أوكرانيا شرارة.. فهل قدرنا تحت حوافر الخيل؟


الحرب في أوكرانيا لا تبدو محدودة الجغرافيا ولا معلنة الهدف، وكأنها شرارة حرب عالمية تستهدف حق الإنسان الآخر في الحياة على الأرض. كيف نفسر انعدام وساطة سياسية لها؟ وكيف نفسر العمل على حجب كل الطاقات الروسية الحيوية عن البشرية، ولماذا الإنتقائية في تراجع القضايا الإنسانية والسياسية على الأجندات الدولية والإقليمية وإثارة النائم منها وأمامنا بهذا التحرش الأمريكي بالصين والتراجع غير المفهوم في تسوية الملف النووي الإيراني. فهل هناك توجه لصراع مصيري ما بين الشرق والغرب بإدخال العالم في حرب عالمية كلاسيكية تقود لحرب بيولوجية أو نووية عالمية. دول نووية عديدة ككوريا الشمالية ليس بمقدورها مجاراة الدول الكبرى في صنع الأسلحة التقليدية مما يُجبرها على الدفاع عن نفسها نووياً.

المثال الصارخ لكل هذا هو تسخير موارد قارتين عظيمتين ( أمريكا وأوروبا ) لمصانع ذخائر وأسلحة متطورة لتغذية قدرة نظام اوكرانيا على الصمود لهدف استمرارية الحرب وتفاقم نتائجها على العالم، مقابل موارد ومصانع دولة واحده هي روسيا وهو ما لا تستطيع مجاراته دون مساعدة. فهي لن تستجيب بتحجيم اقتصادها لمصانع ذخير وأسلحة ولن تستعجل بخيارها النووي بل ستتدرج بوسائل إفشال هذه السياسة. وقد تبدأ بقطع كل صنوف الطاقة والحبوب وغيرها عن أوروبا وباستخدام أسلحة فتاكة من تلك التي لا تصنف كأسلحة دمار شامل، وستسعين بأصدقائها على مساحة العالم لتأمين الذخيرة والأسلحة. ولكن يبقى السؤال إلى أي مدى سنسير بهذا.

لعبة أمريكية خطيرة وجهها الاخر بريطانيا، ماضية في تصعيدها دون اكتراث باستخدام الأخر للنووي. أم هي على يقين بأن روسيا تفضل الاستسلام على استخدامها النووي؟، وأنها لذلك تعتبر تصعيدها العسكري في سياق ابتزازي. نعم السلاح النووي أصبح ردعياً ولم يعد استخدامه خياراً لأي طرف لأنه يعني انتحاراً جماعيا. ولكن السؤال هنا هو ماذا لو وصلت روسيا أو الولايات المتحدة لنقطة الفشل أو الهزيمة..وكيف للبشرية أن تتجنب حربا نووية عالمية وكيف لها الدخول في عالم خال من شرور طغيان الإمبريالية الاستعمارية وأدواتها ما لم نشهد ما يطغى على سيرورة الحرب في اوكرانيا ويُخرج منها نقيض ما ترمي إليه.

وهنا يُمكن التفكير بتصورات على سبيل العصف الذهني نبدأها بتصور صحوة أوروبية على مصالحها وعلى خطر تبعية أنظمتها لأمريكا ولقراراتها وأخرها ما نحن به من توريطها كطرف مباشر بفرض الحرب الأكرانية على روسيا دون استشراف لنتائجها على مصالحها ومستقبلها وعلى العالم. سنجد هذا التصور بما ينطوي عليه عصي على إقدام نظام دولة أوروبية لوحده متطوعاً دون مطلب شعبي. ففيه تحديات داخلية خروج على التقليد التاريخي وانعزال عن بقية الدول الأوروبية ومواجهة مع أمريكا والمحاذير تطول. كما أن حدوث مثل هذه الصحوة على شكل قرار أوروبي جماعي أو شبه جماعي أمر أكثر تعقيدا ومستبعد للتشابك في المشتركات القيمية مع أمريكا ولأثره على تفكيك الناتو وانطوائه على غالب ومغلوب وهزيمة فوضوية تطال المنظومة الغربية والموانع تطول.

- إشهار -

ونستبعد بالطبع أيضا تراجع روسيا بوتين لأن طبيعة الحكم البوتيني لا يسمح بهذا من ناحية، والنتائج عليه وعلى نظامه بل وعلى روسيا ستكون كارثية وبالتالي فهو أصعب من تراجع المنظومة الأوروبية التي يضيع فيها دم الهزيمة بين القبائل. أما التعويل على الولايات المتحدة في أن تراجع سياستها في الحرب الأكرانية وتفتح خط حوار سياسي مع روسيا، فهذا خيار يُفترض أن يقوم على تولد واقع لديها بفشلها وبأن استمرارها يرتد عليها بأخطار أكبر. فالمراهنة على هذا التحول مستبعد ويضاف لذلك أسباب منها أنه سيشكل ارضية عملية باعتراف امريكي بالقطبية الثنائية، كما فيه اهتزاز ثقة أوروبا بها.

وفي غياب إمكانية كسر حاجز المرور لتسوية، نفترض تصورين سيقود أي منهما لوقف الحرب ولهدنة طويلة الأمد قد تتمخض عن عالم أفضل. الأول// هو أن تأتي الصحوة الأوروبية مغطاة بثورة الشعوب الأوروبية وقد تكون ألمانيا هي المرشحة الأولى، وهي الصحوة التي سيتبعها صنع مسار سياسي ديمقراطي أمن على الساحة الأوروبية يطمح لعدم الإنحياز لقطب، وللتحول الى جزء مستقل من تعددية القطبية أو ثنائيتها بهاجس الحفاظ على مصالحها. وقد يُحسب هذا لصالح التغيير الجذري في التموضع الأوروبي.

الثاني، ينطلق من تعاظم الدعم العسكري الكمي والنوعي الأطلسي لاوكرانيا وربما في تطلع غبي إلى استسلام روسيا، وما هو في الواقع إلّا جر روسيا والعالم لحرب عالمية تُسقط دولا وتختصر البشرية أو شحنها لمجهول. مما يتطلب مأسسة حلف قوي بوجه تحالف الناتو والمعسكر الغربي. وهو ما يعتمد على استدارة صينية. فالحرب الدائرة هي حرب إخضاعية يقودها المعسكر الغربي المتصدع لا تقتصر على روسيا. بل هي مستمرة ضد الصين والشرق ومعسكر الرفض العالمي. فالتحالف الإمبريالي الذي دمر ونهب قارة افريقيا ويحاول اخضاع أمريكا الجنوبية ويفتك بأسيا مجرد من الرؤية الإنسانية ولن يتوقف تبرعاً..

الكاتب: فؤاد البطاينة

إن الآراء الواردة في هذه المقالة، لا تـُعبّر بالضرورة عن رأي موقع "بديل"، وإنما عن رأي صاحبها حصرا.
قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.