رسالة مفتوحة إلى السيد مصطفى الرميد


تحية طيبة وبعد :
على مدار شهر رمضان كله، استمعت إلى حواركم مع الزميل هشام العمراني على موقع “آش كاين”، وفيه عبرتم عن رأيكم في قضايا الماضي والحاضر والمستقبل.
ولأن الحوار كان جزءً من النقاش العام، ولأنكم أثرتم أكثر من نقطة تخص المجال السياسي والحقوقي والقانوني، فإني استسمحكم بكتابة رسالة مفتوحة لسيادتكم لأبدي رأيي فيما عبرتم عنه من آراء في بعض القضايا، تفاعلا وتوضيحا وانتقادا، فذاكرة السياسيين كثيرا ما كانت قصيرة جدا، كما هي مسيرتهم كثيرا ما كانت ترتد على عقبها في نهاية المشوار أو قرب وقت المغيب، رزقنا الله حسن الخاتمة …

    يمكنكم الاشتراك في نشرتنا البريدية للتوصل بملخصات يومية حول المقالات المنشورة على الموقع

    الاشتراك في النشرة البريدية

    سمعتك السيد مصطفى الرميد تقول إن رئيس الحكومة السابق، سعد الدين العثماني، رجل خلوق، صادق، نزيه ومستقيم. كما قلت إن تصريحات عبد الإله بنكيران هي التي مددت من العمر الوزاري لعبد اللطيف وهبي في حكومة عزيز أخنوش، وإن حزب “التجمع الوطني للأحرار” ليست لديه مشكلة مع “البيجيدي” كحزب، بل مع شخص بنكيران تحديداً. وأشرتَ أيضاً إلى أن ما حال دون شمول باقي المعتقلين السياسيين بعفو الملكي بعد الإفراج عن الصحافيين والمدونين، هو تصريحات وتصرفات بعض المفرج عنهم. وزدتَ بأن العثماني كان السبب في تضمين المادة التاسعة مكرر، ضمن قانون المالية لسنة 2019، تلك التي تمنع تنفيذ الأحكام القضائية ضد إدارات الدولة، رغم أن تلك الأحكام صادرة باسم جلالة الملك وطبقاً للقانون.

    طيب، السيد الرميد، اسمح لي أن أتفاعل معك بشأن هذه التصريحات، ولنبدأ بشهادتك في حق العثماني. فإذا كنت ترى أنه خلوق وصادق ونزيه ومستقيم، فكيف نفسر أنك، وفي نفس الدقيقة، قلت إن العثماني اتفق معك ومع آخرين على سحب المادة التاسعة من قانون المالية، ثم تراجع وضمنها في القانون، بناءً على ما أفاد به وزير المالية، محمد بنشعبون، دون أن يعود إليكم؟ أليس هذا ما يُسميه المغاربة “غدار”، و”معندوش كلمة”، و”حربائي”، و”متقلب المزاج”؟ فكيف يكون المرء مستقيماً وصادقاً وهو ينكث العهود ويتقلب في المواقف ولا يثبت على حال، ولا يُقيم لحزبه وقادته البارزين وزنا ويتنازل لتيكنوقراطي آخر همه استحقاقات دولة الحق والقانون ؟

    والأدهى من ذلك، كيف يُعقل، حسب روايتك السيد الرميد، أن يغيّر العثماني موقفه “لله وفي سبيل الله” كما حاولتَ إيهامنا، دون توجيهات أو ضغوط؟ وهل يُعقل أن تصدقه فقط لأنه نفى، وأنت بنفسك وصفته بالضعف والتقلب في المواقف دون مبرر أو منطق؟ هل من كان هذا حاله يُؤتمن على الكلمة ويصدق في الرواية ؟ ثم كيف تصف العثماني “بالمستقيم” وفي نفس الوقت يتجاوزك كوزير مكلّف بالعلاقة مع البرلمان وينسق مع مكتب مجلس البرلمان بعيدا عنك وهو ما أغضبك بحسبك، أي معنى هذا للأخلاق وللإستقامة والنزاهة والصدق، والرجل يقود حكومة وليس فقط أسرة أو جماعة أو حزب؟

