معركة نساء ورجال التعليم.. الكرامة أولا وليس أخيرا


بداية أستأذن السيدة فيروز، على اقتباسي وتصرفي في هذا المقطع:

الحال تدهور للأبشع؛
الآن الآن وليس غدا؛
أجراس الكرامة فلتقرع…

تفاعلات مع المعركة البطولية التي تخوضها الشغيلة التعليمية بجميع فئاتها على امتداد ربوع الوطن، وحتى يتسنى لنا استيعاب وفهم السر وراء تعنت الوزارة ونهجها “لسياسة النعامة” تجاه كل ما يحدث، نسلط الضوء هنا على طبيعة الصراع، وأفق المعركة التي تقودها التنسيقيات.

إذا اتفقنا، جدلا، على أن المدرسة العمومية كانت على الدوام – ولا تزال- تقع في واجهة الصراع الطبقي، باعتبارها جهازا ايديولوجيا لإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية، وتكريس هيمنة الطبقة المسيطرة اقتصاديا وسياسيا، فإنه يسهل علينا فهم الأسباب التي جعلت الدولة في شخص وزارة التربية الوطنية تتمنّع عن الاستجابة للمطالب المشروعة للشغيلة التعليمية، وفي مقدمتها إسقاط النظام الأساسي الجديد، إذ في ظل الشلل شبه التام الذي تعيشه المؤسسات التعليمية، وحيث بلغ الإضراب عن العمل نسبة قياسية، لم تشهدها الحركات الاحتجاجية منذ عقود ( تجاوز 90 ٪)، تمادت وزارة التربية الوطنية (بخرجات استفزازية أحيانا وتغليطية أحيانا كثيرة)، في المضي قدما نحو تنفيذ إملاءات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي وفق استراتيجية مكشوفة هدفها الإجهاز على الوظيفة والمدرسة العموميتين، وضرب سافر للحق المقدس لأبناء الشعب في تعليم جيد ومجاني، عبر نهش كرامة نساء ورجال التعليم العمومي، وذلك ما تجلى واضحا في:

✓ تضخيم الجهاز الإداري المسؤول عن مهمة الرقابة عبر تعويضات تحفيزية للقيام بهذه المهام، ولأن الإداري بدوره مجرد أداة في يد الوزارة، فالتحفيز جاء فقط على شكل تعويضات ولم يطل أجرته، بحيث يمكنه أن يفقدها في أول خطأ يسقط فيه أو عند التضحية به ككبش فداء لامتصاص غضب ما؛

✓ تكريس الهشاشة والتهميش الذي طال هيئة التدريس لعدة عقود من الزمن، والحط من وضعها الاعتباري الذي طالما تغنت به شعارات الدولة المغربية، وذلك عبر إثقال كاهل هذه الفئة بمهام إضافية مقابل صفر درهم ؛

✓ ترسيم ترسانة من العقوبات في نظام استعبادي يروم إلى تكبيل صوت الشغيلة التعليمية وضرب حقوقها الدستورية المكفولة بقوة المواثيق الدولية لحقوق الإنسان مثل الحق في الإضراب، وحرية التعبير، والاحتجاج…؛

✓ إفراغ النقابات من بعدها النضالي، وتقليم أظافرها عبر فصل البيروقراطية النقابية عن القواعد وتوريط بعض زعمائها في نصيب من كعكة “الإصلاحات”؛

✓ الاتجاه نحو إضعاف الوظيفة العمومية في أفق التخلص منها؛ والعمل بالمقابل على النفخ في “المؤسسات الخاصة” عبر الإسهاب في منح الرخص وتحويل العمارات المخصصة للسكن إلى مدارس، وغض الطرف عن ظروف التدريس والتمدرس بهذه “السكنيات”، وكيفية حصول المتمدرسين بها على نقط المراقبة المستمرة دون حسيب ولا رقيب… إلخ، وذلك بغرض تهييء الأرضية للتخلص من تكاليف المدرسة العمومية، ودفع الأسر الفقيرة نحو القطاع الخاص؛

بناء على هذه المؤشرات، وغيرها كثير، لم يبق أمام هيئة التدريس من علاج سوى الكي! الكي الذي تجلى واضحا في الابتعاد عن الإطارات النقابية التي زاغت عن وظيفتها كأدوات للنضال العمالي، بفعل تكلس قياداتها، لذلك عملت الشغيلة التعليمية بكل فئاتها على الانتظام في تنسيقيات مهيكلة إقليميا ووطنيا.

- إشهار -

إن وعي الشغيلة التعليمية بمشروعية مطالبها وعدالة قضيتها جعلها تعيد عملية البناء من القاعدة، وشعارها في ذلك “الكرامة أولا وليس أخيرا”، حيث عملت على تسطير برامج نضالية نابعة من إرادة القواعد التي اضطرت إلى “حك جلدها بأظافرها” وتقرير مصيرها وتحمل مسؤولية اختياراتها، وهو ما انعكس واضحا في الحضور الميداني سواء في الجموع العامة أو الأشكال النضالية (وقفات ومسيرات احتجاجية وإضرابات….)، رغم كل محاولات الترهيب والتخوين، لأنها أدركت أن كرامتها فوق كل اعتبار آخر؛

إن ما يحدث اليوم ليس مجرد فورة محدودة في الزمان والمكان، على اعتبار أن هذا “النظام الأساسي الجديد” ليس سوى النقطة التي أفاضت الكأس، فطيلة سيرورة من التراكمات الكمية بدأت أولى قطراتها في المرحلة المعاصرة، من الإصلاحات التي أقدمت عليها الحكومة أواخر القرن الماضي، والتي دشنها “الميثاق الوطني للتربية والتكوين” سنة 1999م، كانت سياسة الدولة تجاه هذا القطاع الحيوي موجَّهة بسياسة النظام الرأسمالي في شخص صندوق النقد الدولي، وصولا إلى “تقرير البنك الدولي: “المغرب في أفق 2040، -الاستثمار في الرأسمال اللامادي لتسريع الإقلاع الاقتصادي “…

هكذا إذن، وجدت الشغيلة التعليمية نفسها أمام رهان صعب لكنه ليس مستحيلا، رهان يمكننا تلخيصه كما يلي:
إما أن نكون اليوم أو لن نكون أبدا؛ إما أن تستعيد الشغيلة التعليمية وضعيتها الاعتبارية داخل المجتمع أو لن يحدث ذلك مرة أخرى؛ إما أن نستعيد للمدرسة العمومية قيمتها ووظيفتها في توفير تعليم جيد ومجاني لأبناء الشعب أو نساهم في تسليع هذه الخدمة وتقديمها على طبق من ذهب للمتاجرة بها في المقاولات الخاصة؛ إما أن نحصن الوظيفة العمومية التي يضمنها النظام الأساسي للوظيفة العمومية 1956م أو سنصير أقنانا في يد ضيعة الرأسمال؛ وباختصار إننا – كشغيلة تعليمية عايشت هذا التحول – أمام مسؤولية تاريخية تجاه الأجيال القادمة.

قد يبدو لأول وهلة أن هذا الرهان من أجل تحقيق الكرامة والعدالة الاجتماعية وتحصين خدمات المدرسة العمومية صعبا، خاصة إذا استحضرنا كيف أقدمت الدولة على تمرير الزيادة في سن التقاعد، الذي يعد جزءا من إملاءات صندوق النقد الدولي، أمام عجز النقابات وتواطؤ البيروقراطي، لكن، وبغرض تبديد هذه الصعوبة، يكفي استحضار بعض التجارب من تاريخ النضال الوحدوي الناجح لنساء ورجال التعليم، الذي أرغم الدولة على الانصياع لمطالبها: ولعل أقرب تجربة لواقعنا هي تجربة إضراب المعلمين في الأردن، فخلال شهر شتنبر من عام 2019، خاض أكثر من 80 ألف مدرس من مختلف المحافظات الأردنية اعتصاما في العاصمة عمّان استجابة لنداء نقابة المعلمين، من أجل تذكير الحكومة ب”علاوة” تقدر بنسبة 50 في المائة التي يطالب بها المعلمون زيادة على رواتبهم الأساسية. ويعتبر هذا الإضراب أطول إضراب للمعلمين في تاريخ الأردن فقد استمر حوالي شهر، وتوقفت الحياة التعليمية بشكل كامل.

إنها 30 يوما من الصمود الوحدوي، تمكن نساء ورجال التعليم بفضله من إرغام المسؤولين على إبرام اتفاق أنهى أطول إضراب في تاريخ الأردن، والذي كانت أبرز نتائجه الحصول على زيادة في الأجور تراوحت بين 35% إلى 75% من الراتب الأساسي، إضافة إلى مكاسب أخرى أدت إلى تحسين معيشة الشغيلة التعليمية وظروف اشتغالها.
هكذا، يعلمنا التاريخ القريب كيف تنتزع الحقوق وتنفذ المطالب العادلة والمشروعة، بكسب ميزان القوى لصالح الطبقة الضعيفة، أو بالأصح الطبقة القوية لكنها تحتاج إلى الإرادة والوعي بمصدر قوتها (قوة التنظيم ووحدة الأشكال النضالية)، ومن أجل ترجيح كفة هذا الميزان لصالحنا اليوم تحتاج التنسيقيات (في اعتقادنا) إلى أن تستحضر أثناء ممارستها أربعة مبادئ أساسية:

1- وحدة النضالات بين جميع التنسيقيات والفئات (ابتدائي، اعدادي، ثانوي، أطر الدعم، ضحايا الزنزانة 10، الذين فرض عليهم التعاقد، الدكاترة..)، على الأقل في برامجها النضالية؛
2- تدبير الاختلاف بغية تغدية الصمود والاقتناع بعدالة ومشروعية المعركة المُعَبر عنهما من طرف القواعد؛
3- الاستمرار في تجسيد الديمقراطية والجماهيرية في اتخاد القرارات، وإشراك القواعد لأنه الشرط الكفيل بتجنيب التنسيقيات شر السقوط في فخ البيروقراطية ولأن اعتماد الجموع العامة والمجالس الإقليمية والوطنية في اتخاذ القرار كان أثبت بالملموس النجاح الذي ميز المعارك التي تخوضها الشغيلة التعليمية من داخل التنسيقيات؛
4- تحصين الوحدة والاستقلالية التنظيمية.

طبعا، إن الصمود في المعارك الميدانية يقتضي بالضرورة التدرج في الأشكال النضالية وانتقاء أنجع ما فيها وأكثرها تأثيرا ومردودية، كما يتطلب في الآن نفسه التضحية (اقتطاعات من الأجرة الهزيلة، تهديدات بالإعفاء أو العزل، الحرمان من الترقية …إلخ)، ولن يتم ذلك إلاّ إذا اقتنعنا جميعا بأن الحكومة المحكومة بسلطة ديون صندوق النقد الدولي، ليست وحشا خرافيا يستحيل ردعه، بل يمكن لميزان القوى أن يرغمها على الانصياع لمطالب الشغيلة التعليمية خلال بضعة أسابيع من الصمود الوحدوي.

توقيع أستاذ مادة الفلسفة
شدادي ابراهيم

أعجبك المقال؟ شاركه على منصتك المفضلة..
قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد