قرار البرلمان الأوربي قراءة سياسية في إدانة حقوقية


بعيدا عن لغة التصعيد والتوتر المجاني، وأسلوب التجييش والتهييج العاطفي، وإطلاق رصاص رشاشات الكلام صوب الفراغ بشكل عشوائي ودون جدوى، لابد أن يعود الجميع إلى رشده ونضجه، ويعمل أدوات الحليل العقلي والواقعي للوصول بحكمة وتعقل إلى الموقف الصائب بشكل سليم وجماعي..

وقبل الخوض في تفاصيل المشكل أو الصراع الدائر الآن بين الدولة المغربية والبرلمان الأوربي على خلفية قرار الإدانة الذي صوت عليه هذا الأخير بأغلبية ساحقة، لابد أن نقف عند طبيعة وحقيقة العلاقة بين الدولة المغربية وأوروبا بمختلف مؤسساتها وهيئاتها السبعة، وأهمها الاتحاد الأوروبي، المجلس الأوروبي، والمفوضية الأوربية، ثم البرلمان الأوربي، المؤسسة التي تهمنا كمغاربة في هذا القرار..

فبين الاتحاد الأوروبي الذي أعطى للمغرب سنة 2008 صفة الوضع المتقدم، والبرلمان الأوربي الذي خرج بقرار إدانة ضد المغرب خلال شهر يناير الجاري علاقة ذات طبيعة قانونية متداخلة، بين التكامل والتقاطع، تتمحور جلها حول التشريع والمصادقة على موازنة الاتحاد الأوروبي…

ومن الكلام المتداول والمستهلك حاليا على المستوى الإعلامي والرسمي أن قرارات البرلمان الأوربي غير ملزمة، وهذا صحيح، ولكن هذه القرارات، في الوقت نفسه، لها تأثير كبير وخطير على عدة مستويات، وهذا التأثير هو الذي يجب الانتباه إليه بعيدا عن المزايدات والتهييج غير المجدي في معركة تهم حقوق الإنسان على وجه الخصوص.

ويتجلى تأثير قرارات البرلمان الأوروبي على مستوى داخل الاتحاد الأوربي وخارجه، خاصة بعد توسيع صلاحياته عقب كل معاهدة جديدة.
وعلى المستوى الخارجي، وهو الذي يجب التركيز عليه، فالبرلمان الأوروبي هو من له الحق على الموافقة على جميع منح التنمية الخارجية التي يمنحها الاتحاد الأوروبي لبعض الدول، كما وقع في موضوع المساعدة بإعمار العراق بعد الحرب، أو حوافز وقف التطوير النووي الإيراني…

حيث لابد أن تمر قرارات منح مساعدات والمنح المالية على مصادقة البرلمان الأوروبي، وهذا هو مكمن قوته ومجال تأثيره.

فإذا كان الوضع المتقدم الذي منحه الاتحاد الأوروبي للمغرب يهدف إلى وضع شراكة متميزة وإحداث فضاء اقتصادي مشترك يتسم باندماج عميق للاقتصاد المغربي مع الاقتصاد الأوروبي، وإذا كان هذا الوضع المتقدم ينبني على عدة مستويات أخرى، حيث يروم تدشين حوار سياسي واستراتيجي يعطي للمغرب حق الانضمام للمعاهدات الأوروبية، فإن ذلك يشترط تحقيق تقدم كبير على مستوى احترام مبادئ حقوق الإنسان والحريات الفردية والأساسية التي تتعلق بحرية التعبير، ودعم الديمقراطية وسيادة القانون.

فلا يجب أن ينسى أو يتناسى المغرب أنه حصل سنة 2013 على هبة مالية بقيمة 1,86 مليار درهم قصد تمويل أربع برامج تنموية واجتماعية، كما منحه سنة 2022 منحة مالية تقدر ب 500 مليون أورو من أجل مكافحة الهجرة السرية، ومؤخرا قرر الاتحاد الأوروبي تخصيص منحة تقدر ب 1,6 مليار أورو لدعم مشاريع تنموية بالمغرب حسب تصريح رئيسة المفوضية الأوروبية.

وكما سبقت الإشارة إلى ذلك، فإن هذه المنح والمساعدات مشروطة باتفاقيات أخرى تهم مجالات متعددة أهمها مجال حقوق الإنسان والحريات الأساسية.. وأن شرط الحصول عليها متوقف على مصادقة البرلمان الأوروبي عليها.

ومن هذا المنطلق، وبدل السباحة في بحر التشنجات والتهييج اللذان لا شاطئ لهما، فالأولى والأجدر العودة إلى بر الحكمة والتعقل، والنظر في سبل الخروج من هذه الأزمة حتى لا نفقد بتهورنا صفة الوضع المتقدم، هذا الوضع الذي لم يمنح لدولة مثل تركيا باقتصادها القوي وقوتها العسكرية وموقعها ضمن المجال الجغرافي الأوروبي وانتماءها إلى الحلف الأطلسي (النيتو).

لذلك، علينا أن نواجه أنفسنا بهذا السؤال الصريح بمسؤولية وشجاعة، كيف هو واقع حقوق الإنسان بالمغرب، خاصة بعد 2017؟
من المفروض أن نجيب عن هذا السؤال دون الحاجة إلى تدخل أي جهة خارجية، ودون أن نضع أنفسنا في موقف الدفاع بطريقة تبعث على الشفقة والأسى، وتجعلنا أضحوكة المنتظم الدولي، خاصة الأوروبي الذي تجمعنا معه مصالح اقتصادية كبيرة.

