حراك الريف المغربي: القمع سيّد الموقف

2٬556
طباعة
عبد اللطيف الحماموشي

يعود أصل الحراك الريفي إلى يوم 28 أكتوبر/تشرين الأول 2016، حينما تعرض الشاب محسن فكري، وهو بائع أسماك بمدينة الحسيمة للطحن في شاحنة جمع القمامة بعدما تم رمي أسماكه في الشاحنة نفسها بزعم أنه ممنوع صيدها، مما أنتج عنه غضب شعبي و دعوات للتظاهر في كل مناطق المغرب، احتجاجا على “الحكرة” و الظلم الذي تعرض له هذا الأخير.

السياق
على إثر ذلك خرج المئات من سكان مدينة الحسيمة احتجاجا على حادثة طحن محسن فكري و تنديدا بما وصفوه بسياسات القهر و التهميش التي تتعرض لها المنطقة، كما أن الاحتجاجات لم تبقى حصرا في مدينة الحسيمة بل تمددت إلى مختلف مناطق المغرب، أبرزها العاصمة الرباط التي شهدت مسيرة بتاريخ 06 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، احتشد فيها مئات المحتجين قبالة البرلمان مطالبين بمحاسبة المتورطين في مقتل محسن فكري و مرددين هتافات مناهضة لسياسات القمع و الاستبداد التي تتنهجها الدولة في الريف و عموم البلاد.

تحوّلت المظاهرات التي تركزت أساسا في أقصى شمال المغرب (الحسيمة، الناظور، الدريوش، إمزورن…)، التي كانت تندد بمقتل محسن فكري و محاسبة المتورطين في مقتله، إلى حراك شعبي ذو بعد اجتماعي طرح مطالب تتعلق بكل ما هو اقتصادي و اجتماعي و قانوني،تصب بإحقاق العدالة بالمنطقة، كما أنه أصبح يطرح بقوة إشكالية الدمقرطة و مدى احترام حقوق الإنسان.

مطالب الحراك
تتصدر المطالب الاجتماعية أجندة الحراك الريفي، فالمنطقة تعرف تهميشا ممنهج منذ سنوات، نظرا لكونها لطالما كانت في صراع شبه مفتوح مع السلطة السياسية المتمثلة في القصر لمدة أربعة عقود (أحداث 1958-1958، أحداث 1984، …) ، مما جعل منها منطقة “مغضوب” عنها، ما نتج عنه شبه انعدام اهتمام للدولة بمنطقة الريف. وقد تعددت مطالب الساكنة بين المطالبة بإحداث مستشفيات و جامعات و رفع التهميش الاقتصادي…، إلا أن مجملها يصب في البعد الاجتماعي، وهذه أبرز المطالب التي طرحها الحراك:

في التعليم: بناء جامعة متكاملة التخصصات، إحداث معاهد عليا في مجمل التخصصات، توسيع شبكة المؤسسات التعليمة، فتح مختلف التخصصات و الشعب و المسالك التعليمية.

في الصحة: إحداث مستشفى جامعي بإقليم الحسيمة، تجهيز مركز تحاقن الدم بالآلات اللازمة و تمديده بطاقم طبي متخصص، بناء مستشفى خاص بالسرطان في القريب العاجل، الإسراع في استكمال أشغال مستشفى إمزورن و فتح تحقيق في الخروقات التي طالته، إحداث مركز خاص لذوي الاحتياجات الخاصة، تعميم المستوصفات و الخدمات الطبية على باقي قرى الحسيمة و النواحي.

في الاقتصاد: رفع التهميش و الحصار الاقتصادي، معاقبة اللولبيات المتورطة في جميع الاختلالات التي يعرفها قطاع الصيد البحري، إعادة النظر في مشاكل البحارة البسطاء، تشجيع الفلاحين البسطاء، خلق معامل، فرز سياسات ضريبية شعبية تشجع على الاستثمارات التي تخلق الثروة، تخفيض أسعار الماء و الكهرباء، مراقبة أسعار المواد الغذائية و الاستهلاكية بما يتلازم مع القدرة الشرائية للمواطنين…

في القانون: إلغاء ظهير رقم 1.58.381 الذي يعتبر إقليم الحسيمة منطقة عسكرية.

في حقوق الإنسان: تقديم جميع المتورطين في مقتل محسن فكري، إطلاق كافة المعتقلين على خلفية نشاطاتهم في الحراك، احترام حقوق الإنسان، الكشف عن حقيقة ملف الشهداء الخمس الذين لقوا حتفهم داخل وكالة بنكية حرقا، خلال أحداث 20 فبراير/شباط 2011.

في الثقافة: إحداث مركز ثقافي يشمل مختلف الأنشطة ( مسرح، معهد موسيقى،…) و دور الشباب.

التطورات
نادت التجمعات الشعبية الحاشدة التي شهدتها منطقة الحسيمة منذ البداية بتنمية منطقة الريف و رفع التهميش عنها ، أبرز تلك التجمعات مسيرة 09 أبريل/ نيسان 2017 التي سمية بمسيرة “الأكفان من أجل الحياة” ، خرج خلالها مئات السكان تزامنا مع زيارة معلنة لوزير الداخلية عبد الوالي لفتيت للإقليم بسبب الاحتقان الذي شهدته المنطقة، مما فهم على أنه تحدي للوزير بشكل خاص و للسلطة بشكل عام، كما أن عسكرة المنطقة و الانزالات الأمنية المكثفة زادت فيغضب المحتجين.

وكرد على تصريحات أحزاب الأغلبية الحكومية و الاتجاهات القريبة من النظام التي روجت بأن الحراك له طابع انفصالي، و أن النشطاء يتلقون تمويلات أجنبية بهدف زعزعة الاستقرار و المؤسسات، دعا النشطاء إلى إضراب عام بتاريخ 18 مايو/ أيار شل الحركة في مدينة الحسيمة، وعقبه في نفس التاريخ مسيرة ضخمة ضمت أزيد من خمسين ألف متظاهر و متظاهرة، يتزعمهم الشاب ناصر الزفزافي،الذي أبدى في كلمة ألقها أمام آلاف المتظاهرين عن استنكاره لما جاء على لسان بعض المسؤولين، من اتهامات للحراك بالانفصال وقال بهذا الصدد “إذا كنا نطالب بمطالب اجتماعية فيتهموننا بالانفصال فلا داعي لنرد كل مرة على هذه الاتهامات لأنني لست أحمق لأعطي كل مرة تفاسير لماذا نحن لسنا انفصاليين”.

و بعد التطورات المذكورة أعلاه، و وصول محاولات الحوار بين الحكومة و النشطاء إلى باب مسدود، حل وفد حكومي مكون من سبعة وزراء بالحسيمة يوم 22 مايو/أيار يترأسه وزير الداخلية للاطلاع و تفقد مشاريع التنمية التي تم إطلاقها فيما قبل، في محاولة لتهدئة الأوضاع، إلى أن بدأت الحكومة في 25 من الشهر نفسه باتهام أطراف محلية بترويج “مغالطات” بخصوص الحراك، واستغلال “حسن نية المواطنين” للقيام بترويج أمور غير صحيحة لا تعرف دوافعها، مما أظهر مفارقة في خطاب الدولة الرسمي، فمرة تعتبر الحراك مشروع و أخرى تعتبره انفصالي.

و في 26 من نفس الشهر، أي بعد يوم من التصريحات الحكومية، وعندما أقدم خطيب الجمعة إلى مهاجمة الحراك و اتهامه بالفتنة وزعزعة “استقرار الوطن”، انتفض قائد الحراك ناصر الزفزافي في وجه الخطيب داخل أسوار المسجد، معبرا عن استنكاره تسييس الخطاب الديني، واستعماله كسلاح في يد السلطة وما أسماه “بالمخزن” للنيل من الحراك و النشطاء، و مباشرة بعد احتجاج ناصر داخل المسجد أصدر الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالحسيمة الأمر بإلقاء القبض على ناصر والبحث معه حول “عرقلة حرية العبادات داخل مسجد محمد الخامس” ، كما أن الأمن أوقف في نفس اليوم أكثر من عشرين شخصا في الحسيمة ووجه لهم تهم “المس بالسلامة الداخلية للدولة” و “تلقي تمويل خارجي من أجل المس بوحدة المملكة”.

و بعد غروبه عن الأنظار قرابة ثلاث أيام اعتقلت الشرطة زعيم الاحتجاجات الشعبية ناصر الزفزافي يوم 29 مايو/أيار، ووجهت له تهم ثقيلة مع عدد من النشطاء، تتعلق “بالمساس بأمن البلاد” و “زعزعة ولاء المواطنين للمؤسسات”، كما أن عدد المعتقلين على خلفية الاحتجاجات ارتفع إلى أكثر من مائتين و ستة عشر معتقلا، مما يبرهن على المقاربة الأمنية-القمعية التي تعتمدها الدولة لإخماد لهيب الحراك، خصوصا أنه تم فض مجمل الاحتجاجات بالقوة بعد التطورات الأخيرة، سواء في الريف أو في باقي المدن المغربية المتضامنة مع الحراك بما فيها الرباط و الدار البيضاء و مكناس.

و قد شهدت العاصمة الرباط أكبر و أضخم مسيرة يوم الأحد 11 يوليو/حزيران، شارك فيها أكثر من مئة و خمسين ألف متظاهر و متظاهرة من مختلف التيارات السياسية و الحقوقية (يسار، إسلاميين، ليبراليين) ، تضامنا مع حراك الريف، و مطالبين بالدمقرطة و تعديل الدستور و حل البرلمان و إسقاط الاستبداد على حد تعبير المتظاهرين ، مما أعاد روح حركة 20 فبراير/شباط إلى الشارع، وهي النسخة المغربية من الربيع الديمقراطي الذي عرفته المنطقة في نهاية 2010 و بدايات سنة 2011.

مسيرة 20 تموز “الموت و لا المذلة”
حسب تقرير الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهي أكبر جمعية حقوقية في المغرب ، فإن السلطات استعملت القوة المفرطة في حق المشاركين وغير المشاركين في مسيرة 20 يوليو/تموز السلمية، و خلال ذلك تم استعمال مختلف الأساليب لقمع التظاهرة ( الضرب، السحل، اللكم و الرفس بالأحذية، استعمال قنابل الغاز المسيل للدموع كقذائف، استخدام السيارات لتفريق المتظاهرين، تخفيض صبيب الانترنت…) ، كما تم اعتقال عدد كبير من المشاركين في المسيرة مع متابعة 33 منهم قضائيا. وقد أجمع جل المراقبين على أن قمع المسيرة تم بطريقة وحشية، و لأول مرة في تاريخ المغرب يتم استعمال الغازات المسيلة للدموع، كقذائف توجه مباشرة ناحية المتظاهرين، الشيء الذي أدى إلى وفاة عماد العتابي وهو شاب نشيط في مقتبل العمر، شارك في المسيرة وأصيب خلالها بجروح غائرة على مستوى الرأس ، على إثر إطلاق قوات الأمن اتجاهه عبوة من الغازات المسيلة للدموع. وقد كان الزعيم الشعبي ناصر الزفزافي قد دعا إلى هذه المسيرة قبل اعتقاله من طرف السلطات المغربية.

الصحافة المستقلة ترعب من؟
طالبت منظمة مراسلون بلا حدود السلطات المغربية بالإفراج عن الصحافيين و الإعلاميين المعتقلين على إثر تغطيتهم لحراك الريف، كما أدانت في بيان لها الانتهاكات التي طالت الصحافيين في منطقة، وقد اعتقلت السلطات أبرز الإعلاميين الذين ساهموا في تغطية الحراك أو الترويج له، أبرزهم ربيع الأبلق مراسل موقع “بديل.أنفو”،الذي خاض إضراب طويل عن الطعام لمدة 38 يوم كاد أن يودي بحياته، كذلك محمد الأصرحي، جواد الصابيري ، عبد العالي حدو مدي، حسن الإدريسي، فؤاد السعيدي و غيرهم من الصحافيين و المدونين تم اعتقالهم بشكل تعسفي، و تمت متابعتهم بالقانون الجنائي عوض قانون الصحافة و النشر.

حميد المهدوي صحافي و مدير موقع “بديل أنفو”، اعتقل يوم 20 يوليو/تموز بمدينة الحسيمة عشية انطلاق المسيرة التي سبق ذكرها، وجهت له تهم تتعلق ” بالمساهمة في تنظيم مظاهرة غير مرخص لها، تحريض أشخاص على ارتكاب جنح بواسطة الخطب و الصياح بمكان عمومي”. وقد حكمت عليه المحكمة ابتدائيا بثلاث أشهر حبسا نافذ، ثم صعدت الحكم استئنافا بسنة حبسا نافذا يوم 11 سبتمبر/أيلول الحالي . و هو أيضا يتابع في قضية أخرى متعلقة ب “عدم التبليغ على أفعال تمس أمن الدولة”. يتبين لمعظم الفاعلين أن جهات في الدولة تستهدف المهدوي و نيتها في ذلك، هو إخراس كل صوت يغرد خارج السرب، ليبقى الجسم الصحفي المغربي تابع للسلطة بشكل كلي، حتى لا يتسنى لأي صحافي أو مدون أن يثير القضايا التي تعتبر “شائكة” أو من الخطوط الحمراء. ومن الواضح أن المهدوي انتقد المقاربة الأمنية التي اعتمدتها السلطات في الحراك عبر فيديوهات كثيرة، كان يبثها على شاشته بموقع “يوتوب”، والتي حازت على نسب مشاهدة عالية في الأيام الأخيرة قبل اعتقاله، خصوصا تلك المتعلقة بقضية حراك الريف. و قد دخل المهدوي في إضراب مفتوح عن الطعام منذ 11 سبتمبر/أيلول احتجاجا على الظلم الذي يتعرض له بعد قرار المحكمة بحبسه سنة نافذة.

بحسب منظمة “هيومن رايتس ووتش”، فإن هناك حوالي 216 معتقل على خلفية حراك الريف، منهم 47 ناشط في سجن عكاشة بالدار البيضاء، و 169 آخرين في سجن الحسيمة الإقليمي ، أصغر معتقلي الحراك هو الطفل عبد الرحمان العزري،الذي يتواجد حاليا رهن الاعتقال عوض أن يكون في مكانه الطبيعي في المدرسة، يبلغ من العمر 14 سنة ، اعتقلته السلطات يوم 9 أغسطس/آب، أي في نفس اليوم الذي تم فيه تشييع جثمان عماد العتابي الذي أصيب بعبوة الغاز المسيل للدموع التي تسببت في موته، وجهت له تهم تتعلق ب”المشاركة في مظاهرة غير مرخصة و رشق القوات الأمنية بالحجارة ” ، جمال أولاد النبي، كذلك هو ناشط في الحراك، يبلغ من العمر 19 سنة،تم الحكم عليه بالسجن لمدة 20 سنة.

و يعيش المغرب اليوم تراجعا كبيرا على مستوى احترام حقوق الإنسان و النهوض بها، الشيء الذي يبرهن على تصاعد المظالم و الانتهاكات التي يتعرض لها النشطاء بشكل شبه يومي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.