أثار قرار منع خياطة وبيع لباس "البرقع" مجموعة من الآراء المختلفة بين مؤيد ومعارض عكست في مجملها الخلفيات والمنطلقات التي استندت عليها هذه الآراء التي عبر عنها نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي باختلاف انتماءاتهم ومرجعياتهم بين المرجعية الحقوقية والدينية والعلمانية.
والإشكال الذي ميز هذا الموضوع هو الخلط الكبير الذي سقط فيه مجموعة من نشطاء الفايسبوك في عدم قدرتهم على التمييز بين لباس "البرقع" الذي تم منعه وبين لباس النقاب أو اللثام، اللباس الذي لبسته المغربيات على مر العصور إلى يومنا هذا والذي يطابق المقتضيات الشرعية بإجماع علماء الأمة، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على تحول "منصة الفايسبوك" إلى منصة الاعتراض من أجل الاعتراض على أي شيء تقوم به الدولة حتى وإن كان يهم تحصين الهوية المغربية بشتى مكوناتها من جهة، وتحصين المواطنين لدواعي أمنية حتى لا يتحول هذا الباس إلى وسيلة تنكرية للمجرمين ومدخلا لفكر رجعي هدام يحاول جاهدا أن يجد له موطئ قدم داخل التربة المغربية التي تميزت عبر تاريخها برفض كل النماذج المستوردة التي لا تتناسب والهوية المغربية، من جهة أخرى.
والغريب في الأمر هو المحاولات الحثيثة التي قام بها بعض النشطاء في تشبيه هذا اللباس مع ألبسة أخرى وكأنها معادلة تلازمية، بمعنى أن منع خياطة وبيع لباس البرقع يقابله تشجيع الألبسة الأخرى كيفما كان شكلها وإيحاءاتها، حيث يحاول بعض "المشايخ الفايسبوكيين" وفي عملية اجتهادية في الترويج لها وبفنيات عالية، في مشهد وصفي مقارن لا علاقة له بالموضوع جملة وتفصيلا، دون أن يتكبد عناء طرح سؤال بسيط حول الفرق بين معنى "لباس البرقع" ولباس النقاب أو اللثام، في عملية تثقيفية بهذه المناسبة، كما أن بعضهم يتجاهلون عمدا هذا الفرق، من أجل خلق التميز على مستوى الفايسبوك الذي تحول هذه الأيام إن جاز التعبير إلى "مؤسسة المشيخة الفايسبوكية".
وما يبعث على الاستغراب هو ذلك "التحليل العبقري" الذي نشره أحد مشايخ السلفية بالمغرب على حائطه على الفايسبوك، حيث رَبَط من خلاله العلاقة بين منع لباس "البرقع" والفشل في تشكيل الحكومة، مؤكدا أن الهدف من هذه العملية، أي عملية منع النقاب، هو أن "يشغلوا الشعب"، ضاربا عرض الحائط مختلف النظريات السياسية والقانونية والدستورية المتخصصة في مناقشة موضوع تشكيل الحكومة.
وليس غريبا على أمثال صاحب التحليل أعلاه، لا ينفكون في تصنيف أنفسهم كضحايا ومستهدفين من كل قرار تتخذه الدولة في ممارسة سيادتها وتدبير شؤونها اليومية، ومرد قصورهم هذا ناتج عن عملية تبنيهم لأفكار متطرفة دخيلة على الدين الاسلامي والثقافة المغربية، زمن تمدد حركات الاسلام السياسي في الوطن العربي، إبان الحرب السوفييتية الأفغانية، التي تصادمت مع الهوية المجتمعية المغربية، ليجدوا أنفسهم بشكل معزول عن حركة تطور المجتمع، ومعلنين إفلاسهم الفكري، بعد مراجعات فكرية، لينقل معركة التميز إلى المستوى الشكلي من خلال اعتماده للباس "البرقع" بالنسبة للنساء واللباس الأفغاني بالنسبة للرجال، كألبسة شرعية مقدسة غير قابلة للنقاش.
وبالتالي يبقى قرار منع لباس "البرقع" يتجاوز ما هو حقوقي، على اعتبار أنه لم يعد حرية فردية، كما عبر عن ذلك مجموعة من الحقوقيين الرافضين لقرار المنع، كعادتهم، في تضاد مع قرارات الدولة في إطار ممارستهم لما هو سياسي بواجهة حقوقية، بل أصبح رمزا للفكر المتطرف الذي قد يتحول من شكله الفكري والمادي إلى شكله المعنوي، وبالتالي فجوهر هذا المنع يتمثل في الحفاظ على الهوية المغربية كنموذج متميز في تشكلاتها وتمظهراتها.

*دكتور في القانون العام، مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية