فرضيات حول الانتحار بإقليم شفشاون


سأقتصر في هذه الكلمة حول موضوع الانتحار بإقليم شفشاون، فقد عرف الخطاب حوله تضخما ملحوظا في السنين الأخيرة بفعل الصحافة بالخصوص. وقد فتح ذلك، الباب على مصراعيه أمام ثلة من الفاعلين (سياسيين، جمعويين، حقوقيين، أطباء، باحثين…) للحديث في الموضوع وبناء خطاب حوله.

فمنذ 2014 شهد الإقليم ارتفاعا ملحوظا، في نسبة الانتحار التي أصبحت تناهز 40 حالة سنويا تقريباً، وهي وتيرة تعرف استقراراً نسبيا إلى يومنا هذا حسب التقارير والكتابات الصحافية، مع الإشارة إلى غياب الإحصائيات الرسمية !

ويعتبر الشنق هو الوسيلة الأكثر استعمالا من طرف الأغلبية الساحقة من المنتحرين. وهناك من يعزو ذلك، إلى سهولة توفر أدواته (الحبال، الأشجار…)، وإلى نجاعته لأنه يعبر عن تصميم وعزم لا رجعة فيه.

أما فيما يخص الأسباب، فإن الأمر يحتاج إلى دراسة ميدانية علمية دقيقة، وهو ما لم يحصل إلى الآن، رغم الحاجة الماسة إليه. لكن العديد من المتدخلين يشيرون إلى الكثير من الأسباب، منها:

- إشهار -

  • أسباب اقتصادية: في نهاية التسعينيات من القرن الماضي، أصبح الاقتصاد المحلي بأغلب القرى الشفشاونية، يعتمد بشكل أساسي على القنب الهندي وتحويلاته، مما أدى إلى انتعاش اقتصادي سريع وغير مسبوق. لكنه سرعان ما تراجع وانحسر نظراً لعدة أسباب، فتدهورت القدرة الشرائية للسكان بعد أن ذاقوا لذة الغنى. وقد تغيرت البنيات والروابط الاجتماعية بشكل كبير وسريع.
  • عوامل اجتماعية/سوسيولوجية: تزامن ذاك الانتعاش الاقتصادي مع كهربة القرى وما يصاحب ذلك من اقتناء الآلات الإلكترونية والأجهزة الرقمية (الهواتف الخلوية، والأنترنيت بعد ذلك)، وأثر ذلك بشكل كبير على الروابط الاجتماعية داخل الأسرة والمداشر، وأفضى إلى تغير كبير على مستوى هرم القيم (طغيان قيم الاستهلاك والتفاخر والمال.. التي عوضت القيم التقليدية كالصبر والتعاون..). هذا بالإضافة إلى عزلة القرى نتيجة ضعف البنيات التحتية (خاصة شبكة الطرق)، وغياب بنيات الاستقبال والترفيه والتثقيف. وتغير التمثل حول المدرسة التي لم تعد ينظر إليها كوسيلة فعالة للترقي الاقتصادي والحراك الاجتماعي، بحيث أن الكثير من الأسر أصبحت ترسل أبناءها إلى المعاهد الدينية التي أحدث الكثير منها مؤخرًا، بدل المدارس الحديثة. يضاف إلى ذلك كثرة النزاعات الاجتماعية، وطغيان العنف ضد المرأة والأطفال.. كما يشار همسا إلى ظواهر أخرى خطيرة كالاغتصاب، وزنا المحارم والبيدوفيليا..
  • أسباب نفسية: ناجمة عن تردي الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وضعف التواصل، وانتشار المخدرات خاصة الصلبة منها… ويشير المختصون في الطب النفسي إلى مرضين أساسيين يؤديان إلى الانتحار، وهما الاكتئاب الحاد والانفصام في الشخصية.

أختم بملاحظة أساسية، في نظري حول الخطاب الذي تبلور مؤخراً حول الانتحار من طرف بعض الفاعلين والمتدخلين، وهي محاولتهم تحميل المسؤولية للمنتحر الذي يتهمونه بعدم الإيمان أو عدم التمسك بالطقوس الدينية التي تعصمه من الانتحار، أو بقلة الصبر والقناعة، أو بالجنون والتهور والاستهتار… لكن العديد من الوقائع تثبت عكس ما يذهبون إليه. وأفترض أن العكس هو الصحيح، الانتحار هو إدانة لمجتمع عليه أن يتغير على جميع المستويات ليصير أكثر إنسانية ودفءاً.

كتبت هذه الكلمة خلال الحجر الصحي بمناسبة ما… وهي في نظري مليئة بعلامات الاستفهام الضمنية التي تتوارى خلف السطور…

عامر السدراتي

إن الآراء الواردة في هذه المقالة، لا تـُعبّر بالضرورة عن رأي موقع "بديل"، وإنما عن رأي صاحبها حصرا.

- إشهار -

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.