تلاقح ثقافي وحضاري.. “قهوة بالحليب على شاطئ الأسود المتوسط”


قلة هي الأعمال الأدبية التي يقرأها قارئ ويحب أن يشاركها مع أعز الناس لديه، ذلك ما حدث لي بعد قراءة رواية قهوة بالحليب على شاطئ الأسود المتوسط للأستاذ الكبير الداديسي، فما أن قرأت آخر سطر فيها بلهفة حتى وجدتني أتوسل لأمى وأختي وبعض صديقاتي وأطلب منهم الإسراع بقراءتها…

رواية قهوة بالحليب على شاطئ الأسود المتوسط تشد إليها القارئ، انطلاقا من عنوانها ولوحة غلافها، أما مضمونها ورسائلها فتلك قصة أخرى…

يحيل العنوان على معاني كثيرة، وتحكي الرواية قصة الشاب الأسود “مامادو” الفار من جحيم الصراع الساسي بـ”الكوت ديفوار” في قلب إفريقيا الغربية، وقصة الشابة البيضاء الجميلة الهاربة من الحرب بسوريا، ليلتقيا بالمغرب بعد مسلسل شاق من الصراعات والمشاكل.. وتنجح هذه الأرض الطيبة المباركة في تخفيف معاناتهما ودمجهما بعد محاولات عديدة للهجرة السرية..

من حين لآخر تعود  الرواية لتذكرنا بمآسي البطلين، وكيف كانت ميادة السورية تعيش حياة الترف إلى جانب زوجها الجندي باسل الذي كان له سيط في الشام، قبل أن تهب رياح الربيع العربي فتغير حياتها بتعرضها لاغتصاب واغتصاب زوجها وتمريغ رجولته في التراب أمامها من طرف مجموعة من الأشخاص، ثم جزوا رأسه ونكلوا بجثته. يريدون جعله عبرة لكل الجنود الذي يخدمون نظاما يفتك بشعبه، فصارت كل أمنيتها أن تلتحق بزوجها، وتتسول لمغتصبيها بقتلها إلاّ أنهم أبوا، وتركوها للضمير ينهش عرضها وجسدها، معتبرين قتل مرأة معابة في حقهم، في حين هتك عرضها واغتصاب زوجها، هو قمة الرجولة (أقصد الذكورة)، فلم تجد أمامها بعد تراكم مآسيها، سوى الفرار والهروب من ويلات الحرب الطاحنة في سوريا، وخاصة بعد أن هزها خبر رجم صديقة لها – كانت هي الأخرى زوجة جندي- حتى الموت، ونعتها بالفاسقة الخائنة، فبات نفس المصير يتراءى لـ”ميادة” في الحلم واليقظة، وكل حين تعتبر أن دورها قادم لا محالة… ففرت، حملت ابنتها لمياء وهربت من حماة مسقط الرأس والقلب، إلى المغرب، وأثناء الرحلة مرت بمجموعة من الدول التي عانت فيها الويلات، من بينها مرض ابنتها، ولولا لطف الله لفارقت الحياة. وتكفل جمعية مدنية بالمغرب بمداواتها ….

- إشهار -

في شمال المغرب، وبالضبط في مدينة مارتيل، التقت ميادة بمامادو، الفتى الأسمر القادم من ساحل العاج هاربا من حرب ضروس بين الساسة في بلده.. كان قد شهد أمه، وهي ميتة. شهد شق بطنها وجز رأسها… حاول نسيان الحدث بالمكوث في بيته، لكنه لم يستطع، فقرر رفقة بعض الأصدقاء الهجرة شمالا، وهو يحلم بمعانقة الحياة من جديد، وبعد عدة مصاعب اعترضته، وهو يقطع الصحراء الكبرى، وفقد عدد عن أصدقائه، ولم يمكث معه إلا صديقه “كانو”… تعاهدا على الإخلاص وحاولا الوصول إلى المغرب على اعتباره بوابة أوروبا و…. بعد خوضهما لمجموعة من الصعاب تمكنا من الوصول إلى شمال المغرب، وفيه التقى بميادة وصارت حبيبة القلب رفقة ابنتها لمياء…

على الرغم من مشاعر الكراهية والعنصرية التي تربى عليها كل واحد منها: فقد كانت ميادة تحتقر أصحاب البشرة السوداء، وكان ممادو يحتقر العرب… فإن الحب لا يعترف بالألوان، فقد ساعدهما تكيفهما مع أجواء المغرب على تحفيف حدة الكراهية، وفي المقابل تشبعوا بقيم التسامح وانتصر الحب على العنصرية… وبالتدريج بدأت تتخلى عن عنصريتها، فوهبته نفسها، وقررا مغادرة المغرب، في اتجاه إسبانيا، لكن محاولتهما الأولى باءت بالفشل وقوّتْ علاقتهما أكثر، بعد أن فقدت ميادة فلدة كبدها لمياء، ولم تجد العزاء إلا في مامادو الذي اخلص لها، ووقف إلى جانبها…  وبعد مدة قرّرا الزواج ليختلط حليبها بقهوته ويشكّلا، قهوة بالحليب في إشارة إلى لون بشرتهما. يشتغلان كعاملين عند عمي بوعمامة ذي الأصول الجزائرية، والمشارك في حرب الجولان ضمن كتيبة مغربية، حتى تمكنا من جني بعض المال وحاولا الهجرة سرّاً مرة أخرى، لكن القدر كان أكبر منهما، وكانت يد الرحمان قادرة على انتشالهما من جوف البحر، ورميهما على الشاطئ ليضطرا إلى العودة إلى عملهما في مطعم عمي بوعمامة الذي سيجود  عليهما بغرفة، تأويهما ويقرران العيش فيه قانعين بمصيرهما  وعدم محاولة الكرة مرة أخرى…

انجبا “لمياء” ثانية التي تعلق بها عمي بوعمامة واعتبرها بمثابة الحفيدة التي عوضته فقد ابنته، والبلسم الذي يخفف من حدة معاناته من مرض الفشل الكلوي، الذي كاد ينهي حياته، وتقوت علاقته بهذه الأسرة، بعدما تبرعت له ميادة بكليتها… وعاش معهم دهرا، من الزمن قبل أن يغادرهم، إلى الرفيق الأعلى، تاركا وصية تورّث الحفيدة مِلكية المطعم. وتستمر حياتهما في هناء، قبل أن يكتشفا خيوط خيانة نسجها “كانو” صديق مامدو مدعيا أحقيته بامتلاك نصيب في المطعم بعد غيرته من نجاح صديقه وخروجه، هو خالي الوفاض بعد كل تلك الرحلة الطويلة والشاقة.

هكذا تكون رواية قهوة بالحليب، قد قدمت للقارئ دروسا في معنى الوطنية، والتسامح والتضحية والتلاقح الثقافي والحضاري بين إفريقيا والعالم العربي والدور الذي يلعبه المغرب في تكريس هذا التلاقح.

إن الآراء الواردة في هذه المقالة، لا تـُعبّر بالضرورة عن رأي موقع "بديل"، وإنما عن رأي صاحبها حصرا.

- إشهار -

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.