حكومة العذاب.. متتالية الفساد.. وامتحان الأهلية في المزاد


خلال انتخابات 8 شتنبر 2021 كنت من الداعين إلى مقاطعتها وانسحاب حزب العدالة والتنمية منها، لأن بدايتها معتلة بسبب قوانينها الغريبة والتي عبر حينها مقترحوها والمصوتون عليها عن مستوى سياسي ساقط، ونضج ديمقراطي مختل..

ولأن حملتها كانت متعفنة بسبب الأموال المشبوهة تمويلا واستمالة للناخبين.. ولأن نتائجها كانت مصيبة وكارثة بكل المقاييس.. حيث قتلت الأمل في أي انتقال ديمقراطي حقيقي، وأجهزت بعنف سلطوي وحشي على كل ما يمثل المؤسسات والشفافية والنزاهة بصلة، ولأنها أنهت ذلك الحلم الذي كان يسمى ذات يوم التنزيل الديمقراطي للدستور .. دعوت مرة أخرى حزب العدالة والتنمية إلى الخروج من جميع المؤسسات التمثيلية، سواء كانت برلمانية أو جماعية، حتى لا يعطي لهذه الانتخابات مشروعية مجانية، أو يضفي عليها مصداقية لا تستحقها.. وما زلت متشبثا بموقفي إلى اليوم، خاصة بعد مهزلة الانتخابات الجزئية الأخيرة وما شابها من خروقات واختلالات وتزوير واضح .. ورغم ذلك فإن حزب العدالة والتنمية وقيادته لم يتعظوا بعد .. وكأن على أعينهم غشاوة، وكأن في بعض العقول غباوة .. أو ربما في المشاركة حلاوة ..

وبعد شهور قليلة من استتباب الأمر إلى عزيز أخنوش وحكومته غير الشرعية، وبعد أن اتضح للمغاربة هزال هذه الحكومة، وضعف رئيسها .. وانكشاف سوءتها وضعفها .. وبعد أن قامت بالكشف عن نيتها وأنيابها.. واستهدافها المستمر والممنهج للمغاربة، على مستوى قدرتهم الشرائية وحريتهم في التعبير (مع تزايد معتقلي الرأي)، وحقهم في الشغل (بعد أن حرم الوزير الفرنسي شكيب بنموسى من هم فوق الثلاثين من ولوج مهنة التعليم).. وتقليص هامش الحرية .. وارتفاع منسوب الانتهاكات الحقوقية (ملاحقة ومتابعة الحقوقيين الشرفاء والتضييق عليهم).. وتمييع الحياة السياسية .. وإفساد المجال الفني والثقافي (بترميز طوطو ومساعدة باطما من الإفلات من العقاب) .. والإجهاز على الصحافة الجادة (بإعدام أخبار اليوم واعتقال مديرها ورئيس تحريرها، وحرمان آخرين من ممارستها مما اضطرهم إلى مغادرة البلاد).. وتشجيع الصحافة المائعة التشهيرية والفضائحية .. أمام كل هذا توقعت أن لا يتجاوز عمر هذه الحكومة السنتين على أبعد تقدير.. وإذا ما حققت ذلك واستمرت إلى نهاية ولايتها بشكل طبيعي .. قلت حينها إن المشكلة في الشعب وليست في الحكومة ..

وها هي الحكومة قد اقتربت من السنة والنصف، وها هي متتالية الفضائح متواصلة بشكل تصاعدي، وكأنها متتالية هندسية تضاعف أعدادها بسرعة.. لا تحدها نهاية، ولا تعرف توقفا أو استراحة .. فضائح كأنها إنجازات .. ومصائب كأنها انتصارات .. يتحدث أصحابها عنها بعيون جاحضة لا تعرف الخجل، وبناصية عريضة لا يحركها ضمير، وبخدود صفراء لا يزورها الحياء..

وما فضيحة ومهزلة امتحان الأهلية الأخير لولوج مهنة المحاماة مع بطلها وزير العدل الشهير والمحامي الكبير عبد اللطيف وهبي إلا حلقة في سلسلة الفضائح المتتالية واللامتناهية .. فضيحة تعكس حقيقة هذه الحكومة، تلك الحقيقة الآتية من الانتخابات سيئة الذكر ، وتحمل أثقالها وأوزارها وعفونتها.. طبعا، انتخابات مزورة لن تفرز إلا حكومة بلا مصداقية .. وإجراءات فاسدة بلا نزاهة أو مسؤولية أو شفافية .. تنهل من معين تلك الانتخابات الملوث بقوانين وإجراءات نتنة.. وهي فضيحة تعكس مشروع هذه الحكومة التي تُطبق في الأساس مشروع الدولة .. ذلك المشروع الذي من بين ما يستهدفه هو الإجهاز على كل قطاع يتسم بالاستقلالية في أعماله وقراراته .. وله عند أصحابه من الجرأة والشجاعة ما يشاكس به الدولة ويعترض على بعض سياساتها .. وقد يتجرأ أصحابها أكثر للحديث عن انتهاكات حقوق الإنسان وإدانة التطبيع والسؤال عن الثروة … لقد كانت البداية بالأحزاب السياسية، ثم كان المرور على قطاع الصحافة والإعلام .. وها هي العملية وصلت إلى قطاع المحاماة .. ولا أحد يدري إلى أين سيصل هذا المشروع المرعب ..

في الحقيقة، وهي الحقيقة المؤلمة، أن الجريمة التي ارتكبت في امتحان الأهلية هذا، هي جريمة متعمدة، مكتملة العناصر والأركان، بدءا بالقصد الجنائي وانتهاء بالنتيجة الإجرامية، ومرورا بالوسائل المستعملة لتحقيق تلك النتيجة .. اسْتُعمل في ارتكابها واحد من أبناء هذه المهنة، كي تجتمع الجريمة مع الخيانة في آن واحد ..

