ابوض: الجائع والمقموع لن يبنيا حداثة ولا نصف تنوير (حوار)


اعتبر الناشط الحقوقي والباحث المهتم بالحركات الإسلامية والمسألة الدينية “محمد ابوض”، أن اعتماد الدولة المغربية على حزب العدالة والتنمية في سياق حراك 20 فبراير، شبيه باعتمادها على الاتحاد الاشتراكي في سياق بحثها عن انتقال سلس للسلطة، وأن هذا ميكانيزم أساسي للدولة تعتمد عليه في سياق أزماتها وتتخلى عنه في سياقات أخرى.

وأكد في حواره مع “موقع بديل” أن انتفاع البيجيديين من اصطفافهم خلف الملك سيحول دون تصدع الحزب بسبب توقيع أمينه العام عن الاتفاق المغربي الأمريكي الإسرائيلي، وأن عهد إسلاميي المساجد والأخلاق قد ولى كما ولى زمن ركوب السيارات المهترئة، في إشارة لما قاله بنكيران في أحد تجمعاته الخطابية.

وميز ابوض بين السلفية الوطنية التي تزعمها علال الفاسي وآخرون وبين جماعات الإسلام السياسي من خلال التمييز بين منطلقات كل منهما، ومن خلال درجة استنباط قيم الحداثة والتنوير في كل اتجاه من الاتجاهين.

وأضاف رئيس جمعية أطاك المغرب السابق أن التحدي الأكبر أمام العلمانيين واليساريين راهنا هو بناء نموذج ملموس في الواقع مغاير لما ينتقدونه في الإسلاميين، مؤكدا أن نموذج الحداثة الغربية ليس كونيا ويمكن الولوج للحداثة من أبواب أخرى، وأن الدين لا معنى له دون إرفاقه بأجوبة حول أسئلة التنمية الاقتصادية المتمركزة على الذات ثم تحقيق مجتمع الحريات الديموقراطية.

ما هي رؤيتك الاستشرافية لمآل الإسلام السياسي بالمغرب خصيصا مآل العدالة والتنمية في تعاملها مع السلطة، أخذا بالاعتبار ما يعرفه البيجيدي من تخبط؟

الحديث عن مآل العدالة والتنمية في علاقته بالسلطة السياسية هو نوع من التحليل الاستشرافي يجب أن يبنى على مؤشرات راهنة.

قبل ذلك يجب الانطلاق من ميكانيزم أساسي للدولة المغربية، وهو أنها حين تكون في وضعية أزمة سياسية، تلجأ لاستعمال قوة سياسية معارضة ذات مصداقية شعبية على رأس الحكومة. وفي الأوضاع “العادية” تعود لاستعمال نفس القوى المخزنية التقليدية. على هذا الأساس، تم فتح الباب أمام إسلاميي العدالة والتنمية في سياق 20 فبراير، كما استعملت سابقا الاتحاد الاشتراكي في سياق تأمين انتقال سلس للعرش. وحين انتهى ذلك السياق عادت الدولة نحو ما نعته اليوسفي غاضبا بـ”الانقلاب على المنهجية الديموقراطية”. وفي حالة العدالة والتنمية، فالظاهر أن نفس المصير ينتظره وإن اختلفت الطرق. فالدولة المغربية ستراهن من جهة على تحجيم قوتهم الانتخابية (وهو ما تؤشر عليه التغييرات الجديدة في القوانين الانتخابية) ومن جهة ثانية على الحفاظ عليهم كحزب سياسي مشارك في البرلمان والحكومة والمجالس من موقع أقلية.

وهاتان الوسيلتان مستعملتان ضمن هدف عام يتحقق ببطء. لأن مشاركتهم في التسيير ينتج عنها القضاء بالتدريج على استعمالهم للطهرانية الأخلاقية كسلاح سياسي فعال، على طريق بلوغ هدف تحولهم التام إلى حزب عاد يضم كتلة من المنتفعين من مصالح شخصية ذوي قاعدة اجتماعية مغفلة إلى جانب لائحة انتظار من الساعين للانتفاع.

