النقيب الجامعي يكتب: بين المناظرتين حول حقوق الإنسان بالمغرب.. أين مواقعكم أنتم معشر المحامين ..؟

1٬419
طباعة
النقيب عبد الرحيم الجامعي
من يستحضر المناظرة التي نظمتها جمعية هيآت المحامين قبل ثلاثين سنة في ضيافة هيأة المحامين بوجدة وخلال رئاسة النقيب عبد العزيز بنزاكور للجمعية، لا يمكن ان يمر دون الوقوف باحترام وانبهار للأمجاد التي رسمها محامون قبل و بعد الاستقلال مغاربة وأجانب على صفحات التاريخ السياسي والحقوقي والمهني بالمغرب، ومن دون طأطأة الرأس وَقَارا وتقديرا واعترافا بالتضحيات التي قدموها من أجل مغرب الحريات تامة دون صباغة، و من أجل عدالة دون حدود ولا وِصَاية، ومن اجل قضاء عالي الهمة كامل الأهلية و الولاية، ومن أجل محاماة لسانا للحرية و صوتا للحق و دِراعا للمواطن مهيبة المكانة والرسالة.
مناظرة وجدة سبقتها أحداث وتلتها أحداث، سبقتها محاكمات سياسية كبرى عسكرية ومدنية بالرباط، القنيطرة، الدار البيضاء وغيرها، و انتفاضات شعبية عارمة بمراكش، طنجة، وغيرهما سنة 1984 ، وتلتها أحدات اخرى كذلك منها اطلاق سراح ابراهام السرفاتي وإبعاده، إغلاق معتقل تازمامارت، تأسيس المجلس الوطني لحقوق الانسان وما حدث من بداية اطلاق سراح المعتقلين السياسيين و عودة المختفين والمنفيبين….الخ، وطوال هذا العمر من المحن في مجال حقوق الانسان وانتهاكاته و الهجوم الشرس على الحريات، وقفت هيآت المحامين طليعة الهيئات المدنية والمهنية ووراءها عمالقة المحامين و الأشداء من شبابهم نساء ورجالا، ينبهون ويحذرون ويقترحون ويساهمون ويبذلون ويحتجون بساحات المحاكم ومنصات الندوات والمناظرات تصديا لقمع السلطة، وانحراف القضاء، وخرق حقوق الدفاع، وحماية المحامين من التهديدات والتلفيقات والمتابعات، داعين للتغيير والإصلاح على مستويات سياسية و تشريعية و قانونية وحقوقية، وتمكين المغرب من نظام سياسي ديمقراطي يسوده القانون وفصل السلط واستقلال إلقضاء.
هكذا كانت المحاماة وكان المحامون، و تلك هي المدرسة التي تخرج من فصولها المتوالية رواد لا زالت الاجيال بهم تنتعش وتتنفس، ولن ينس لهم التاريخ عطاءهم السخي بعيدا عن الوصولية والانتهازية والولاء والسعي نحو المناصب والامتيازات ، وتلك هي السجايا التي فرضت على الجميع رعاية مكانتهم و الانتباه والحذر من المساس ببذلتهم و الوقار الخاص لهم.
فأين المحاماة والمحامين اليوم ،؟ واين المؤسسات المهنية وهيئاتها اليوم؟ ولماذا وضعنا المهني يجرنا نحو أسفل السلم، و هل يمكن القول بان المحامبن أصبحوا ضحايا التردي الذي يعم العديد من الهيئات المهنية وهم من بين صناعه، ام ضحايا نظام قضائي مهتز بالإخلالات والسلبيات لم ينطلق بعد بقاطرة الإصلاح،، ام ضحايا نسق اجتماعي ومجتمعي تسوده ثقافة المكاسب السطحية والفردية والظرفية ، ام ضحايا الدولة ومرافقها و السلطة ومكوناتها، ام ضحايا تهميش العدالة وفسادها و فساد الفاعلين فيها من قضاة ومحامين؟…الخ….
خلال مناظرة مراكش آخر الاسبوع هذا، ستطرح هذه الاسئلة ومعها عشرات الاسئلة عن التربية المهنية، عن الجرءة المهنية، وعن المؤسسات المهنبة، عن ادوار نقباء ومجلس الهيئات، وعن وعي جماهير المحامين بمسؤولياتهم وبأخطائهم، وعن مساهماتهم وآفاق مستقبلهم…..الخ، مما له صلة بمحور مناظرة مراكش ومما سعني أنه إذا ساءت أحوال المحاماة و المحامين ساءت أحوال حقوق الانسان بالمغرب ولن تجد سندها التاريخي القوي فيهم.
ومن الضروري بعد المنافشات أن يخرج المحامون من المناظرة بأجوبة أولية، وبمخططات عمل مشتركة، وبما يُشعر المتتبعين بأن لقاءات المحامبن هي مناسبة جمع لشتاتهم و لحظة صراحة ونقاش مسؤول بينهم وفي كل ما يعنيهم في مهامهم وأداء رسالتهم، وبالأساس ستطرح عليهم جملة من التحديات منها:
اولا، ضرورة تحديد مساحات التعاون وطبيعتها مع الجهات الفضائية والحكومية، لكي لا تتحول تجمعات المحامين مناسبة تصفيق دبلوماسي للمسؤولين وحفاوة كلامية بهم خارج المألوف، أو تكرارا لتكريمات وتوزيع الأوسمة والهدايا على وزراء دون معنى ولا ذوق ، مع العلم بأنه لم يسبق لآية وزارة ولا لأي وزير أن التفت لجمعية هيئات المحامين ودعى للوقوف احتراما لها وقام بتكريمها لدورها وتاريخها ….، ولو لم يأخذ الاستاذ عبد الرحمان اليوسفي مبادرة إصدار مرسوم الاعتراف لها بالمنفعة العامة لما حصلت عليه الى اليوم.
ثانيا، على المناظرة الربط الموضوعي ما بين الحق في الدفاع وحقوق الانسان، مع التسجيل ان في انتهاك الحق في الدفاع انتهاك لحقوق الانسان، إذ أن تعدد متابعات المحامين والمحاميات والتضييق عليهم بمناسبة ادائهم لمقتضيات الدفاع باستقلال ودون قيود، وكما حصل للعديد منهم في السنوات الاخيرة وفي الأسابيع الاخيرة بالحسيمة والدار البيضاء، أو سبهم بالجلسات من قبل بعض المراهقين من قضاة مبتدئين لم يحصلوا بعد على النضج المطلوب، كلها وغيرها من المظاهر التي أخذت وتيرتها ترتفع وأضحى بعض المحاميات والمحامين في خشية عن مستقبلهم بل حتى عن سلامتهم من الانتقام ومن الإجراءات الكيدية، مما يقتضي من المناظرة أن تتوقف عنده وتحديد نوع وأسلوب حماية المحامين وصون سمعتهم وخلق ما يسمى بلجن اليقظة للدفاع عن الدفاع، فمحاصرة المحامين والنيل من استقلالهم تعني أن البعض لا يدرك بأن ضمان وحماية حقوق الانسان بالمغرب لا تبتدئ بترجمة الدستور ومبادئه والمواثيق الدولية وأحكامها، بل تبتدئ بالاعتراف بالحق في الدفاع الذي يجسده المحامون كحق غير قابل للتجزئة ولا للتصرف.
ثالثا: على المناظرة أن تنتبه لواقع المرحلة الحالية التي تعبرها العدالة من خلال المستجدات في جسم السلطة القضائية وجسم النيابة العامة و جسم القضاء الدستوري، وما يقتضيه الظرف من حضور المحامين وهيئاتهم وتحصين دورهم وتعزيز مكانتهم في هذه الحلقات، مع الانتباه كذلك للغياب الملفت للهيئات وللمحاميات والمحامين في المشاركة الفعلية والفعالة الواضحة في فرض ورفع ضمانات المحاكمة العادلة في اطار عقلنة علمية وحقوقية تتجه نحو توسيعها سواء بحضورهم العملي خلال البحث التمهيدي والحراسة النظرية بمناسبة الاستنطاقات وخلال التوقيع على المحاضر، او من خلال فرض حضورهم امام كل اجهزة العدالة الجنائية بكامل مؤسساتها، او من خلال الدفع نحو عقلنة تشريعية للإثبات و الاعتراف وجعل الدليل العلمي سيد الأدلة يحل محل الاعتراف كوسيلة نعرف كيف يتم الحصول عليها احيانا في الكثير من القضايا، مع اعتبار ان مشروعي المسطرة الجنائية والقانون الجنائي المنتظر إحالتها على البرلمان وهما المؤطرين الاساسيين للحريات ولفلسفة السياسة الجنائية للدولة، يفرضان على الهيئات وعلى المحامين إظهار مهاراتهم واستعمال كفاءاتهم وتقديم مقترحاتهم بصدد محتوياتها والتصدي لما يمكن ان يدس فيهما من مقتضيات تَرُدُ المغرب للخلف وتعمق التمييز بين نسائه ورجاله، او تخلط السياسي بالديني والجنائي بالإعلامي، و تكرس عقوبة الاعدام وهي العقوبة الهمجية التي تلطخ القرارات و حان الوقت لإلغائنا، أو تشجع على الافلات من العقاب مثل ما يسمى بالمساطر الاستثنائية …..الخ
من هنا ،
اعتقد انه على مناظرة مراكش وعلينا معشر المتناظرين، ان نتجنب النقاشات الهامشية او الحسابات والمنازعات الظرفية، وان نعي ان موضوع حقوق الانسان بالمغرب إن كان يبتدئ عن حق بجرد الواقع وتجلياته البئيسة بتراجعات وانهيارات على مستويات عدة يشهد بها الجميع بما فيه المؤسسات الدولية كما حدث مؤخرا بمناسبة حضور المغرب في الاستعراض الدوري الشامل، فانه في نفس الوقت يلقي علينا واجب مواجهة مهنية مسؤولة على صعيد ترميم وتنظيف البيت الداخلي وإعادة الاعتبار لآداب المهنة وثوابتها و وعي اجهزتها بدورهم وبضعف مركزهم المؤثر فيما وصلت اليه المهنة من تدني من جهة، وعلى صعيد حماية المحامين في ادائهم المهني وبمناسبته والتصدي لكل تطاول عليهم من جهة ثانية، وعلى صعيد المشاركة والحضور في واجهة تكوين المحامين من اجل الفعل الحقوقي سواء برفع مستوى المعرفة أو بالتوعية أو الوقاية أو الحماية أو بالمساهمة لتقوية الدرع التشريعي والدستوري لحقوق الانسان وطنيا ودوليا،
فليس باستطاعتنا تحقيق ذلك إلا إذا كنا محامين بالقد والقدرة، أو كما قال
فيكتور هيكو VICTOR HUGO La liberté commence où l’ignorance finit.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.