لقد بدأت الجريمة بشكل الامتحان الذي لا ينسجم مع طبيعة المهنة، ثم مرت الجريمة على طبيعة الأسئلة الغريبة وغير الموضوعية إلى حد بعيد، ثم جريمة تسريب الأسئلة، ثم جريمة تخفيض معدل النجاح لإغراق المهنة بضعيفي المستوى الذين لم يحصلوا على المعدل المطلوب بأزيد من النصف (حيث كان المقرر حسب النتائج أن ينجح 800 ممتحن فارتفع العدد إلى أزيد من 2000 ضدا على القانون والنزاهة والمسؤولية)، وجريمة الرشاوى بهدف النجاح كما تحدثت عن ذلك جل وسائل الإعلام، لتنتهي الجريمة بمن نجح من أبناء الأسر المحظوظة، خاصة من قبيلة الوزير وبعض القضاة والنقباء… وكذا الذين تتوفر فيهم حالة التنافي التي تمنعهم من اجتياز الامتحان، والذين نجحوا دون أن يجتازوا الامتحان أو سرقة نتيجة متبارٍ آخر (جريمة 33615 المشهورة)…

ولكن من أخطر نتائج هذه الجريمة هو إغراق المهنة بأشخاص دون المستوى المطلوب من الناحية المعرفية والعلمية والقانونية.. أُدْخِلوا المهنة عن طريق المحسوبية أو الرشاوى أو القرابة واستغلال النفوذ، وهذه كلها جرائم يعاقب عليها القانون المغربي.. فكيف سيكون عمل وأداء من نجح بهذه الطرق المشبوهة والجرائم المفضوحة؟ هل سنتوقع منهم الدفاع عن الحق وتطبيق القانون وتحقيق العدالة وقد بدأوا مسارهم بانتهاك كل ذلك ووضعه تحت أقدامهم وأقدام أسرهم … ؟ (دون تعميم طبعا، فحتما هناك من نجح عن جدارة واستحقاق، وحتما هناك ضمن هذا الفوج من تتوفر فيه النزاهة ويستحق حمل شرف رسالة المحاماة النبيلة).

- إشهار -

ومن أخطر نتائج هذه الجرائم أن يتهاوى مستوى الدفاع وتنهار أخلاق المهنة .. وسينعكس كل ذلك – حتما – على مرفق العدالة ومستوى القضاة وجودة الأحكام التي لن تزداد إلا ضعفا ورداءة أمام غياب محاميين على قدر جيد من الكفاءة والمسؤولية والنزاهة..

ومن أخطر نتائج هذه الجرائم أن تشيع الرشوى .. وتنتشر المحسوبية ويتقوى استغلال النفوذ .. وتضيع الحقوق .. ويتحول مرفق العدالة من محراب تكون فيه القوة للقانون إلى حلبة يسود فيها قانون القوة .. وهذه هي نهاية الدولة وضياع الوطن.

فهل هذه أخطاء أم جرائم؟ وهل هي عفوية أم مقصودة؟

ظهرت بعض الأصوات النبيلة الطيبة (أشخاص ومنظمات) تدعو إلى فتح تحقيق في هذه الفضائح وترتيب المسؤوليات والجزاءات على ذلك، مع المطالبة بإلغاء نتائج هذا الامتحان/الفضيحة، هيهات .. هيهات .. هي دعوة نبيلة وطيبة .. وشجاعة أيضا، ولكن كيف تعامل مع ذلك السيد معالي وزير العدل (المحترم)؟ وكيف تعاملت الحكومة المبجلة مع هذا الطلب؟ الوزير ما يزال في عناده وغروره، والحكومة ما تزال في تجاهلها وغبائها .. والرأي العام ما يزال في اندهاشه وحيرته .. والراسبون ما يزالون في حزنهم وحنقهم .. والناجحون ما يزالون في نشوتهم وفرحهم .. والدولة تنتشي بقوتها وسطوتها .. والشعب يعيش في ضعفه وسباته .. والوطن يواصل مسيرة الضياع والغوص في المجهول .. فهل ستواصل الحكومة إلى نهاية ولايتها ؟ القرار بيد من ؟ هل بيد الدولة أم بيد الشعب ؟

قبل ذلك، كيف تعاملت الدولة مع جريمة 17 مليار درهم المختلسة والمتعلقة بموضوع المحروقات؟ وأين وصل التحقيق؟

كيف تعاملت الدولة مع جريمة مساعدة 5000 قاصر مغاربي الذين اقتحموا إلى سبتة المحتلة سباحة مغامرين بحياتهم مستهترين بطفولتهم مستغلين فقرهم وحاجتهم وبراءتهم أبشع استغلال ؟ أين وصل التحقيق؟

وختاما يأتي زعيم ويقول لك أنا لن أعارض الدولة .. أنا لن أعارض الحكومة وأتمنى لها النجاح !!! هل هذه الحكومة تستحق النجاح وهي قد اجتازت الانتخابات عن طريق الغش والمحسوبية واستغلال النفوذ والرشاوى وتدخل السلطة؟ وها هي الآن تعمل جاهدة بقيادة رئيسها من أجل الانتقام ومعاقبة الشعب المغربي، وها هو الرئيس يفي بوعده ويعيد التربية للشعب المقهور.. إذا كانت هذه الحكومة تستحق النجاح ، أيها الزعيم ، فكذلك امتحان الأهلية هذا يستحق أن يخلد في سجل الإنجازات العظيمة !!

عبد المولى المروري

إن الآراء الواردة في هذه المقالة، لا تـُعبّر بالضرورة عن رأي موقع "بديل"، وإنما عن رأي صاحبها حصرا.
قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.