السي أخنوش انتهى وهم الصداقة مع الملك


عندما حضرتُ، أمس الاثنين 4 يوليوز 2022، إلى قبة البرلمان، وتابعتُ أطوار جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، حيث جرت مساءلة نادية فتاح العلوي، وزيرة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، عن مضاعفات ارتفاع أسعار المحروقات، قبل أن يتدخل إدريس الشرايبي البرلماني من حزب رئيس الحكومة ليُقحم الملك في الدفاع عن وزيرته وعن رئيسه كبير تجار المحروقات، وجدت نفسي، من سخرية ما يجري، أتذكر صديقي العزيز أحمد السنوسي “بزيز”، في تلك الأيام الخوالي، وهو يبدع ويتألق على الخشبة، حين تقمّص دور مرشح يخطب في الحملة الانتخابية، إذ خاطب الناخبين بالقول: “دفعوني باش نطلع، ونطلع بيكم”، وكان المعنى المقصود، بتعبير “بزيز” هو “صوتوا عليّ، باش نسوّطكم”، وعلى ذكر الغلاء، من “الحولي اللي كيقول عن المواطن: بااااعْ حوايجو باش شراني”، إلى “مطيشة اللي ولّات دايرة قرون”، بعد أن وصلت إلى 10 دراهم، وحين قال مواطن: “راني سمعت البرلماني كيقول بلّي ثمنها فقط درهمين”، فأجابه “بزيز”: “سير شريها بجوج دراهم من التلفزيون”…

بسرعة البرق، مر شريط “بزيز” في الذاكرة، وأنا أستمع، أمس الاثنين، بكثير من الاستغراب، لتدخل البرلماني إياه المنتمي إلى فريق حزب باطرون الحكومة عزيز أخنوش، وهو يحاول أن يدافع عن وزيرة الاقتصاد والمالية، التي حاصرتها المعارضة بالأسئلة حول ارتفاع أسعار المحروقات وتأثيرها على المعيش اليومي للمغاربة، ففي مثل هذه المواقف السوريالية، قد لا تسعفنا فيها إلا سخرية “بزيز”، خصوصا عندما يجد المرء أمامه برلماني حزب الأحرار وهو يتلو ويتهجّى دفاعا مهزوزا عن جواب غير مقنع لوزيرة حزبه، بل وليعقب على سؤال المعارضة قائلًا “بلا حيا بلا حشما” إن “ارتفاع الأسعار ليس دور الحكومة”، وإن “الحكومة لا تنقص ولا تزيد في الأسعار”، قبل أن يصل العبث ذروته بمحاولة تهريب النقاش السياسي إلى إقحام الملك محمد السادس في موضوع ارتفاع الأسعار، بالقول إن برنامج حزبه الحكومي “اللي خذا المصادقة والموافقة ديال صاحب الجلالة وديال الشعب المغربي”!!!

هذا التصريح أثار حفيظة المعارضة، التي احتجت، بقوة، على “فعلة” برلماني حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الحكومة، في إقحامه غير الدستوري للملك محمد السادس في موضوع مساءلة الحكومة، ودعت رئيس الجلسة إلى أن يتدخل ليطلب من البرلماني المذكور سحب هذا الكلام الخطير وعدم تضمينه في محضر الجلسة…

لكن اللافت أنْ لا رئيس الجلسة ولا وزيرة الاقتصاد والمالية المنتميين معا لنفس حزب البرلماني المثير للجدل، تدخّلا لتفنيد هذا الإقحام الغير دستوري للملك في سوء تدبير رئيس حكومتهما للشأن اليومي للمغاربة، بل أكثر من ذلك تدخلت برلمانية من حزبه، كانت تجلس إلى جواره، لا يبدو أنها كانت تفهم ما يجري ويدور، سوى الوقوف والصراخ بمنطق “انصر أخنوش ظالما أو ظالما” بقولها “واش مبغيتوش المغاربة يسمعوا الحقيقة”!

هذا الجدل العبثي، سيعيد إلى الأذهان وإلى الواجهة حقيقة السي أخنوش بعد “استحواذه” على كرسي رئاسة الحكومة المغربية، إذ كاد أن يدخل لموسوعة غينيس للأرقام القياسية بسبب إقحامه للملك محمد السادس لأكثر من 36 مرة في تصريحه الحكومي، الذي ألقاه في هذا البرلمان، يوم 11 أكتوبر 2022، ومن بين ما قال، في هذا التصريح، وبالحرف، إن “الحكومة معتزة بثقة ودعم جلالة الملك”، وهو نفس ما قاله برلماني فريق حزبه يوم أمس 4 يوليوز 2022!

والأخطر في هذا المسار هو أن أخنوش، في تصريحه الحكومي ذاك، قدم صورة مغايرة للوضعية، التي قدمها الجالس على العرش آنذاك، وطرح برنامجا خماسيا يتحدّث أساسا عن “الأزمة” وليس عن “انتعاش” الاقتصاد الوطني، وتحدث عن معدل نمو متوسط يناهز 4 في المائة (سنة 2022)، وهي وضعية ضعيفة جدا بالمقارنة حتى مع التزاماته بإحداث أكثر من 1 مليون منصب شغل، وأحرى أن يُدخل في حساباته 5.5 في المائة التي توقع الملك أن يحققها الاقتصاد المغربي سنة 2021، والتي زكّاها حتى صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير، الذي توقّع نسبة مقاربة حددها في 5.7 في المائة.

- إشهار -

وربما كان هذا هو السبب الذي جعل الملك محمد السادس يوجه صفعة قوية لرئيس الحكومة، عزيز أخنوش، بعد ثلاثة أيام من هذا التصريح، بإعفائه لوزيرة الصحة “اللي مشات فالرجلين” من مهامها الحكومية، وإعادة حقيبة الصحة إلى “البروفيسور” خالد أيت الطالب، موجهًا بذلك رسالة واضحة وحاسمة مفادها أن الملك على مسافة من هذه الحكومة.

على السي عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، أن يعلم أن الملك لا يضع الثقة في الحكومة بمجرد تعيينها، بل الثقة تنالها الحكومة من عرض برنامجها أمام البرلمان، والتصويت عليه بالأغلبية طبقًا للفصل 88 من الدستور المغربي. والرسالة، هنا، واضحة، فهي لا تعني برلمانيا عضوا بالفريق النيابي للتجمع الوطني للأحرار اسمه إدريس الشرايبي، الذي لم يفعل سوى استعادة ما ذهب إليه رئيسه، وإنما الرسالة تعني أساسا باطرون الحكومة، الذي جلس على كرسي رئاسة السلطة التنفيذية بفعل هيمنته السياسية عن طريق الأغلبية العددية، التي كمش فيها هو وحلفاؤه على مختلف المؤسسات الأخرى، من المجالس الجماعية إلى الجهوية، مرورا بالعمالات والأقاليم…

أما الجالس على العرش فهو ملك على الجميع، على الأغلبية وعلى المعارضة، بل وعلى مختلف حساسيات وفئات الشعب المغربي، التي ظل ينحاز إليها، باستمرار، ويستمع إلى مشاكلها وانتظاراتها، لا فرق لديه بين المسؤول والمواطن في حقوق وواجبات المواطنة، ولا مجال للتهرب من المسؤولية أو الإفلات من العقاب، كما سبق أن شدد على ذلك في خطاب ملكي، حيث الأمر يتعلق بمسؤولية جماعية تهم كل الفاعلين، حكومة وبرلمانا، وأحزابا، وكافة المؤسسات، كل في مجال اختصاصه…

وأما ثقة الشعب المغربي، التي يتحدث عنها عزيز أخنوش، منذ انتخابات سبتمبر، التي قال فيها حلفاؤه في الحكومة ما قاله مالك في الخمر، بخصوص استعمال الأموال، وحديث “جود” مازال يتردد صداه لدى حليفيه عبد اللطيف وهبي ونزار بركة، فإن المغاربة قالوا كلمتهم في حكومة كبير تجار المحروقات، ومازالوا يرددونها في كل وقت وحين، حتى وَسَموا الكثير من مظاهراتهم الاحتجاجية بشعارهم الغاضب “أخنوش ارحل”…

هذا الموقف الغاضب كان جوابا شعبيا على ما يذهب إليه عزيز أخنوش وحكومته وأغلبيته من تبريرات للغلاء بـ”الظروف الدولية الحالية، ومخلفات جائحة كورونا، وتداعيات التقلبات المناخية بالبلاد، والحرب الروسية الأوكرانية”، وكان تعبيرا عن رفض قاطع للسياسات المتبعة، التي تساهم في مزيد من الاحتقان، في ظل ارتفاع الأسعار، الذي أنهك جيوب المغاربة وجعل أصابع الاتهام تتوجّه إلى الحكومة، التي ظلت تتحدث إلى الشعب عن برامج تحقيق رخاء المعيشة، وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، قبل أن تبدد كل هذه البرامج والمشاريع ولم يبق منها إلا الأزمات والاختلالات وتدهور أوضاع مختلف الفئات…

الكاتب: مراد بورجى

- إشهار -

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.