اليسار الديمقراطي وقرار البرلمان الأوروبي


تذكير بمواقف اليسار الديمقراطي المعارض من قضية الاعتقال السياسي على إثر صدور قرار البرلمان الأوروبي بتاريخ 19 يناير 2023.

صوت البرلمان الأوروبي، في جلسة عامة، بتاريخ 19 يناير 2023 على قرار بإدانة الدولة المغربية في موضوع الانتهاكات حقوق الإنسان، ولاسيما اعتقال صحافيين مغاربة والزج بهم في السجون.

صوت لصالح القرار أغلبية كبيرة بلغت 356 نائبا من أصل 430 مقابل رفض 32 نائبا وغياب 42 آخر عن التصويت حسب القرار الذي يحمل رقم C9-0057-2023.

القرار يؤكد على تراجع حرية الصحافة في المغرب، ويحث المغرب على “احترام حرية التعبير وحرية الإعلام”، و”ضمان محاكمة عادلة للصحافيين المسجونين”، مع الدعوة إلى “إنهاء مضايقة الصحافيين في البلاد” وإلصاق تهم بهم تتعلق بالاعتداء والتحرش الجنسي.

فما هي الدوافع وحيثيات هذا القرار؟

تتزامن الوقائع التي كانت خلف هذا القرار مع اتهام الأجهزة الاستخباراتية للدولة المغربية بتورطها في محاولات إرشاء برلمانيين أوروبيين للعمل لصالح المغرب في قضايا متعددة، من بينها أساسا:

  • قضية جائزة العالم الروسي المنشق أندري ساخاروف لحرية الفكر والضغط بوسائل لا أخلاقية لعدم منحها لقائد الحراك الشعبي للريف ناصر الزفزافي المعتقل المحكوم بـ 20 سنة سجنا.
  • قضايا الهجرة وخاصة الضغط على الحكومة الإسبانية بتسهيل الهجرة السرية لأكثر من 10000 مهاجر مغربي ضمنهم 20٪ قاصرون لدخول مدينة سبتة المحتلة سنة 2021.
  • وقضية “اتفاقية الصيد البجري ” مع الاتحاد الأوروبي التي يعمل المغرب على شمولها للحدود البحرية لأقاليمه الصحراوية الجنوبية.
  • عطفا على قضية ” قطرغيت” وارتباط ذلك بدور المخابرات المغربية في دعم ملف قطر لاستضافة مونديال 2022، وما يتعلق بالنتائج الباهرة للمنتخب المغربي الذي وصل إلى المربع الذهبي ليغادر بغتة رغم إثبات جدارته وقوته، في خروج أسال الكثير من المداد.

هذه الحيثيات والاتهامات كلها وغيرها، كانت، حسب ما نشر بالصحافة، سببا لفتح تحقيق للقضاء البلجيكي، قاده قاضي التحقيق البلجيكي ميشيل كليز المتخصص في الجرائم المالية في شهر يوليوز 2022.

فكيف كان رد الفعل المغربي الرسمي؟

كالعادة، وفي أول خروج إعلامي شبه رسمي، وصف “موقع 360″ أن قرار برلمان الاتحاد الاوروبي ” يندرج في خانة الاعتداءات من قبل أولائك الذين يضايقهم المغرب من نمو وازدهار وحضور قوي في محيطه الاقليمي والدولي وأن تزايد الضغوط لن يؤثر على المغرب ولا يمكن ترهيبه أو إخافته…”، في حين أن قصاصة “وكالة المغرب العربي للأنباء” نشرت رواية “رئيس اللجنة البرلمانية المشتركة بين المغرب والاتحاد الأوروبي “السيد لحسن حداد المؤكدة على أن “القرار يعد تدخلا في عملية قضائية ما تزال جارية ويتعارض مع حقوق الإنسان…”.

أما البرلمان المغربي، فقد أصدر بلاغا مشتركا لرئيسي مجلسيه بتاريخ 21 يناير 2023، يدعو كافة النواب والمستشارين إلى حضور جلسة عمومية مشتركة حول المواقف الأخيرة للبرلمان الأوروبي اتجاه المغرب وذلك يوم 23 يناير 2023 “.

المجلس الأعلى للسلطة القضائية، من جهته، ادان بشدة ما ورد في قرار البرلمان الأوروبي واعتبر ادعاءاته “لا تستند على أي أساس من الواقع”، وأنه تضمن ” اتهامات ومزاعم خطيرة تستهدف استقلال السلطة القضائية، من خلال تحريف الوقائع والتشكيك في شرعية وقانونية الإجراءات القضائية”.

أما المجلس الوطني للصحافة بالمغرب فقد اعتبر من خلال بلاغه الصادر بتاريخ 20 يناير 2023 ” أن قرار البرلمان الأوروبي لا يمت بصلة لحقوق الإنسان، وأنه يخدم أجندة الهيمنة والماضي البائد “.

- إشهار -

للإشارة فقد سبق لمنابر وأجهزة إعلامية وأقلام صحافية أن مهدت للموقف المغربي الرسمي الرافض لهذا القرار.

تذكير بمواقف اليسار الديمقراطي المعارض من القضية:

تعتبر هذه المواقف الرسمية السالفة الذكر بأنها تدخل في خانة “ردود الفعل المتسرعة غير المدروسة العواقب” وهروب إلى الأمام قد يؤدي إلى الدخول في مأزق الحائط المسدود وسيضر بمصالح المغرب.

وبهذا الخصوص، وجب التذكير بالحقائق التالية:

أولا، أن حصول الدولة المغربية على “صفة الوضع المتقدم في الشراكة المغربية الأوروبية” كان مشروطا بـ” تحقيق تقدم كبير فيما يخص حقوق الإنسان والحريات الفردية والأساسية التي تتعلق بحرية التعبير، ودعم الديمقراطية وسيادة القانون “، وهو ما يعني ضمنيا وضعه تحت مجهر المنظمات الحقوقية الأوروبية التي تدافع عن قيمها، وهو اختيار تورط فيه المغرب من خلال رجالات تكنوقراطي القصر خارج أية استشارة شعبية أو مع رموز السياسة والخبراء الوطنيين الحقيقيين.

ثانيا، إن قضية الاعتقالات لأسباب سياسية وكذا المتعلقة بحرية التعبير والرأي قائمة ومستمرة لا غبار عليها وتؤكدها بيانات الهيئات السياسية اليسارية والدمقراطية الجادة وضمنها الحزب الاشتراكي الموحد والجمعيات الحقوقية كالجمعية المغربية لحقوق الانسان والهيئة المغربية لحقوق الانسان والائتلاف المغربي لهيئات حقوق الانسان، بالإضافة إلى عدد من المنظمات الحقوقية الدولية مثل “هيومن رايتس ووتش” و”مراسلون بلا حدود”…

ثالثا، أن الحقل الصحافي المغربي يعرف امتدادا وتوغلا أمنيا واستخباراتيا يعلمه الجميع، وهذا يضر بالدور الموكول للسلطة الرابعة ويضرب مبدأ فصل السلط. كما أن تلفيق تهم الاعتداء أو التحرش الجنسي تبدو عقيدة أمنية جديدة لإخراس الأصوات الحرة والتضييق على الرأي المخالف.

رابعا، تلكؤ النافذين في البرلمان في مباشرة دراسة مقترح قانون العفو العام الذي قدمته نبيلة منيب الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد بصفتها البرلمانية بتاريخ 17 فبراير 2022، في إطار الفصل 71 من الدستور، للعفو عن معتقلي حراك الريف، علما أن مساندة ودعم الصحافيين عمر الراضي وسليمان الريسوني لنشطاء الحراك، كان، حسب متتبعين، سببا من الأسباب التي كانت وراء تلفيق تهم اليهما.

فعوض أن يلتقط العقل السياسي والبرلماني المبادرة ويعتبرها فرصة سانحة لتحقيق انفتاح سياسي عقلاني، استمر وأمعن في نهج سياسة النعامة.

من المرجح جدا ان تكون أجندات غربية، ولاسيما فرنسا التي تلعب على الحبلين، وراء قرار البرلمان الأوروبي، التي تركض وراء مصالحها التي تحدد سياستها أولا واخيرا. خاصة وأن فرنسا بدأت تفقد المواقع تلو اخرى في أفريقيا. فلم يسبق لهذه الدولة الاستعمارية أن دعمت المغرب في القضايا الأساسية كقضية الصحراء المغربية.

فما أشبه اليوم بالأمس، ما أشبه الجلسة البرلمانية المزمع عقدها يوم 23 يناير 2023 بجلسة 1990، فالعقلية المخزنية لم تتغير رغم تغير الظروف والسياقات الدولية والاقليمية، وتبقى قارة تحكمها المزاجية السياسية والردود الإنفعالية.

العلمي الحروني، قيادي بالحزب الاشتراكي الموحد، تمارة، 20 يناير 2023

إن الآراء الواردة في هذه المقالة، لا تـُعبّر بالضرورة عن رأي موقع "بديل"، وإنما عن رأي صاحبها حصرا.
قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.