ما تفسيرك لاستقالات قادة بارزين في العدالة والتنمية من الحزب بعد استئناف المغرب لعلاقاته مع إسرائيل؟

هي أحداث صغيرة وجب ألا نعطيها حجما كبيرا لكونها استثناءات تخدم القاعدة. وهي مرتبطة بحدث توقيع زعيم الحزب على التطبيع مع إسرائيل، لكن الملاحظ اليقظ سيفهم بأن البنية التنظيمية للحزب كفيلة بامتصاصها. والدليل على ذلك هو خلاصات المجلس الوطني الأخير للحزب الذي دعم في بيانه الختامي الأداء السياسي للعثماني، (طبعا مع ضرورة بعض البلاغة الخطابية حول الموقف من القضية الفلسطينية) وتزكية المسار السياسي للحزب وقيادته الحالية. لذلك وجب الوعي أننا أمام كتلة كبيرة من الأعضاء والقيادات المنتفعين من مصالح قائمة، وكل فرد منهم يسعى لمغانم أكبر عبر بوابة الاصطفاف وراء الملك والدولة فيما يقومون به. أما صورة إسلاميي المساجد والأخلاق فقد ولى عهدها كما ولى عهد استعمال الدراجات ورونو 205 بتعبير بنكيران في إحدى خطبه.

نعود لتأصيل ظاهرة جماعات الإسلام السياسي بالمغرب؛ ما هي جذور نشأة هذه الجماعات؛ هل تعود لتيار السلفية الوطنية كما جسدها علال الفاسي؟

علاقة تيار السلفية الوطنية بالحركات الإسلامية ليست علاقة ارتباط بل هي علاقة قطيعة تامة بين المشروعين. فالسلفية الوطنية تجسد أول حاملة لأفكار السلفية النهضوية مع جمال الدين وعبد الرحمان الكواكبي ومحمد عبدو الطهطاوي وسلامة موسى الذين جسدوا نوعا من المصالحة والتوفيق بين فكرة العودة إلى التراث واستلهام أسس ومبادئ الحداثة التي قامت عليها الحضارة الغربية. وكان آخر رموز هذه السلفية النهضوية في المشرق هو رشيد رضا الذي لم يكن في أطروحاته متماثلا تماما مع أطروحات أستاذه محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، فجسد بذلك جسر الانتقال النوعي نحو تيار آخر، وأسس أرضية لبروز تيار جديد هو التيار الذي تأسس على يدي حسن البنا، أي تيار الإخوان المسلمين. فهناك إذن قطيعة بين التيارين لان الإخوان المسلمين أكثر تزمتا وانغلاقا فيما يخص علاقة المسلمين بالحداثة. نفس الشيء بالنسبة للمغرب، فقد جسدت السلفية الوطنية من خلال رموزها علال الفاسي والشيخ الدكالي ومحمد بن العربي العلوي، نفس منظورات محمد عبده والأفغاني، أي أن علاقتنا بالتراث يجب أن تكون علاقة منفتحة تستلهم عصر الرسول والخلفاء الراشدين ولكن بمنظور غير دوغمائي.

يعني، حسب قولك، رغم أن رشيد رضى كان تلميذا لمحمد عبده المنفتح والذي استلهم مبادئ وأسس التحديث الغربي، يبقى (رشيد رضا) هو بذرة نشوء جماعة الإخوان المسلمين؟

ليس بالضرورة هو بذرة نشوء الإخوان المسلمين إلا انه كان أقل تنويرية من أستاذه محمد عبده، لذلك يسمى رشيد رضا بأنه جسر الانتقال من السلفية النهضوية إلى سلفية جديدة جسدها تيار الإخوان المسلمين وكذا التيار الحنبلي المعروف بالوهابية في السعودية. أعود إلى الحالة المغربية، فأول تنظيم نشأ هو تنظيم الشبيبة الإسلامية الذي تشظى فيما بعد وتأسست على أنقاضه تيارات أخرى من بينها البديل الحضاري والحركة من أجل الأمة. لكن أول تيار تشكل هو الجماعة الإسلامية ضم نخبة شبابية بقيادة بنكيران سنة 1981.

