” سَيِّدِي سُلَيْمَان ” سَيِّدَةُ الْيُتْمِ، هَذِهِ الْمَدِينَةُ


 

    يمكنكم الاشتراك في نشرتنا البريدية للتوصل بملخصات يومية حول المقالات المنشورة على الموقع

    الاشتراك في النشرة البريدية

    - إشهار -

    ” الصمت على قِسمينِ: صمتٌ باللسان، و صمتٌ بالقلب.”

    ابن عربي

     

    هَذه المدينةُ؛
    تَنكشفُ بِنَهارِهَا، تَتَدثَّرُ بِلَيلِها الْحَزينِ، تَغْشاهُ و يَغشاهَا بِلا مَعنى. هَذهِ الْمدينةُ مُصادَفةٌ غَريبَة لِلرَّمل بِالْأوكَاليبْتُوس. مِثلَما نَشأتْ مِن حُلمٍ، قَدَّ جَسَدَها الشَّهِيَّ لِضَيَاعٍ أَبَدِيٍّ، وَ تَاهَا معاً. تَجَرَّأتْ على سُؤالِ الْعَادةِ و طَقسِ التَّآكُلِ مِنَ الْأطرافِ، تَخَلَّتْ عَنْ شَرايِينهَا، اِقْتَطَعَتْها لِغُلَالَةِ النَّارِ و الْغُبارِ، وَ أَدْخَلَتْهَا ظِلَالَ الْخوَفِ و الْعَبَث.
    لَمْ يَكُنْ لِلرِّيح أَيُّ دَوْرٍ في الْخَرابِ ! وَ لَا الْخَرابُ لَمْ يُحَمِّلِ الرِّيحَ وَأْدَ الْحَنينِ الْجَارِفِ لِلْمَدِينَةِ الشَّبَحِ ! اَلْفَراغُ، صَنيعَة أَيَادٍ سَوْداءَ؛ ضَخَّتْ صَوْلَةَ عُنْفِها على مَا تَبَقى فِيها مِنْ وُرُودٍ، أَرْدَتْ رَمَاداً رُوحَ وَشْمِهَا الْأخْضرِ الْمُنَعْنَعِ، أَلْكَانَ، وَ عَشِقَتْ بِسَطوَة الضَّلَالِ ثم عَجَّلَتْ بِمَدِيدِ الْكَآبَةِ وَ بِنَصْرِ اللَّعَنَاتِ، فَبِثِقْلِ الضَّبابِ، إلى الْفَقْدِ الْأَعْتَى !
    هَذهِ الْمدينةُ،
    كَانتْ وِسَادةَ الْأَحْلامِ لِصِغارِ النَّاسِ وَ سِرَّ أشْواقِهِمُ الْمَكْبُوتَ، غَيْر الْمَبُوحِ. أَثَّثَتْ بَهَاءَها بِسَوَاعِدهِمْ، و لَهُمْ أَشْهَرتْ دَوَاخِلَها؛ فَأُجْبِرَتْ على اغْتِصابِ الْوَرْدِيِّ مِنها. دَكَّتْ طُفولَتَهُم تَحتَ أَنْقاض الصَّمتِ و تَكَسَّرَت على نَوَاصِيهِ ذِكريَاتُ الشَّوارعِ الْمُغْبَرَّةِ وَ أَنَّاتِ الْوَاديِ.
    اَلْوَادِي، ذَاكَ الَّذي اسْتَشْعَرَ الْخَيْبَاتِ مُبَكِّراً، فَانْبَرَى لَها بِمَوْتٍ قَبْلِيٍّ… “بَهْتُ” الَّذِي “بُهِتَ” مِنْ فِعْلِ الْجَاحِدينَ، “بَهْتُ” الذي شَقَّ تَاريخَ الْمدينةِ بِأنْفَاسٍ مُعَتَّقَةٍ مِنْ عَجِيجِهِ و حِكايَاتِه الْبَلِيلَةِ. كَانَ فَيْضُهُ نَاعِماً رَغمَ الْقَسَاوةِ، يَسْمحُ بِالتَّخَلُّلِ عَبْر الْأتْرِبَة، وَ يَمْسَحُ بعضَ الْأحزانِ عَن مُرتادِيهِ وَقتَ الْقَيْظِ، وَ يَتَسَلَّلُ إلى دُورِهِمْ، عِندَما يَغْضَب.
    لِلْمَدينةِ هَذهِ، كَانتْ أَرْكانٌ وَ زَوايَا.
    أَرضٌ عَذراءُ، كَانتْ هذهِ المدينةُ،
    وَ لَهَا ذَاكرةُ السَّرابِ، كَانتْ.
    سَيِّدِي سُلَيْمَانُ،
    سَيِّدةُ أَخْتامِها، هذه المَدينةُ، مِنْ ضَبابٍ غَجَريٍّ وَ لَيلٍ جَارحٍ “مُمَوْسَقٍ”… بِ”هَيْتٍ” بَدِيعٍ، لِ”هَيْتٍ” خَصيبٍ، فِي “هَيْتٍ” سَريعٍ، عَنْ “هَيْتٍ حَلُّوفِيّ” صَاخِبٍ، قُدَّ مِن نَارٍ، مِنْ فَراغٍ أزرَقَ يَحْمِل بُرتقالاً دَمَوِيّا لا يَخُون رَحيقَهُ، مِنْ صَهيلِ الْمُغَرَّبين في دِفْءٍ مُفْتَقَدٍ و احْتِمالاتِ الْأصْيَافِ الشَّبِقةِ اللَّصِيقةِ بِجُذوعِ الْأوكَاليبْتُوس وَ الصَّفصافِ الْبَاكي، مِنِ انْكِسارِ الْأوْهامِ الْيَمَنِيَّة على مُحيط التُّرابِ الْأحمرِ، مِنِ امْتدَادِ جمهوريةِ المُتَسَكِّعينَ الْبَرَرَة بِخِرَقِهِمْ ذَاتِ الرَّوائح النَّفَّاذَةِ، يَفْقِدونَ بِها وَعْيَهُم لِيَعِيشُوا أحلامَهم المُشَوَّهةَ، مِنْ نَكبَةِ الْماءِ الْمُسافرِ بَين الْأزِقةِ، حَاملاً بَقايَا الْأعراسِ، مِنْ كَرَمِ الرُّعاةِ الذين يَتَحَسَّسُون نَوايا الأرض الخضراءِ، فَيَنْشُرونَ ذُهولَ أُمنياتِهمْ على جِسْرٍ، عِبارَة عَنْ مَاسُورةٍ مُعَلَّقةٍ فوق الْوَادِي، صَدِئَةٍ رَابطةٍ بينَ ضِفَّتينِ: اَلْأولى مُشْرَعَة على شَعْبِ الْمَوتَى، و الْأخْرى تَتَسَوَّلُ أقدامَ الْحُفَاةِ !!
    أَحلامُ هذهِ الْمدينةِ تُسائِلُ الْوُعودَ و تَوَالِي الْخَيْبَاتِ.
    تَذْكُرُ أنَّهَا أَرضٌ جِيءَ إليها بِعزائمَ كَبيرةٍ و قصص مَجْنونةٍ حاضِنةٍ لِلْأُفقِ الْأبيضِ، مُتَطَلِّعَةٍ لِلمُقبِلِ من الأيام. جِيءَ إليها بكل ألوان الوطن طلبا للتشييد و الإعمار. كانتِ الأحلامُ مُقدَّسة، مُتاخمة لِبَلُّورِ السماء، فَانكسرتْ و صَعُبَ عنها الطَّلْقُ، بلِ اخْتفتِ الْأَمْسِيةُ و الصَّباحاتُ المُتَرنِّمة إلى جِوار البرتقال، و شُجيراتِ الفُلفل، و أعذاق العنب، و أكوام السنابل، و جُذور الشمندر السُّكري. اِخْتنقَتْ وَ بَارَتْ ثم تَلَاشَتْ في هُدوءٍ جَنَازِيٍّ. عَبرَتْ هذه الأحلامُ كَغيمةٍ مَاطرةٍ، إلَّا أنَّهَا رَشَّتْ و انْفَلَتَتْ.
    هذهِ الْمدينةُ،
    سَيِّدةُ الْمَسَاوِفِ الْقصيرةِ.
    أُحْجِيَاتُها لمْ تَغِبْ عن تُرَابِ الْأزِقَّة و لا عن رمالِ غاباتِها المُباركَةِ… و المَنهوبة. ما يَطالُ الشجرَ، صَمَتَ إزاءَهُ البشرُ في الْتِذاذَةٍ زائفةٍ، زائغةٍ و زائلة، خالَها طائرُ البَلَشونِ صَدْرَ النِّعمِ و المأوى؛ لكنَّ الفَجيعة كانت أقوى و أمَرَّ.
    حاجَةُ المدينةِ إلى وُجوهٍ أخرى، مُستبشرةٍ قوية، مَسألةٌ غائبةٌ مُغَيبةٌ عن الكائناتِ التائهةِ المُندهِشة و المَدْهوسَةِ. ما أتاها غيرُ التُّجارِ الغُرباء، يَنحدرون مِنْ إكسيرِ العادة الشهرية، يُعَلِّمون الناسَ الصيدَ في بَحر هُمومهمْ، و ما غيرُ الزَّبَدِ في شِباكِهِم !!
    هذه المدينةُ الجائعةُ، جائعةٌ حقّا لِلجمال و لِلجميلِ، مأخوذةٌ مِنْ ناصيتها بِلَا دَمٍ. عَطشُها لِلنبْض حيثُ لا نَفْعَ لِلنـَّوايا. تَضمنُ الِاغترابَ. و باستمرارٍ تَتَمرَّنُ على الموت البطيء مُرفَقَةً بِسمفونيةِ الغِربان المُعرِّشة، و رَقْصِ الذئاب حول جسدِها البالي المَنهوك الذَّبِلِ. كلُّ عواصفِ العُروض النارية تَصطفُّ عند مَداخلها، بانتظار الدور القادم، القاضي على ما تبقَّى من حياةٍ فيها، و لا يَطولُ الانتظارُ، إذِ الطَّرقاتُ المَجنونةُ، نازِلةً، لا تَكاد تَستشْعِرُ نبضًا حتى تُخمِدَهُ !!
    هي مَسرحٌ مُسترسل لِمراسم الدَّفن و الْمُواراةِ و الوجَع. صارتْ رافضةً لِلنَّهار أشْباحُها الهائمةُ، ربما خَجَلا أو خوفا، أو ربما قُصورا، لأنها أضحت بِلا وقارٍ وحياة، بانتظار الانعاش الْمُغَيَّب.
    كَبُرْتُ وتعلَّمتُ أن للنوايا حُرَّاسًا، أَشِدَّاء على غيرهم (رُحماء بينهم !!) ثم أدركتُ أنَّ أشكال القهر تَتمدَّد، وتَتجدَّدُ بحسب السلعة المَعروضة. و لا أخالُني مُخطِئا، فالفتنةُ (فِتنتُها الكُبرى!) التي استقرَّت بأرضِ هذه المدينة، مستمرة في الزمان، متواصلة، إن لم تكن في الأبدية المُطلقة! وُجوهٌ حَمَّالةٌ لِذُعرها الداخلي، مُحترفةٌ كلَّ أنواع الْبارانُويا و العُنف، تَصولُ مُسْتَطْوِسَةً، تتحكم بجنونٍ في مَسارات و مآلات الشجر و الحجر و البشر، غير أبِهَةٍ بكل الخُدوش الغائرة و المَفاوِز الرَّهيبة التي تزرع في تُربة هذه المدينة، و لا بالصرخات التي تَكتُم، أو بالضياء الذي تَسُدُّ. في قَبضتِها قُلوب صَلْدَة تُصر على وأد الشرايين ليس إلا !!
    ليت لهذه المدينة قُدرة على الفِكاك من أَسْرٍ عَمَّرَ، و فَرحٍ مَبِيدٍ مَسحُوقٍ. شوارعُها؛ تدنو من الموت أكثر، و تقتنع بالنهاية الغَريبة لِمَصيرِها. قد طال عَفَنُهَا و تَحَلَّلتْ وُجوهُها المُحَنَّطة. ما عاد لِلقتامة فيها أُنْمُلةٌ شاغرة! فماذا يحتاجُهُ أَسْفلتُها؟ و ماذا تَبغيهِ أعشاشُ لَقالِقِها؟ لا شَيءَ، ربما ! و كل شيء، أكيد !
    سَيدةُ الْيُتْمِ، هذه المدينةُ.
    ذاتُ الْهامَةِ الْمُنَكَّسَةِ،
    وجْهٌ آخرُ لِلْجَحيم،
    اَلشَّهْقةُ الْمَبتُورةُ
    والحكايةُ التي لَنْ يَسمعَها أحَدٌ!
    حُزنُ هذه المدينةِ أبَدِيٌّ، مَهْووسٌ بالمُكوثِ، وصمْتُها القَهْريُّ غُصَّةٌ تَتَصَخَّرُ، أما حَنينُها الْأخرَقُ، فلا أقدارَ حمقاءَ أخرى يُمكنُها أن تَحضُنَه، غيرُ الْعَمَى !!

     

    أعجبتك المقالة؟ شاركها على منصتك المفضلة
    قد يعجبك ايضا
    اترك رد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

    يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد