في شأن الحراك وما يتنازعه من وساطات وقمع و نزوعات ديموقراطية تارة وانفصالية تارة أخرى

935
طباعة
عبد الوهاب التدموري

بعد كل التطورات التي يشهدها حراك الريف بالداخل التي من جملة ما تتصف به هو تمادي الدولة المخزنية في مقاربتها الأمنية المتعددة الأبعاد وذلك من أجل اسكاته واذلال معتقليه و تبخيس وتحريف مضامينه وهو ما يتجلى في:

تمادي الدولة المخزنية في مقاربتها الأمنية من أجل اسكاته و القائمة على ثلاثة عناصر أساسية
1/العسكرة والحصار الأمني علي التجمعات السكانية الذي يرمي إلى عزلها وخنقها .
2/ الاعتقالات العشوائية والجماعية وحتى الاستباقية منها التي طالت المئات من الشباب والمستمرة في الزمان والمكان.
3/ المحاكمات الصورية والأحكام القاسية التي تصدر في حق المعتقلين بما ينسف الحق في مبدأ المحاكمة العادلة ويحاول القضاء إلى أداة تخدم الأجندات الأمنية.
وهي عناصر حتي وإن أدت وظيفتها المطلوبة المتمثلة في تطويق دائرة الاحتجاجات وخفت حدتها إلا أن الدولة المخزنية ادركت انها بهذه المقاربة قد عمقت من هوة فقدان الثقة بينها وبين أهالي الريف الأوسط والشرقي وان نيران الحقد والضغينة الكامنة في النفوس والذاكرة الجماعية لدى كل الفئات والاعمار ستبقي علي الاحتجاجات قائمة حتى وإن بدت خامدة وستبقى علي آلاف من القوات الامنية رهينة لحركات قادمة .
إنه الإدراك الذي دفع الدولة المخزنية إلى تحريك آليات موازية وليست بديلة تدفع بنا إلى القول بالبعد الثاني لمقاربتها الأمنية المتمثل في لجوء الدولة المخزنية إلى مقاربة العمل بالوسائط من اجل اذلال نشطاءه المعتقلين ، التي كان من الممكن اعتبارها آلية سليمة لو كانت فعلا تنم عن إرادة حقيقية لمعالجة الأزمة و وما نتج عنها من حراك اجتماعي .ولو تم تمكين هذه الآليات بكل الضمانات السياسية والقانونية تضفي المصداقية والفعالية علي نتائج خلاصتها.لكن مع الاسف عملت الدولة علي إدماج كل هذه المبادرات ضمن مقاربتها الأمنية وسخرتها لخدمة أهداف تتماها ومفهومها المتخلف للسيادة والوطن واحترام الدولة والمؤسسات القائم على الإكراه و الإخضاع والإذلال وهو ما أفقد.هذه الوسائط. استقلاليتها منذ البداية وجعلها بوعي او بدون وعي آلية مكملة للمقاربة القمعية للدولة وهو ما نستنتجه كذلك من المنهجية التي اعتمدتها هذه الوسائط في علاقتها بالمعتقلين والتي تحتمل في مضامين نقاشاتها معهم الكثير من الإكراه المضمر والتلويح بسيف القانون والجرم الثابت الذي يمكن ان يصل الى المؤبد في مقابل إطلاق السراح شريطة تنازل المعتقلين عن كرامتهم وعن كل ما تبقى لديهم من عزة بعد ان سلبت الدولة المخزنية منهم قسرا حريتهم وتاسيس أو التحاقهم باحزاب وجمعيات علي المقاس مما حولهم الي رهائن ومعتقلين في نفس الآن .وهو ما ادي كذالك الي فشل كل هذه المبادرات والوساطات لان الدولة المخزنية لن ترضى ابدا بحل يضمن كرامة الجميع .بل مفهومها المتخلف لهيبة الدولة و السيادة اعمى بصيرتها وزاد من جبروتها ولو أدى بها الامر الي ان تسود علي الوطن حتى وان كان بدون شعب.
ان هذين البعدين في المقاربة الشاملة للدولة المخزنية من أجل إخماد الحراك الشعبي وامتصاص الغضب الشعبي تجاه الدولة ومؤسساتها لم يكن كافيا خاصة مع ما يعرفه ملف حراك الريف من تدويل وتعاطف وطني لعبت فيه لجان دعم الحراك على المستوى الأوروبي دورا بارزا ازم الدولة في علاقتها مع المنتظم الدولي .وهو ما دفع بها إلى اعتماد البعد الثالث في مقاربتها الهجومية الشاملة المتمثل في:
لجوء الدولة إلى جيش من المليشيات الإلكترونية بأسماء معروفة او مستعارة من اجل تبخيس الحراك ومطالبه والانتقاص من شخصية قياداته وتوزيع تهم التخوين والتشهير في حق مناضلات و مناضلين صادقين في عملهم وقناعاتهم ووفائهم للريف وأهله من جهة ، وهي المهمة التي يمكن أن يكون البعض يؤديها حتى دون ادراكها ،او من اجل اظهار الحراك بمظهر الحركة الانفصالية من جهة أخرى التي يتزعمها عناصر فاقدة للمصداقية وغير واعية حتى بمتطلبات ومضامين اي مشروع من هذا القبيل و معروفة لدي جميع الاوساط بأنشطتها في عالم البطالة والمخدرات .و ذلك حتى تضفي الدولة المخزنية علي الحراك طابعا اجراميا علاقة بطبيعة متزعميه وتتزع عن المطالبة بالانفصال كمطلب وكراي سياسي صفته السياسية وتحوله الي مطلب تقوده عصابات إجرامية وبالتالي ستكون بهذه المنهجية قد بررت تدخلها القمعي في حق الحراك في الداخل والخارج خاصة بعد توليها ومباشرتها تنفيذ الكثير من البرامج والمشاريع التنموية وفق تصورها واثبتت حسب اعتقادها ان الحراك الشعبي هو حركة عبثية ليس له مطالب في مجال الديموقراطية والحريات وليس له مشاريع تصورات وبدائل في هذا الاتجاه.
انطلاقا مما سبق ذكره يمكن القول اننا اصبحنا أمام مرحلة مفصلية في تاريخ الحراك الشعبي بصفة عامة والريف بصفة خاصة خصوصا بعد ان عمدت الدولة بكل الامكانيات التي سخرتها طبعا الي خلط الاوراق واظهرت الحراك بمظهر المتخبط بين من لازال يصر علي حشر الحراك في الزاوية الضيقة بمطالب بسيطة ولو انها مشروعة إلا أنها ما كانت تتطلب كل هذا الحجم من التضحيات والاحتجاجات ورفض الحوار عليها مع المؤسسات المعنية بتنفيذها حتى وإن كانت فاسدة ولنا في تجربة سيدي افني وقبائل أيت باعمران نموذجا مشابها .وهذا الوضع الغير المتناسب بين الحراك في حجمه الذي عايشناه ومطالبة البسيطة هو من فتح الباب لتأويلات متعددة وترك الفراغ للدولة بان تملأه بما تشاء من تهم تربط الحراك باجندات خارجية .
وهي المساحات التي سمحت للطابور الخامس بان يحتلها ولو اعلاميا عبر الدفع ببعض الأشخاص الفاقدي المصداقية الي التبني بشكل صريح لما اصبح يسمي بجمهورية اللايف، خاصة بعد اعتقال قيادات الحراك ،و لمطالب انفصالية تروم الي تأسيس جمهورية في حدود العلامة 40 لبعض جماعات الريف اللسني ! وهي المجموعات التي تنشط في أوروبا وولائاتها معروفة لدى الجميع والتي أصبحت تكيل تهم التخوين لكل الأصوات الحرة والديموقراطية وتظهر نفسها كوريثة شرعية للحراك الشعبي بالريف وهو ما يخدم بوعي او بدون وعي أهداف الدولة المخزنية التي عملت دوما علي إظهار الحراك بمظهر الحركة العبثية و المتآمرة علي وحدة الوطن والبلاد.
اننا اذن امام مرحلة غاية في الدقة تتطلب وضوحا في التصورات والمواقف والتعبير عنها صراحة من اجل اعادة تقويم الوعي الجمعي لدى أهلنا وشبابنا الذي تحذوه رغبة جارفة في التغيير والحرية والعدالة الاجتماعية والعمل علي تسليحه بالمعرفة العلمية والسياسية حتي يستمر ونستمر جميعا في اغناء وتطوير هذا الحراك المبارك بما يخدم أهدافه الآنية المتمثلة في ضرورة اطلاق سراح معتقلينا ورفع الحصار والعسكرية علي الريف وأهله وكذا تلبية مطالبنا المتمثلة في حقنا في التنمية وكذا احقاق أهدافه العليا المتمثلة في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والديموقراطية كأهداف مشتركة لعموم المغاربة الأحرار وذلك من اجل مغرب حر ديموقراطي متعدد بجهالته التاريخية في إطار الدولة الديمقراطية الضامنة للحقوق والحريات والممارسة السياسية الديموقراطية.

اننا اذن امام تحد صريح يقتضي منا العمل علي بلورة أرضية حد ادني للعمل المشترك .ننفتح من خلالها علي كل الفعاليات الديمقراطية و التقدمية والحداثية والامازيغية في إطار جبهة عريضة سواء بالريف الكبير و لما لا بكل الوطن وببلاد المهجر وهي الأرضية التي يجب ان تتمثل وبشكل مفصل ما سبق ذكره من قضايا انية وقضايا عامة.
كما ان هذه الجبهة العريضة يجب ان تقطع بشكل واضح مع اصحاب الطروحات المخزنية حتى و ان تقمصوا الحداثة والديمقراطية وكذلك مع اصحاب الطروحات الشوفينية ،المطالبين بالانفصال والجمهورية ،لكونهم وبغض النظر عن مدى صحة مطالبهم وعن مدى إمكانية توفر شروط حياة كيانهم المزعوم علي بعض جماعات الريف اللسني ، الا انهم وضعوا أنفسهم خارج الجغرافيا والسياسة ولا يهمهم لا شكل الوطن ولا شكل نظام الحكم ولا شكل الدولة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.