفُّ الاستبداد ـطبعاًـ كلّما قلَّ عدد نفوس الرَّعية، وقلَّ الارتباط بالأملاك الثَّابتة، وقلَّ التَّفاوت في الثَّروة، وكلما ترقَّى الشَّعب في المعارف”.

ثانياً: سياقات أفكاره
تأثَّر الكواكبي بالعديد من المؤثرات نذكر منها أساساً:

– معايشته لأحداث الدولة العثمانية عن قرب، من خلال محنته مع سلطات حلب، ومن خلال معاصرته لمرحلة التراجعات العثمانية، والانحرافات على القيم الإسلامية في العدل والشورى.

- إشهار -

– تأثر بكتابات عصر الأنوار، خصوصاً بعد شيوع كتب بعض مفكري النهضة آنذاك، أمثال جون لوك وروسو وفولتير، حيث “فرَّ كثير من العثمانيين إلى أوروبا يدرسون نظم الحكم الأوروبي، وما وصلت إليه أوروبا من البحوث الاجتماعية، وأخذوا يكتبون ذلك في جرائدهم ومجلاتهم التي يحررونها خارج الحدود العثمانية، ومنها تتسرب إلى البلاد نفسها، وأخذت مصر بعد انفصالها من حكم العثمانيين تؤوي الأحرار، وتؤيد القول في نقد نظام الحكم، وظهرت في الجرائد والمجلات مقالات بالعربية في تشريح أحوال الجماعات وأصول الحكومات، وترجم إلى العربية “أصول النواميس والشرائع” لمنتسكيو، وبدأت موجات البحث الاجتماعي في أوروبا تصل إلى الشرق من طريق الترجمة وطريق المثقفين في أوروبا، وقد اقتبس فيه كثير من أقوال “الفيري”، ولا أعرف كيف وصلت إليه، وألفيري كاتب إيطالي عاش من سنة 1749م-1803م، من بيت نبيل، وقد ساح في أوروبا نحو سبع سنوات، ودرس كتب فولتير وروسو ومونتسكيو، وتشبَّع بآرائهم الحرة، وتعشّق الحرية، وكره الاستبداد أشد الكره، ووجّه أدبه للتغني بالحرية ومناهضة الاستبداد، ينطق بذلك أبطال رواياته، ويبثه في كتاباته”.

في هذا الوسط طلع الكواكبي، وكان ظهوره بكتابيه جرأة كبيرة، لقد استفاد مما نقل عن الغرب، ولم يكن يعرف لغة أوروبية، إنما يعرف العربية والتركية والفارسية، فاستفاد مما نقل إليها، ومما كان يترجم له في هذا الباب خاصة، قد ظهر أثر هذا الاقتباس في كتابه “طبائع الاستبداد”.

– عاصر لحظات النهوض والثورات على الدولة العثمانية، فكان فكره ثورياً وعدواً لدوداً لبنية الاستبداد والفساد.

عن مؤلفاته
عُرف الكواكبي بمؤلفين أساسيين، بصما فكره ومواقفه، وهما كتاب “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، وكتاب “أم القرى”، ورغم أنهما نُشرا خلال مُقامه بمصر فإن تأليفهما كان قبل رحلته إلى مصر ومقامه بها، فلقد أشار إلى ذلك حفيده عبد الرحمن الكواكبي في مقدمة الطبعة الأخيرة من كتاب أم القرى، التي طبعت سنة 1959م، فقال: “لا بد في هذه المناسبة من الإشارة إلى حقيقة تاريخية، تلقي ضوءاً على موضوع الكتاب، وهي أن جدي -رحمه الله- ألّف أم القرى وطبائع الاستبداد قبل هجرته إلى مصر، وكان عمي الدكتور أسعد الكواكبي يتولى تبييض أم القرى له في حلب، كما أخبرني أيضاً عالم حلب الثقة المرحوم الشيخ راغب الطباخ، أن المؤلف أطلعه عليه قبل سفره إلى مصر…”، ويؤكد ذلك ما رواه الأستاذ الغازي للأستاذ سامي الكيالي، صاحب مجلة الحديث، كما نشره في مجلة الكتاب سنة 1947م حيث يقول: “وقبل سفره بيوم واحد زارني في منزلي يودعني، وأخبرني أنه عازم في غده على السفر إلى إسطنبول لتبديل نيابته، أي نيابة قضاء راشيا، وكنت عالماً بكتابه (جمعية أم القرى)، وقد شعرت منه العزم على طبعه، فوقع في نفسي أنه سيعرج إلى مصر لطبعه ونشره، إذ لا يمكنه أن يطبعه في غيرها، وحذرته من ذلك، وكانت مبارحته لحلب في أوائل سنة 1316هـ (هكذا)… وبعد أن مضى على مبارحته حلب نحو بضعة عشر يوماً لم نشعر إلا وصدى مقالاته في صحف مصر، وأخذت جريدة المؤيد تنشر تفرقة كتاب طبائع الاستبداد، الذي لم يطلعنا عليه مطلقاً، بخلاف كتاب جمعية أم القرى”.

ونفس التأكيد على أن تأليفه للكتابين كان قبل هجرته إلى مصر جاء في كتاب السيرة الذاتية لعبد الرحمن الكواكبي، لمؤلفه حفيده سعد زغلول، الذي أشار إلى أن كتاب أم القرى قد كتب عبد الرحمن الكواكبي “أفكاره وخططه في حلب خلال العقد الأخير من القرن السابق (التاسع عشر)”. وكذلك الأمر بالنسبة لكتاب طبائع الاستبداد، الذي “كتبه الكواكبي كذلك في حلب على مسودات لم تجمع في كتاب، حملها معه إلى مصر في هجرته 15 محرم 1318هـ – 5 أيار/مايو 1900م، وقدمها مقالات للصحف المصرية، ثم جمعها وطبعها طبعة أولى ما لبث أن عززها بطبعة ثانية لنفاد الأولى…”

ولم تقتصر مؤلفات الكواكبي على هذين الكتابين، بل ذكر حفيده مؤلفات أخرى لم تعرف طريقها إلى النشر؛ نتيجة مصادرة مسوداتها أو لأسباب مجهولة وهي:

صحائف قريش: أشار إليها الكواكبي في مقدمة كتابه “أم القرى”، لم يوجد لها أثر، وقد يكون حسب الحفيد سعد زغلول ضمن المصادرات التي أخرجت من بيته.

العظمة لله: وقد شاهده “المرحوم كرد علي” لدى الكواكبي في القاهرة، وأتى على ذكره في الخطط.

الأنساب: ذُكر في رسالة من عم حفيده “أسعد”، إلى أخيه “رشيد”، توصية بالمرور على الشيخ رشيد رضا واستعادة هذا الكتاب الذي دفعه إليه والده للطبع ولا يعرف مصيره.

أمراض المسلمين والأدوية الشافية لها: وكان الكواكبي قد نشره كبحث أولي في جريدة المؤيد لصاحبها علي يوسف، في 17 مارس/آذار 1899م، وافاه به خلال رحلته الأولى التي استغرقت 1316هـ، أو أرسله إليه من حلب قبل قيامه برحلته، وكان عنوانه “ما هو الداء؟ وكيف يُرجى الشفاء؟”.

“أحسن ما كان في أسباب العمران” و”ماذا أصابنا وكيف السلامة”، وقد ذكرهما رشيد رضا في المنار، ولا يعرف محتوياتهما ولا مصيرهما إلا مما ذكره “الأنطاكي”، عن وجودهما وإطلاعه عليهما، ولعل المنية التي وافت الأنطاكي حالت دون تحقيق وعد بنشرهما.

تجارة الرقيق وأحكامها في الإسلام: فُقد الكتاب بكامله، إلا ما كان قد سلمه لرشيد رضا كنشرة أولية مقدمة للكتاب الجامع، ثم أدركته الوفاة قبل أن يوافيه بالبقية التي انتظرها رشيد رضا أكثر من سنة بعد وفاته.

يتبع

- إشهار -

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.