    تقول، السيد الرميد، إن تصريحات بنكيران هي التي مددت العمر السياسي لعبد اللطيف وهبي في الحكومة الحالية، وليس هناك من سبب آخر: سياسي وأيديولوجي، فهل يُعقل أن يكون هذا رأي وزير دولة قضى عشر سنوات في الحكومة، وترأس فريقاً برلمانياً لسنوات طويلة، ومارس المحاماة ومازال، وأسس منتدى لحقوق الإنسان؟ هل نُدير شؤون السياسة في دولة عمرها ما يزيد عن 12 قرناً بالمزاج النفسي والهوى السيكولوجي؟ هل يُعقل أن يتم تعيين وزير أو تمديد بقائه في موقع حساس فقط بناءً على تصريحات خصم سياسي، ومطالب قائد في المعارضة اجتمعت لديه الأدلة والشواهد على كارثية أداء وزير العدل في المملكة الشريفة فعبر عن رأيه الذي قوبل بعناد الدولة كما تزعم؟ هل يعقل السيد الرميد أن تصور المغرب كدولة “مزاجية صبيانية” قراراتها مرهونة بلسان بنكيران؟؟

    وأنت السيد مصطفى الرميد تعلم، أكثر مني ومن غيري، أن استمرار وهبي في الحكومة، كان مرتبطاً بأجندة “تشريعية أخنوشية”، تهدف إلى منع الجمعيات من التبليغ عن الفساد، وسحب قانون الإثراء غير المشروع، وتبخيس دور المحامي في قانون المسطرة المدنية، والتضييق على ما تبقى من حرية الصحافة والتعبير وهي مهمة أداها ويؤديها السيد وهبي بتفان واجتهاد منقطع النظير !

    ثم كيف تقول السيد مصطفى الرميد إن “حزب التجمع الوطني للأحرار” مشكلتهم مع بنكيران خاصة وليس مع “البيجيدي” ومشروعه عامة؟ هل تريد أن تقول لمناضلي حزب “المصباح” المتوجهين إلى مؤتمرهم القادم هذا الشهر لا تصوتوا على بنكيران إذا أردتم العودة إلى الحكومة عن طريق التحالف مع “الأحرار”، لأن أخنوش لديه مشكل شخصي مع بنكيران؟

    وأنت تعلم السيد الرميد أن حزب “الأحرار” مجرد مفعول به في الحقل السياسي والحزبي، وهو مجرد أداة من أدوات هندسة الأغلبيات في المغرب فلا قيمة ولا وزن لآراء أخنوش في بنكيران أو غيره… وإلا لماذا جلس أخنوش وحزبه في حكومة بنكيران الأولى لسنوات يأكلون الطعام ويربحون من الأسواق والمحطات.. ثم لم تظهر لهم عيوب بنكيران الشخصية سوى بعد أن حصل على تفويض سياسي كاسح في انتخابات 2015 الجماعية و2016 البرلمانية حيث زادت حصة العدالة والتنمية في مجلس النواب إلى أن صارت 126 مقعدا… ثم إن بنكيران – ورغم اختلافي معه ومآخذ لي ولغيري عليه – فبفضل قيادته لحزب “المصباح” وللحملة الانتخابية لسنة 2016 جلست أنت والعثماني في غرفة قيادة الحكومة فيما هو طرد منها… بعد أن نزل بنكيران إلى المحمدية في الحملة الانتخابية لسنة 2016 لمؤازرة سعد الدين، الذي ترشح هناك، وبفضل هذا النزول حصد “البيجيدي” ثلاثة مقاعد بالمحمدية وتصدر العثماني النتائج، قبل أن يرسب بعد ذلك، خلال انتخابات 2021، حين أشرف على الحملة الانتخابية بنفسه، في سابقة لم تحدث مع غيره.

    هل احتفظ “البيجيدي” بهويته السياسية ولمسته الإيديولوجية وأدائه الانتخابي خلال فترة رئاسة سعد الدين العثماني للحكومة والتي كنت أنت ساعده الأيمن قبل أن يبعدك عن مكتبه وقراراته ومشورته لأسباب لم تشرحها لنا بعد؟. لقد فشل العثماني أمام الضغط الذي تعرض له من قبل “الأحرار” بزعامة أخنوش في عدة مناسبات، مثلا فشل في تمرير مشروع قانون الإثراء غير المشروع، تحت ضغط من برلمانيي الأحرار كما صرحت بذلك البرلمانية والقيادية في حزب العدالة والتنمية بثينة القاروري. كما فشل العثماني في تضمين المادة التاسعة مكرر في قانون المالية 2019، كما رضخ العثماني في آخر ساعة لقرار التطبيع، ووقع جنباً إلى جنب مع مسؤول إسرائيلي جد مقرب من نتانياهو، وقد كان الطبيب النفسي يقول ويعيد زمن المعارضة (إن التطبيع مع اسرائيل إبادة حضارية)! كما وافق العثماني على مشروع قانون مثير جدا للجدل ويتناقض مع برنامج ومشروع حزب “المصباح” ألا وهو مشروع القانون الإطار الخاص باللغة الفرنسية، وعلى مشروع تقنين القنب الهندي، الذي كان وما يزال مصدر خطر على الزراعات المعيشية في الشمال وعلى تقاليد وأعراف المجتمع المغربي، لقد سلم العثماني فعليا مفاتيح قيادة الحكومة إلى حزب أخنوش ومن يقفون خلفه، دون مقاومة، ودون اعتبار لمخاطر هدم مشروعية الحزب الذي جاء على ظهره إلى رئاسة الحكومة التي لم يكن يحلم بها … وقد كنت يا السيد الرميد لفترة معتبرة شريكه في القرار الحكومي وفي القرارت المهمة ولم تنبس بكلمة أيها المحامي الفصيح حتى خرجت من الحكومة أنت وصاحبك من الباب الصغير جدا: من 126 مقعدا في البرلمان إلى 13 مقعدا يتيما. بالكاد خرجت عن صمتك مع بيان بئيس يدعي عدم فهم النتائج التي أعلنت عنها وزارة الداخلية، حتى أن الشجاعة خانتكما للجهر بحقيقة ما جرى، كما فعل اليوسفي رحمه الله في محاضرة بروكسيل وفي بيان الخروج عن المنهجية الديمقراطية ….حيث كان واضحا وصريحا في مواقفه من استبدال نتائج الاقتراع بخيار تكنوقراطي، أثبتت الأيام سوء تقديره.

    - إشهار -

    ثم كيف سمحت لك أخلاقك والتزامك القانوني والسياسي، السيد الرميد، أن تتحدث في أمر سيادي كالعفو الملكي عن الصحافيين، كيف تحملهم مسؤولية عدم اكتمال العفو الملكي ليشمل باقي المعتقلين السياسيين، فقط لأنهم عادوا للتعبير عن آرائهم ما قبل الاعتقال، وأنت بهذا المنطق تخرق مبدأ قرآنيا يقول ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) ثانيا أنت تجزم بتأويل، خاصة لقرار ملكي لم يُتَّخذ بعدم إنهاء محنة معتقلي الريف والنقيب زيان.

    ثم تقول يا سيادة الوزير الذي طالما رافع عن الفصل بين السلطات : إنك اتصلت بوزارتي الداخلية والنيابة العامة للاستفسار عن دواعي اعتقال بوعشرين في تلك الليلة التي لم تنم فيها! متى كان من حق وزير في السلطة التنفيذية أن يفتح نقاشاً سياسيا مع السلطة القضائية حول موضوع بين يدي النيابة العامة، التي صارت نظريا مستقلة على السلطة الحكومية، أليس هذا تأثير مباشر على القضاء، وخرق سافر لسرية التحقيق، ومس بضمانات المحاكمة العادلة؟ ثم كيف تسمح لك أخلاقك أن ترجع إلى النبش في ملف طواه القرار الملكي بالعفو، وأن لا تُقيم اعتباراً- بغض النظر عما كان ولم يكن في الملف – للحق في النسيان وهو مبدأ من مبادئ العدالة والإنصاف لا يجوز خرقه.

    ثم كيف تقول إنك اتصلت بوزارة الداخلية للاستفسار؟ ما علاقة الداخلية بملف بين يدي القضاء؟ والأخطر، متى كانت حرية التعبير موضوع تفاوض على ما بعد الخروج من السجن؟، يمكن أن نتفاوض مع مجرم على عدم تكرار السرقة أو التزوير مقابل عفو، لكن هل من المعقول أن تفاوض صحافياً على التوقف عن التعبير عن آرائه مقابل الإفراج عنه أو مقابل تمديد العفو عن غيره؟. هذا اسمه ابتزاز وهذا أمر لم تأمر به الدولة ولا تدخل فيه حتى المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي بدأ الحوار مع المعتقلين قبل أن تلتحق متأخرا بالوفد الذي كان يزورهم وبقي ملتزما بحدود قانونية وحقوقية تتصل بالعفو الملكي الكريم وغير المشروط…

    السيد الرميد، إضافة لما سبق لدي بعض الملاحظات الأخيرة على ماجاء في حواركم :

    أولاً، لماذا اخترت هذا التوقيت بالذات للخروج بحوار طويل، ونحن على مشارف المؤتمر الوطني لحزب ” المصباح” ومشارف انتخابات سنة 2026، هذا الخروج الإعلامي، أو بالأحرى الهجوم السياسي، يتضح أن له هدفا سياسيا رئيسيا هو إضعاف حظوظ قيادة “البيجيدي”، وخاصة عبد الإله بنكيران قبل المؤتمر؟ كيف سمحت لك أخلاقك الإسلامية والتربية المغربية أن تُصوّر قائدك السابق في الحزب والحكومة والذي تشبث بك للدخول إلى حكومته الأولى وزيرا للعدل بعد أن اعترضت عليك جهات في الدولة؟ كيف تسمح لك نفسك أن ترسم له صورة مهينة ومخيفة تقترب من الجنون، وقد جمعتكما موائد، وأسرار، ووقفات، وتظاهرات، ومسار سياسي مشترك، وتجربة حكومية، وتجربة إسلامية؟. أليست الأخلاق هي رأسمالكم الأول والأخير في هذه التجربة السياسية التي خرجتم من المساجد تبشرون بها المغاربة وتطلبون أصواتهم بموجبها لتقدموا نموذجا أفضل في تسيير الشأن العام؟ ألم يكن الأجدر بكم أن تنظفوا غسيلكم داخل البيت لا خارجه على رؤوس الخلق؟

    ثم كيف تقبل الحديث عن الماضي الذي جمعني بك، حين حاولت إذلالي، كما تفعل مع الجميع، بإجباري على الاعتذار لك وأنا ماثل أمام القاضي وقد رفضت، وتمت إدانتي بأربعة أشهر حبسا نافذاً، وكنت وما زلت مستعداً لتنفيذها، وأنت وزير ورئيس للنيابة العامة؟ وفي المقابل، ترفض الحديث عن الحاضر، وفيه شكاية مقدمة ضدي من وزير العدل الحالي، أُدنت فيها ابتدائيا بسنة ونصف حبسا نافذاً وتعويض قدره 150 مليون سنتيم لصالح “معالي الوزير”!

    هل يُعقل أن تتحدث في 30 حلقة عن ماض، وعن قضية كانت تجمعنا، وترفض الآن الخوض في حاضر خطير أمام قضية حرية تعبير ونشر واختلاف؟ لا تختبئ خلف ذريعة “واجب التحفظ” إزاء قضية معروضة أمام القضاء، وقد تدخلت في قضايا كانت ومازالت معروضة على القضاء كما اعترفت بعظمة لسانك؟ لماذا لم يمنع واجب التحفظ هذا وزيرا العدل السابقين محمد أوجار ومحمد الإدريسي العلمي المشيشي من إبداء رأيهما في القانون الواجب التطبيق في قضيتي ضد عبد اللطيف وهبي: هل هو قانون الصحافة أم القانون الجنائي؟ ولماذا لم يمنعك واجب التحفظ من انتقاد مشاريع قوانين الوزير وهبي، كقانون المسطرة الجنائية وقانون المسطرة المدنية ومدونة الأسرة؟

    أين كان واجب التحفظ حين “شرشمت” إخوتك في الحزب، دون اعتبار لملح أو طعام أو تاريخ أو عشرة أو مودة؟ كيف طاوعك لسانك لكي تعطيه لغيرك ليأكل به الثوم؟
    والسؤال الأهم الآن هو : لمن تقدم كل هذه الخدمات؟ من المستفيد من تشويه صورة بنكيران أمام الرأي العام في هذه الظرفية الدقيقة والحرجة؟ ألن يصب ماء هذا الحوار المتدفق في طاحونة الطامح إلى رئاسة حكومة “المونديال” القادم على جناح الحمام الأزرق لا قدر الله!.

    أعجبتك المقالة؟ شاركها على منصتك المفضلة
    قد يعجبك ايضا
    اترك رد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

    يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد