العجز النفسي..لاتضحكوا على المغاربة

يبدو أن تمكين “قائد تمارة” من شهادة عجز مدتها ثلاثين يوما، نتيجة “الصفعة الشهيرة”، وما أعقبها من ردود فعل شعبية غاضبة، قد أحرج جهة ما، وهو ما تظهره اليوم تدوينات مُظللة، انتشرت كالنار في الهشيم، على الصفحات الاجتماعية، يحاول أصحابها إقناع الرأي العام، بكون العجز مرتبط بعجز نفسي وليس بعجز بدني!
إنه هراء في هراء، وتظليل ما بعده تظليل، لأن الأمر يتعلق بعجز مادي لابعجز نفسي، لماذا؟
أولا، لأنه يستحيل على أي طبيب أن يحدد مدة عجز نفسي لمصاب خلال زيارة واحدة، بخلاف نازلة الحال، حيث تفيد المعطيات أن القائد حصل على الشهادة من خلال أول زيارة.
ثانيا، إذا كانت الشهادة مرتبطة بضرر نفسي، فمعنى هذا وجود شهادة ثانية مرتبطة بضرر مادي، مادمنا عاينا صفعة على وجه القائد أو صفعتين على خدَّيهْ، والحال تُفيد وثائق الملف بوجود شهادة طبية واحدة، وبالضرورة هي خاصة بالعجز المادي لا النفسي، وإلا استحال على وكيل الملك اختيار فصول المتابعة؛ لأن الأخيرة مرتبطة بشكل وثيق، وعلى سبيل الحصر، بالعجز المادي فقط.
ثالثا، أين قرأ هذا الطبيب حتى يكون بمقدوره تحديد عجز مادي وآخر نفسي في نفس الوقت؟
رابعا، عندما فصَّل المشرع المغربي، في ظروف العجز المادي، في المواد 400، 201و402 من القانون الجنائي، فبهدف تيسير عملية التكييف بين الواقعة والنص القانوني، وتمكين المسؤول القضائي من تسطير فصل أو فصول المتابعة المناسبة لكل نازلة حال، فإذا كانت الإصابة موجبة لعجز بدني لايتعدى عشرين يوما، سواء ترتب عنه مرض أم لا،فإن العقوبة تنحصر بين شهر وسنة، وقد تصل إلى سنتين إذا تبث استعمال سلاح وكان هناك سبق اصرار وترصد، وفقا للفصل 400 من القانون المذكور، وقد تصل العقوبة إلى ثلاث سنوات إذا فاقت مدة العجز عشرين يوما، أما إذا كان الجاني قد ترصد للضحية وتبث اصراره على الاعتداء عليه بواسطة السلاح فإن العقوبة الحبسية تصل إلى خمس سنوات، وفقا للفصل 402، من ذات القانون، وقد تصير العقوبة سجنية تصل لعشر سنوات( أقل من خمس سنوات نقول حبسا أكثر من خمس سنوات نقول سجنا) وليست حبسية، إذا نتج عن الإصابة فقدان لعضو أو بتر له أو حرمان من منفعته أو عمى أو عور، بل وتصبح العقوبة عشرين سنة إذا تبث وجود سلاح وترصد واصرار على ارتكاب الفعل الجرمي. فكيف يُروِّج المظللون للضرر النفسي، وهو خاص فقط بالتعويض للضحية، ولا حضور له بتاتا في سلطة تكييف الوقائع مع النصوص القانونية الموجبة للمتابعة من عدمها؟؟
- إشهار -
جاء في إحدى مقاطع رواية “مثل إيكاروس” وهي إحدي روايات الدكتور المصري أحمد خالد توفيق: “للأسف لم نعد في العصر السعيد الذي كان الديكتاتور فيه يطلق الرصاص على معارضيه أو أعدائه متى شاء، ويذيبهم في الحمض. اليوم يجب أن تكون هناك محاكمة صورية يعرف بها العالم وتهمة جنائية ملفقة لابد من سبب غير الكراهية…الحزب الحاكم( حزب مول المازوط) يفوز دائما كما تعرفون… يعرف خطط المعارضة لا توجد معارضة كما تعرفون، كلهم في السجون، أو ذابوا في الحمض. يعرف اتجاه الرأي العام لايوجد رأي عام كما تعرفون نحن نصنعه، الرأي العام هو ما تقوله صحفك وبرامجك”.
تذكرت هذه المقاطع الجميلة، وأنا أرى كيف أصبحوا اليوم يتلاعبون بعقول المغاربة ويضحكون عليهم من قبيل نكتة أن مدة العجز الخاصة بثلاثين يوما مرتبطة بعجز نفسي لامادي.
بكلمة، لم يعد في المغرب للقمع وجه واحد، قِوامُه، منعك من حريتك في التعبير، بل الأخطر صار للقمع وجه أخطر وأبشع، وهو إرغامك على قول ما يريدون وما تريده صحفهم وبرامجهم، والأفظع، ما يريده استاذٌ للقانون الدستوري، وياحسرة، وهو عمر الشرقاوي، عندما يتفاعل مع مواطن، على صفحته الخاصة، بالقول: “أنت كمواطن إلى مشيتي عند أي طبيب محلف وقلتي ليه اعطيني شهادة طبية لقد تعرضت لصفعة وترتب عليها ضرر نفسي غادي يدير لك 10أيام إلى 15 يوما. حينما تتجاوز الشهادة 21 يوما فهي موجبة للمتابعة في حالة اعتقال”.
تصوروا هذا دكتور في القانون الدستوري بالمغرب واستاذ جامعي، وتسلل إلى البرلمان واشتغل مستشارا وصباح مساء ينظر ويفتي ويوجه ويلوم ويصحح ويخون ويوزع صكوك الغفران الوطني وفي الأخير يفسر فصول المتابعة بالضرر النفسي بدل العجز المادي والفصول 400 و401و 402، واضحة أكثر من وضوح الشمس على كونها مرتبطة بتكييف الضرر المادي مع الفصل المناسب لحجم الضرر لا بالضرر النفسي المرتبط دوما بالتعويض.
تصوروا أكثر هذا دكتور في القانون الدستوري بالمغرب واستاذ جامعي، وتسلل إلى البرلمان واشتغل مستشارا، وهو صباح مساء ينظر ويفتي ويوجه ويلوم ويصحح ويخون ويوزع صكوك الغفران الوطني وفي الأخير يفسر فصول المتابعة في حالة اعتقال بفصول القانون الجنائي بدل الإجراءات الجنائية المرتبطة بالفصلين 47 و74 من قانون المسطرة الجنائية؟؟؟