لماذا من الأفضل لحزب العدالة والتنمية المغربي حلُّ نفسه؟


عبد السلام بنعيسي

قال عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي، إن موقف حزبه من التطبيع مع إسرائيل، ((لم يتغير ولن يتغير، وسيظل ضده بدون شك ولا خلاف)). والسبب في نظر بنكيران ((هو أن الإسرائيليين لازالوا يسيئون إلى إخواننا الفلسطينيين ويأخذون أراضيهم ويجرفون أشجارهم ويعتدون عليهم))، مضيفا: ((نحن نتفهم موقف الدولة، ولن ندينه، لكننا نستغرب لهرولة البعض نحو التطبيع بأي شكل من الأشكال)).

بقراءة أولية لتصريح بنكيران يبدو لنا أنه متناقض من أوله إلى آخره، وأنه تصريح متعارض مع الحقائق كما يعرفها الخاص والعام، فلقد تغير موقف العدالة والتنمية من التطبيع بشكل دراماتيكي، وانقلب رأسا على عقب، وتجرّعه الحزب حين وقّع أمينه العام السابق سعد الدين العثماني على صفقة التطبيع مع الكيان الصهيوني، مقابل الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء. شاشات الفضائيات ومواقع النت واليوتوب، وأرشيفات الجرائد الورقية والإلكترونية تعُجُّ بصور العثماني، وهو يوقع على الصفقة المذكورة، وإذا لم يكن هذا التوقيع اعترافا صريحا ولا لبس فيه بالتطبيع وقبولا به، وتغيرا لموقف العدالة والتنمية منه، فما هو الاعتراف بالتطبيع يا ترى، وما هو عدم التغير منه، المزعومُ من جانب عبد الإله بنكيران؟؟

يحتار المرء في استيعاب قول بنكيران عن التطبيع مع الكيان الصهيوني: ((نحن نتفهم موقف الدولة، ولن ندينه، لكننا نستغرب لهرولة البعض نحو التطبيع))، فالهرولة نحو التطبيع تتم في كنف الدولة وبتشجيع منها، ولولا دعم الدولة للهرولة لما عايناها وهي تجري بهذا الإيقاع المتسارع، وإذا كان بنكيران يتفهم موقف الدولة، فلماذا لا يجاريها في قبوله التطبيع؟ الدولة عقدت صفقة ثلاثية، هي من جهة، وإسرائيل وأمريكا من جهة أخرى، والصفقة وثيقة بنوية ومتكاملة، وفحواها التطبيع مقابل الاعتراف، ولا يمكن الفصم بينهما.

وحين يُقدِّرُ العدالة والتنمية قبول الاعتراف ورفض التطبيع، فإنه يتصرف بانتقائية، ويحاول أن يأخذ من الصفقة ما يعجبه الذي هو الاعتراف، وأن يترك على الطاولة ما لا يرضيه ألا وهو التطبيع، وهذا خيارٌ غير ممكن، فإما أن تقبل الاعتراف ومعه التطبيع، أو ترفض التطبيع ومعه الاعتراف. للأسف يكذب السي بنكيران على نفسه وعلى أعضاء حزبه وعلى المغاربة، حين يبارك الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء ويصفق له، ولكنه يحاول، يائسا، التنصل من التطبيع المقرون بالاعتراف، اقترانا عضويا.

ما كان ينتظره الرأي العام المغربي من حزب العدالة والتنمية، باعتباره أكبر حزب سياسي إسلامي في المغرب، ليس إدانة الدولة المغربية، كما ورد في تصريح بنكيران وقبله العثماني، فهذا أكبر من طاقة العدالة والتنمية، كان المطلوب مغربيا، من الحزب، الإعلانَ عن موقف سياسي واضح من الصفقة الثلاثية، هل العدالة والتنمية معها كما تم تقديمها للمغاربة؟ وفي هذه الحالة كان عليه تبنيها متكاملة وغير متجزئة، وأن يدافع عنها، بما في ذك التطبيع الذي يشكل الركن الأساسي فيها، وكان الحزب سيبدو، بموقفه هذا، منسجما مع نفسه، سواء بالنسبة للمتفقين أو المختلفين معه في الموقف الذي اتخذه.
وإما أن يرفض الحزب الصفقة كاملة متكاملة، وعلى رأسها الاعتراف المقرون بالتطبيع، وأن يتوجه للشارع المغربي بدفوعاته التي تجعله يعارضها، ويسعى للعمل، بشكل مشروع، على معارضتها، من كل موقع يوجد فيه، وذلك في إطار ممارسته لحرية التعبير، كحقٍّ منصوص عليه دستوريا، فوظيفة أي حزب، طبقا لما هو متضمن في الدستور المغربي، هي تأطير المجتمع سياسيا، واقتصاديا، وثقافيا، وتوضيح الأمور السياسية الغامضة عليه، لكي يكون للمجتمع منها، موقفا مبنيا على دراية ومعرفة بتفاصيلها، وليس بالضرورة، في تحرك حزب العدالة والتنمية في هذا الاتجاه، إدانة للدولة، بقدر ما هو تعبيرٌ عن رأيه في قرار سياسي، لا يوافق الحزب عليه.

نحن في دولة تقول عن نفسها إنها دولة ديمقراطية، وفيها تعددية حزبية ونقابية، فكيف لا يجرؤ حزب سياسي، يقول إن عقيدته إسلامية، على رفض الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء لأنه مشروط بالتطبيع؟ لماذا يراوغ هذا الحزب بحثا، دون جدوى، عن تبريرٍ لنفي قبوله التطبيع، رغم أنه يرحب بالاعتراف الناتج عنه؟ ألا يكون العدالة والتنمية هنا، كمن يحاول أن يمتطي صهوتي حصانين دفعة واحدة؟ والأمر لا يخص الحزب المذكور لوحده، فحين تقبل الأغلبية المطلقة من الأحزاب التي تؤثث المشهد السياسي المغربي، بما فيها العدالة والتنمية، الركض وراء قرار الدولة هذا، ألا يدل ذلك على أن الدولة تتصرف مع المغاربة، وكأنهم قطيع تسوقهم أنى تريد؟ أليس في هذا إساءة لصورة الدولة المغربية في الخارج وأمام شعبها، لأنها تظهر دولة شمولية توليتارية، لا مكان فيها للحزب الكبير الذي له رأي معارض لرأيها؟؟؟

- إشهار -

يفسر بنكيران موقفه الذي يقول إنه مناهض للتطبيع بكون ((الإسرائيليين لازالوا يسيئون إلى إخواننا الفلسطينيين ويأخذون أراضيهم ويجرفون أشجارهم ويعتدون عليهم))، وكأن مخاطر التطبيع تقع على الفلسطينيين وحدهم، وكأن بنكيران يتكرم على الفلسطينيين برفضه للتطبيع من منطلق التضامن الخيري من جانبه معهم، أو كأنه ينتظر من الإسرائيليين التوقف في يوم من الأيام عن الاعتداء على الفلسطينيين، وعن قتلهم وتهجيرهم، إسرائيل دولة أنشئت في المنطقة لمنع وحدتها، وتقدمها، وازدهارها، ومشروعها هو التوسع في محيطها للسيطرة الاقتصادية والسياسية عليه، والطريق المؤدي إلى ذلك يمر عبر محق الشعب الفلسطيني والقضاء المبرم عليه، لكي تتفرغ كليا لمحيطها..