يعني أن جماعة الشبيبة الإسلامية تأثرت بالإخوان المسلمين؟

طبعا، بل هو تيار إخواني بامتياز وكان كتاب معالم في الطريق لسيد قطب هو الكتاب المرجعي الأكثر حضورا في البرنامج التكويني لأعضاء الشبيبة الإسلامية، إضافة لكتب سعيد حوى والهضيبي وغيرهم.

ألا ترى، كما يقول بعض المهتمين، أن بروز الجماعات الإسلامية ما هو إلا انعكاس ونتاج ميكانيكي للبنية التقليدية للدولة المغربية، خصوصا وأن الزاوية التي خرج منها عبد السلام ياسين هي عنصر حيوي داخل الجهاز الديني الرمزي للدولة المغربية إن صح التعبير.

- إشهار -

فقط يجب أن نميز بين سياق أو مكان الظهور وبين فكرة الانعكاس ذي الطابع التماثلي، فهي فكرة لا تنسجم مع حالة العدل والإحسان، التي لا يمكن أن نقول إنها انعكاس مباشر للبنية التقليدية للدولة المغربية إلا بشكل عام ويحتاج إلى نوع من تدقيق الكلام. فعبد السلام ياسين كشخص بنى أفكاره النقدية وأطروحاته انطلاقا من انعطافه نحو التصوف حوالي سنة 1967 وانخرط في صفوف الزاوية البودشيشية، لكن بعد وفاة الشيخ العباس وتعيين ابنه خليفة له على رأس الزاوية، وهو أمر امتعض منه الشيخ عبد السلام ياسين، فانشق عن الزاوية البودشيشية جراء تلك الطريقة التوريثية، ثم سعى إلى خلق تنظيم جديد ولكن بنفس الأطروحات التي تنهل من التصوف عبر تحويله من مسار العبادة والزهد إلى المعارضة السياسية، دامجا معها مجمل أطروحات الإخوان حول هدف بلوغ “دولة القرآن”. فتحول بذلك من منظور يرى التصوف مرتبطا بالنظام السياسي نحو تصوف يكون جهاديا وناقدا للاستبداد السياسي، مستندا إلى قراءة مبسطة للتاريخ الإسلامي بأن الانحراف وقع مع الدولة الأموية بالتحول من خلافة على منهاج النبوة نحو ما يسميه “الملك العضوض” استنادا إلى حديث يعتبر لدى أغلب محققي علوم الحديث منحولا عن الرسول. وتوضيح كون هذا الحديث موضوعا ومنحولا هو وحده كاف بهدم الأساس العقدي لأطروحة ما يسمونه بـ”الخلافة على منهج النبوة”.

لماذا ترأس عبد السلام ياسين إذن الجماعة إلى أن توفى، ألا يعني هذا أن البنية التقليدية للدولة المغربية انعكست على البنية العقلية لعبد السلام ياسين رغم امتعاضه من الحكم الوراثي كما قلت آنفا، وبالتالي فالبنية العقلية للجماعة ما هي إلا نتاج أظن؟

لا يمكن أن نقول جزافا بأنها نتاج هكذا بشكل حرفي. لأنه حكم انطباعي ولا تاريخي. لكن الأكيد طبعا هو أنهما ينهلان معا من منبع واحد هو ما نعته عبد الله حمودي “الشيخ والمريد”. وهنا أيضا لابد من تدقيق آخر هو أننا نسقط في الحكم الأيديولوجي واللاعلمية إذا لم نضف بأن تنظيمات سياسية أخرى علمانية أم يسارية تنهل من نفس النبع.