- إشهار -

قد يقول قائل، إن الاتحاد الأوروبي بجميع هيئاته ومؤسساته المالية والتشريعية والسياسية تتعامل معنا بمنطق الكيل بمكيالين، وبازدواجية مستهجنة ومعايير متناقضة، وهذا أكيد ولا ينكره إلا جاهل أو ساذج. فالدول الأوروبية إلى عهد قريب كانت تستعمر معظم دول إفريقيا والعالم العربي، وتنهب خيراته، وما تزال إلى حدود اليوم بصدد استغلاله وابتزازه بشتى الطرق والوسائل، ومن السذاجة أن نعتقد أن هذا القرار قد يخرج عن قاعدة الاستغلال والابتزاز الأوروبي..

وإن فرضية أو حقيقة استعمال الاتحاد الأوروبي، وكل أجهزته التي تدور في فلكه، ومن بينها البرلمان الأوروبي ورقة حقوق الإنسان من أجل ابتزازه لأسباب سياسية أو اقتصادية أو غيرها تظل قائمة وغير مستبعدة، ولكن هل يخفي ذلك واقع حقوق الإنسان بالمغرب، أو يحجب شمس هذا الواقع بغربال التهييج والتصعيد؟

فبدل أن تتوجه بعض الهيئات والمؤسسات المغربية إلى قرار البرلمان الأوروبي بالشجب والتنديد، عليها أن تمعن النظر في تلك المساطر القضائية والمحاكمات التي كانت موضوع الإدانة بكل مسؤولية وموضوعية وتجرد، وتتأكد من سلامتها وأنها قد احترمت بما يكفي قواعد المحاكمة العادلة، بصرف النظر عن صحة تلك التهم التي أدين بسببها الصحفيون موضوع قرار إدانة البرلمان الأوروبي.

وللعلم فقط، فقبل أن ينتهي البرلمان الأوروبي إلى قراره ذاك، فإن العديد من الجمعيات والمنظمات المغربية والدولية، وعلى رأسها مراسلون بلا حدود، ومنظمة العفو الدولية (أمنيستي)، هيومن راتس ووتش، والقرارين الأمميين اللذين خلصا إلى أن هناك اعتقال تعسفي كان ضحيته كل من الصحفي توفيق بوعشرين وسليمان الريسوني، وأوصيا بإطلاق سراحهما مع التعويض عن الاعتقال التعسفي، هذا فضلا عن العشرات من الشخصيات الوطنية والدولية التي أقرت بافتقاد كل هذه المحاكمات إلى أبسط قواعد المحاكمة العادلة.. إضافة إلى الرأي العام الوطني الواسع الذي شكك في تلك التهم وفي نزاهة تلك المحاكمات..

لقد نادت كل هذه المنظمات والشخصيات قبل سنوات وما تزال بضرورة إطلاق سراح كل المعتقلين الصحفيين ومعتقلي الرأي والحقوقيين والمعتقلين على خلفية الاحتجاجات الاجتماعية، أو على الأقل إعادة كل تلك المحاكمات لتكون وفق قواعد المحاكمة العادلة، قبل قرار البرلمان الأوروبي، ولكن للأسف الشديد تمت مواجهة كل تلك النداءات بآذان صماء وعقول متحجرة من طرف الدولة..

لقد كانت أمام الدولة المغربية عدة فرص ذهبية للاستجابة لكل تلك النداءات ومعالجة كل الاختلالات التي شابت كل تلك المحاكمات، قبل أن تصبح هي الأخرى موضوع إدانة دولية. وإن الدولة المغربية تفهم جيدا وتدرك أكثر من غيرها معنى ومضمون هذا القرار، وأبعاده وتداعياته على سمعته ومكانته وموقعه المهدد بخسارة صفة الوضع المتقدم، خاصة وأن قضية التجسس بواسطة تطبيق بيكاسوس والتحقيق في شبهة إرشاء أحد البرلمانيين الأوروبيين من طرف أحد رجال الدولة المغربية لم تنته بعد، وهذا ما يفسر قوة غضبها وحجم شجبها لهذا القرار، وتهييج العديد من المؤسسات والهيئات قصد الانضمام لحملة الشجب التي تقودها.

لا أحد بمقدوره التكهن بمآل هذا التجاذب، أو ما يشبه الصراع بين البرلمان الأوروبي والدولة المغربية، وإن صوت الحكمة والتعقل يقتضي العودة إلى جادة الصواب، والبعد عن التوترات التي لا فائدة منها.

لقد سبق للملك محمد السادس أن أقر بوقوع بعض التجاوزات في محاكمات المئات من معتقلي السلفية الجهادية بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب، وكان هذا الإقرار العلني تعبيرا عن قمة الشجاعة والمسؤولية من طرفه، وقبل ذلك، تلك المحاكمات التي كانت في زمن الجمر والرصاص التي انتهت بإحداث لجنة الإنصاف والمصالحة التي قامت بجبر ضرر المئات من ضحايا تلك المحاكمات والاعتراف بافتقادها لقواعد المحاكمة العادلة، فهل من الضروري أن ننتظر سنوات قادمة لتعترف الدولة مرة أخرى بوقوع تجاوزات في كل هذه المحاكمات الحديثة التي أصبحت الآن موضوع إدانة دولية؟

أتمنى أن يعلو صوت الحكمة والتعقل في تدبير هذه الأزمة، وبدل الدخول في توترات وتشنجات لا طائل منها، وربما تزيد الوضع تأزما وتعقيدا، فما تزال هناك إمكانية تفعيل مؤسسة العفو لطي هذه الصفحة وتفويت فرصة النيل من سمعة المغرب ومكانته وموقعه على خصومه وأعدائه وكل المتربصين به، فهل من مجيب؟

عبد المولى المروري

إن الآراء الواردة في هذه المقالة، لا تـُعبّر بالضرورة عن رأي موقع "بديل"، وإنما عن رأي صاحبها حصرا.
قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.