يبدو أن الملك يفضل بعث الرسائل المشفرة على الرسائل الواضحة، ففي ظرف زمني وجيز بعث بأكثر من رسالة.

الرسالة الأولى بحرصه على إقناع الرأي العام الوطني والدولي بكونه يحترم الفصل 47 من الدستور، بتعيينه رئيس الحكومة من الحزب الفائز بالمرتبة الأولى في نتائج الانتخابات البرلمانية.

الرسالة الثانية، في حرص الملك على التمييز بين مواقع المسؤولية، فحين ربط بنعبد الله وهو وزير في الحكومة بين "البام" وفؤاد عالي الهمة، تحرك الملك، وأصدر بيانا، قرع فيه بنعبد الله؛ لأن الحديث صادر هنا عنه كوزير في حكومته، لكن حين اتهم حصاد حزب "البيجدي" بعدم الثقة في الملك، لم يتحرك الأخير ولا أصدر ديوانه بيانا في الموضوع، لأن حصاد لم يخاطب رئيس الحكومة ولا وزير منها، وإنما كان يتحدث عن حزب سياسي، ترتبط تحركاته وتصريحات قادته بحملة انتخابية، بدليل أن وزير الداخلية حرص على ترديد عبارة " هذا الحزب" في إشارة إلى "العدالة والتنمية"!

الرسالة الثالثة، وهي الأبلغ، فرغم تأكيد وزير الداخلية على أن حزب "العدالة والتنمية" لا يثق في الملك، فإن الأخير حرص على الترفع وعدم الانتقام منه، بتعيين زعيمه رئيسا للحكومة المقبلة، في إشارة إلى أن إرادة الشعب بالنسبة إليه فوق مشاعره الخاصة، وبأن إرادة الفصل 47 من الدستور فوق إرادته الشخصية.

الرسالة الرابعة في تأكيد الملك على أنه فوق المؤسسات و الأحزاب و التطاحن الذي يجري بين زعمائها وبينهم وبين   محيط الملك وبينهم وبين وزارة الداخلية، وهذا ما أراد تأكيده سواء من خلال  إشارة تعيين نفس الشخص الذي عينه قبل خمس سنوات مادام قد اختاره الشعب، سواء  من خلال الحرص على تعيين رئيس الحكومة، داخل أجل زمني أقصر حتى من  الأجل الزمني الذي عُين داخله نفس الرئيس بعد انتخابات 25 نونبر من سنة 2011، فبعد أربعة أيام من هذا التاريخ وتحديدا يوم  29 نوفمبر من السنة المذكورة استقبل الملك بميدلت عبد الإله بن كيران، وعينه رئيساً للحكومة بعد فوز حزبه بالإنتخابات، ويوم الإثنين 10 أكتوبر الجاري، أي بعد يومين فقط،  استقبل الملك بمدينة الدار البيضاء، ليكلفه بتشكيل الحكومة المقبلة، وبذلك يؤكد الملك للشعب أنه فوق صراع حصاد وبنكيران حتى ولو تعلق الأمر باتهام يمسه، فإنه لا يعنيه بقدر  حرصه على مهامه التي ينص عليها الفصل 42 من الدستور والتي تحمله مسؤولية "السهر على حسن سير المؤسسات".

الرسالة الخامسة، يحاول الملك عبر تعيين بنكيران، رغم اتهامات حصاد، تأكيد مقولة تفيد أن المشكل في محيط الملك وليس في الملك نفسه، فاتهام حصاد لحزب "البجيدي" أمام تعيين الأخير لبنكيران، يُظهره خارج السياق الملكي، ويزكي أطروحة "الملك زوين وللي دايرين خايبين"، او بعبارة أوضح فإن الأرجح ان المتتبعين سيعتقدون أن الهمة أو مستشار آخر هو من طلب من حصاد قول ما قاله، خاصة وأن الأخير يستحيل بالمطلق أن يصدر عنه مثل ذلك الاتهام الخطير، دون ضوء أخضر.

الرسالة السادسة وهي الأهم عند الملك، حيث يؤكد للجميع أنه ماض في طريقه نحو بناء بلده غير عابئ بالتجاذبات الحزبية، ولا حتى بما يقال ضده، وأن همه هو حسن سير المؤسسات وضمان نزاهة الانتخابات، وبأن أي ابتزاز لا يخيفه، بقدر خوفه من عدم سير المؤسسات.
السؤال الشائك: إلى أي حد تخدم هذه السياسة مصالح البلد؟ وهل تخدم الملك لوحده أم تخدم حتى الوطن؟ ثم هل بإمكان جميع المواطنات والمواطنين أن يلتقطوا هذه الإشارات السياسية المعقدة؟ هل تكفي هذه الإشارات أم يحتاج المغاربة لوضوح أكبر حول علاقة الملك بباقي المؤسسات خاصة علاقته بمؤسسة رئاسة الحكومة؟ والأهم أي تداعيات لكل هذا على صورة البلد واستقرارها وعلى الإقتصاد والإستثمار؟ وهل يمكن جلب مسثتمرين دون ثقتهم  في استقرار المؤسسات وتعاونها فيما بينها، والأهم ثقتهم في القضاء والإدارة ووجود صحافة مستقلة؟