منطلق النظر لهذه العلاقة هو مفهوم الفاعلين الدينيين. فالنظام السياسي والزوايا والتنظيمات الإسلامية كلهم فاعلون دينيون يشتغلون بغاية وضع فهم محدد لعلاقة المغاربة بالإسلام. في هذا الإطار نفهم بأن علاقة الجماعات الإسلامية بالنظام السياسي هي علاقة تجاذب وتقاطب حول من يمتلك الرصيد الرمزي الديني كي يستعمله في الصراع السياسي، فالنظام السياسي يركز على أن يكون أول ممثل لهذه القيم الإسلامية بينما بعض الإسلاميين يعارضونه من جهة أنه لا يمثل الإسلام وهم من يمثلون المشروع الإسلامي الحقيقي، إذن فالنقطة التي تشكل تناقضا بين الإسلاميين والدولة هي من سيحتكر هذه القيم الدينية الرمزية من أجل مصالحه السياسية.

ليس هذا إطلاق أحكام قيمة بشكل معياري. فبالنسبة لي لا توجد اختلافات جوهرية في المشروع الاجتماعي والسياسي بين النظام والجماعات الإسلامية المعارضة له. فالجامع بينهما هو قبولهما معا بالرأسمالية مقرونة بالعداء للديموقراطية ومبادئ الحداثة الفكرية والسياسية. وكل ما يضيفه الإسلاميون هو أسلمة هذه المفاهيم. وتبرز هذه التناقضات في حالة العدل والإحسان بشكل جلي. فهي حركة منظمة ومنغرسة تعبر عن معارضتها للحكم الفردي بوضوح. لكنها تفتقر لمشروع سياسي مغاير لما تنتقده. ويظهر ذلك من خلال دعوتها إلى ما تنعته بـ”التوبة العمرية” (نسبة لعمر بن عبد العزيز) فهل إعلان هذه التوبة العمرية من طرف الحكم كفيل بتغيير موقفها منه. طبعا سيكون الجواب بالإيجاب لأن الجماعة لم تؤسس تصورها السياسي على فلسفة الحداثة والديموقراطية، وإنما تعاملت مع هذه المفاهيم كإجراءات مختصرة في صناديق الاقتراع. والأخطر من كل هذا هو بديلها الذي يقوم على دولة تربط العقيدة بالشريعة ستنتج أكبر صنوف القمع وإلغاء الحريات أكثر مما هو قائم اليوم.

هنا أود التأكيد على إحدى الأفكار التي أطرحها في هذا السياق. يتعلق الأمر بالوعي بمحدودية النقاش السياسي في توضيح هذه المزالق. والمطروح هو تكثيف النقاش الفكري علاقة المسلمين بالقرآن، والتمييز بينه وبين المدونة الحديثية المتضخمة في التراث الفقهي الإسلامي، وتوضيح الأسس الفلسفية للحداثة والتنوير. حين ننجح في إثارة هذا النقاش الفكري، سنبني بذلك العقول التي تستطيع استيعاب هذه المفاهيم السياسية. إذ كما يقول جورج طرابيشي «ليس يتبدل ما في الأعيان إلا إذا تبدل ما في الأذهان». لكن التحدي الأكبر أمام العلمانيين واليساريين راهنا هو بناء نموذج ملموس في الواقع مغاير لما ينتقدونه في الإسلاميين. وهذا هو الرهان.

ألا ترى كما يقول بعض المختصين في الإسلام السياسي أن هناك خلطا من بعض الباحثين بين الإسلام السياسي والظاهرة الإسلامية في المجتمعات الإسلامية؟

التمييز هنا يكمن في الاختلاف القائم بين الدين وأنماط التدين، فما نسميه بالإسلام الشعبي، هو إسلام منفتح على الحياة، ولا يتسم بالتطرف كما يشكل إسمنت العلاقات الاجتماعية والأخلاقية، لكنه أيضا خليط من التفكير السحري والأسطوري والخرافي مع بعض الأفكار العقلانية، وهو نمط التدين السائد لدى المغاربة. وهو مختلف عن الإسلام السياسي كمشروع سياسي يستعمل الدين لبناء حركة إسلامية منغرسة وسط الجماهير يقنعها بمشروعه لإقامة دولة إسلامية مبنية على الشريعة على المستوى القطري، وصولا لنظام الخلافة الإسلامية وتستند على فهم متشدد للدين وفهم لا تاريخي للإسلام ومسالة الشريعة، وتستند على منظومة المدونة الفقهية المتزمتة على مستوى التراث الديني كما أسلفت.

يرتبط بهذا التمييز بين الدين والتدين، تمييز فرعي آخر لا يقل أهمية هو التمييز بين الدين والفكر الديني. فالأول هو نص الوحي الذي أتى به النبي. أما الثاني فقد تشكل ابتداء من عصر التدوين حتى القرن التاسع وأسفر على بناء نصين متضخمين إلى جوار القرآن هما الحديث وأقوال الأئمة من آل البيت. هنا يجب الوعي بأن أغلب تصورات وأطروحات الحركات الإسلامية المعاصرة تتأسس بالاستناد إلى هذين النصين أكثر من استنادها على القرآن. وهو ما يعني ملحاحية التركيز على هذا التمييز المفضي إلى استخلاص كون المدونة الحديثية المتضخمة أكثر تأسيسا لعداء المسلمين للحداثة.

هل الجرح النرجسي بتعبير طرابيشي أمام الصدمة الحضارية التي تملكت مسلمي السلفية النهضوية وكذلك جماعات الإسلام السياسي اتجاه الغرب، أدى إلى ردود فعل وآليات دفاعية قد تكون سلبية في بعض الأحيان؟

نعم جورج طرابيشي استعمل هذا المفهوم في تحليله للنهضة العربية. فاستنادا إلى فرويد، تحدث عن الجرح النرجسي للإنسان في أشكاله الثلاث: الجرح الكوسمولوجي مع كوبرنيك والجرح البيولوجي مع نظرية داروين والجرح السيكولوجي مع مفهوم اللاشعور لدى فرويد نفسه. لكن جورج طرابيشي وصف هذه الجراح النرجسية الثلاث بأنها خاصة بالإنسان الغربي وليس الإنسان الكوني. ليضيف جرحا رابعا خاصا بالشعوب الإسلامية سماه بالجرح الأنتروبولوجي الذي اقترن بالسؤال الشهير لماذا تقدم الغرب؟ ولماذا تخلف المسلمون؟ وهو جرح مركب وتراجيدي. لكنه يحلل بأن رد الفعل على هذا الجرح الأنتروبولوجي اتخذ شكلين إما محاولة إنكار الجرح بذاته عبر المنافحة والدفاع عن القيم الموروثة وإعادة تأويلها، وإما محاولة إبرائه حتى يكون الشرق أو المسلمون ندا للغرب ويستعيدون مركزيتهم المهمشة.

  والمفقودة أيضا؟

نعم، لأنهم كانوا ذوي حضارة متقدمة في القرون الوسطى فدخلوا عصر انحطاط فيما تقدم الغرب. وتيارات الإسلام السياسي حاولت إبراء الجرح أو محاولة إنكاره عبر توهم استند إلى مشروع الدولة الإسلامية وأن تطبيق الشريعة سيحول هذه المجتمعات إلى ند قوي للغرب ليستعيدوا مركزيتهم المهمشة أو المفقودة فيما يسمى بمجد الإسلام في عصوره الغابرة. وعوض النظر للماضي بعيون الحاضر والمستقبل، نظروا للمستقبل بعيون ابن تيمية والبخاري.

هل السلفية النهضوية تشكل إسلاما سياسيا؟

لا تشكل إسلاما سياسيا، لأنها كانت أكثر انفتاحا واستلهمت جزءا من الفكر المعتزلي وحسمت مع الكثير من الأطروحات الفقهية المتزمتة واستندت إلى مقاصدية الشاطبي مثلا أي استندت إلى ما هو مستنير في التراث الإسلامي عكس الإسلام السياسي الذي استند إلى فقه الانحطاط مع ابن تيمية ومماثليه.

وما نوعية الدين الذي تحتاجه مجتمعاتنا الإسلامية لصياغة دولة مدنية ديمقراطية عقلانية؟

 يجب الاستناد على بديهية أساسية، هي أن حداثة أوروبا الغربية لا يمكن أن نعتبرها نموذجا يتسم بطابع كوني ولا يمكن اعتباره النموذج الوحيد للحداثة، فهناك حداثات متعددة. وولوج الحداثة له أبواب ومسارات وطرق مختلفة حسب كل مجتمع. نجد مثلا أطروحة عزيز العظمة وهو مفكر سوري له كتاب شهير تحت عنوان “العلمانية من منظور مختلف” يطرح بأن العلمانية هي البديل بالنسبة له، وهي أصلا واقع ملموس في مجتمعاتنا ويجب أن نتحول من صيغة هذا الواقع الملموس إلى تشريعه على مستوى النظم السياسية، كما نجد جورج طرابيشي أيضا الذي يركز على أن العلمانية هي البديل الرئيسي والشعار الذي يجب أن يؤطر عملية بناء المجتمعات الديمقراطية. كما أن المفكر محمد عابد الجابري له أطروحة أخرى تنبني على تجنب استعمال العلمانية كمصطلح ذي حمولة سلبية في الحقل التداولي العربي، لذلك يجب أن نستعيض عنه بشعاري العقلانية والديمقراطية وهما يفضيان إلى نفس ما تصبو إليه الأطروحات التي تطرح العلمانية كشعار مؤطر لهذا البديل. في حين نجد أطروحة أخرى لدى المفكرين من رموز الإصلاح الديني العقلاني في إيران كعبد الكريم سروش الذي يطرح بان البديل هو دولة تستند على المفهوم الحديث والديمقراطي ولكن مع وضع مرجعية دينية إسلامية لهذه الدولة لكن دون أن تكون هذه القوانين مستوحاة من الفقه الإسلامي، بل من التشريع الحقوقي المعاصر.

ما أهدف إليه من إيراد هذه النماذج والأمثلة بشكل مختصر هو توضيح أنه لا بديل أمام مجتمعاتنا من الإقرار بأن الفهم العقلاني للدين هو الحل. ففي الإسلام يعتبر المطلق الوحيد هو الإيمان بالله كخالق للكون والإنسان. أما ما عدا ذلك من تشريع اقتصادي أو سياسي فتدخل في صميم النسبية التي تسم الاجتماع البشري. لكن دوغمائيا أو متعاليا عن الواقع، وحدهما سيعتقدان أن ولوج الحداثة ستتم فقط بإعادة رسم الهندسة المعرفية لفهمنا للدين. فهذا الأخير لا معنى له دون إرفاقه بأجوبة حول أسئلة التنمية الاقتصادية المتمركزة على الذات ثم تحقيق مجتمع الحريات الديموقراطية. فالجائع والمقموع لن يبنيا حداثة ولا نصف تنوير.

- إشهار -

قد يعجبك ايضا
تعليق 1
  1. الخليل رموك يقول

    رجل عرفته في التسعينيات…مناضل ذو مباديء واخلاق….اشير هنا فقط الى مشروع الطيب التزني( مشروع رؤيا جديدة من الترات الى الثورة..) والذي طرح فيه ايضا معادلة التعامل مع الثرات وتجاوزه…وهي من الاهمية بمكان.وان نشير الى ان جورج طرابيشي ذو المرجعية المسيحية..والذي بنى مشروعه على نقد الجابري…تغلفه شوفينية دفينة عقاءدية وشرقية ضد كل ما ياتي من فكر من المغرب العربي بالخصوص…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.