وليس الغرض، إسرائيليا، من التطبيع، اعتراف مغربي بالدولة الصهيونية، ولا يعني الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه إقرارٌ من أمريكا بأن الأقاليم الصحراوية أضحت، في نظر واشنطن، أرضا مغربية، لأهلها المغاربة، الحقُّ السيادي الكامل في التصرف فيها بحريتهم المطلقة، الاعتراف المقرون بالتطبيع يعني أن اليد الصهيوأمريكية وُضعت على موارد وثروات الصحراء المغربية، وأن الأمريكان والصهاينة أضحى لهم نصيبهم المعلى فيها، وسيشركون معهم في عائدات ثروات المنطقة التي سيستخرجونها من باطن الأرض، أقلية محظوظة من المغاربة.

وعندما يقع الترويج من طرف وسائل الإعلام المغربية، وعلى نطاق واسع ومحموم، إلى أن خلاص المغرب في مشكلة وحدته الترابية، بات ينحصر في الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء نظير التطبيع، فهذا يعني، أن قضية أقاليمنا الصحراوية باتت في حوزة أمريكا ومعها الكيان الصهيوني، وإذا ارتأيا، في أي ظرفية، لمصلحة ما، تخصهما، فَصْلَ الصحراء عن المغرب، فإن في وسعهما القيام بذلك، وأن ما علينا كمغاربة سوى الرضوخ الشامل لإرادتهما، فنحن في صفقة، القويان فيها، هما أمريكا والدولة العبرية، والضعيف هو المغرب.

ونتيجة لهذه الصفقة، صار المغرب كله، عبر بوابة الصحراء، تحت القبضة الأمريكية والصهيونية، حتى لا نقول حمايتهما، ولذلك فإن في رفض الاعتراف الأمريكي المشروط بالتطبيع، مصلحة مغربية وطنية بالدرجة الأولى، والفلسطيني الذي يقاوم الآلة الصهيونية دفاعا عن أرضه الفلسطينية، فإنه يدافع في الواقع عن كل أرضٍ عربية مهددة بالوقوع تحت السيطرة الأمريكية الصهيونية، ومن ضمنها صحراؤنا المغربية.

لا يشمل التطبيع المقرون بالاعتراف، السيطرة على الثروة الوطنية فحسب، إنه مشروعٌ مُرفقٌ بمشمولات سوسيوثقافية أخرى يتضمنها، ولقد شاهدنا في شاشات التلفزيون، إحدى تجليات هذا المشروع في اقتران الأذان المعلن عن أوقات الصلاة، بأغانٍ ومعزوفاتٍ موسيقية يهودية ومسيحية، خلال زيارة البابا للمغرب، ويصحبُ المشروع ما يسمى بحوار الأديان، وهناك سعيٌ لتوحيد الأديان السماوية الثلاثة في دين واحد الذي هو الدين الإبراهيمي، فنحن أمام مشروع شامل ومتناغم، الهدف منه تغيير هوية الوطن العربي، باعتبارها هوية عربية إسلامية في المقام الأول، وتلبيسها هوية غريبة عنها، لكي تتيسر عملية التحكم فيها، من طرف أمريكا وحلفائها، وجعل الكيان الصهيوني سيدا عليها.

ويمثل الهجوم المشن بشكل كاسح ومتواتر في المغرب على الحركة الوطنية، وعلى اللغة العربية والدين الإسلامي، والنفخ في بعض الجمعيات العرقية، وإظهارها في حجم أكبر من حجمها، والعناية الفائقة باللغة الفرنسية، التجلي البارز لهذا المسعى المدمر للهوية الوطنية المغربية. وإذا كان حزب العدالة والتنمية لا يدري بهذا المشروع الجهنمي الذي يستهدف المنطقة، وعلى رأسها المغرب، فتلك طامةٌ، أما إذا كان يعلم به، ويخفي وجهه كالنعامة في الرمال، إما جبنا أو طمعا، غاضا الطرف، عن عواقبه الوخيمة على حاضر ومستقبل وطننا، فإن الطامة أكبر، وهنا، من الأفضل للحزب حلُّ نفسه، بدل أن يظل شاهدَ زورٍ، على ما يجري أمام ناظره.

  • كاتب
قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.