أول رابح في الانتخابات البرلمانية الأخيرة هي المؤسسة الملكية، خاصة بعد فوز "البجيدي" بالمرتبة الأولى، فبفضل هذا الفوز تخرج المؤسسة الملكية من دائرة الشبهة بخصوص علاقتها بالأحزاب المغربية، وتحديدا حزبي "البام" و"البجيدي".

اليوم مع هذه النتيجة، ربما سيقتنع كثير من المتتبعين أن الملك فوق الجميع وعلى مسافة واحدة من كل الأحزاب، بدليل أن "الحزب الإسلامي" الذي هاجمه الملك، ضمنيا، في خطاب العرش الأخير، قبل أن يهاجم ديوانه ببيان "ناري" أحد أقرب حلفاء "البجيدي" وهو بنعبد الله، هاهو اليوم يتصدر لائحة النتائج الانتخابية، وبالتالي فما قيل حول "التحكم" و"أم الوزارات" وعلاقة الملك بـ"البام "ودعمه له، لا أساس له من الصحة وهو فقط من نسج خيال بنكيران وبنعبد الله!!

ثاني الرابحين هو حزب "البام"، فبعد أن حصل في انتخابات 25 نونبر من سنة 2011 على 47 مقعدا، هاهو اليوم يحصل على 102 مقعدا، متقدما بـ55 مقعدا جديدا، وبذلك يترسخ في أذهان المغاربة كقوة سياسية صاعدة وبديلة عن "اللاعب الإسلامي" خلال الولاية المقبلة بعد أن يصيب العياء الأخير.

فوز "البام" بالمرتبة الأولى خلال الانتخابات الأخيرة ليس في صالح المؤسسة الملكية، لأنه سيؤكد الشكوك التي زرعها "البجيدي" داخل نفوس المغاربة حول وجود تحكم ودولتين وعلاقة بين الملك و"الأصالة والمعاصرة" وسيعيد للأذهان "فضيحة انتخابات 2009 الجماعية"، خاصة وأن الملك حرص في خطابين على تأكيد أنه لا ينتمي لأي حزب وبأن "حزبه هو المغرب" وكأنه "مخنوق" بهذه التهمة ويسعى لإبعادها عنه؛

كما أن فوز "البام" بالمرتبة الأولى ليس في صالحه ولا في صالح "المؤسسة الملكية" لأن "البام" غير قادر، على الأقل في اللحظة الراهنة، على مواجهة الخطاب الإسلامي الراديكالي في الشارع خاصة إذا أضيف إليه خطاب "البجيدي" أمام أزمة اجتماعية واقتصادية خانقة، وبالتالي ليس هناك سياسة أنجع من دفع "البجيدي" لرئاسة حكومة جديدة، تكون ولايتها كافية، لمحق الخطاب الراديكالي الإسلامي ومعه خطاب بنكيران وجماعته، في أفق أن ينضج "البام" خاصة بظهوره كزعيم لأحزاب المعارضة.

ثالث الرابحين هو بنكيران والرميد والخلفي والرباح..ليسوا كحزب ولكن كأفراد، لأن الحزب لن يبقَ له أثر بعد الولاية الحالية، وربح المذكورين مادي طبعا، عبر تكديس مزيد من الأموال المحصلة من تعويضات الأواني الفضية والتنقل وتعويضات على السكن إضافة إلى ما يجري "لهفه" من مزانية التدبير والإستثمار بطرق احترافية لا تترك أثرا، والدليل على ذلك دعوة بنكيران اليوم قادة حزبه إلى عدم التعليق على نتائج الانتخابات، الشيء الذي يؤكد أنهم إذا كانوا قد "أسقطوا السروال" خلال المفاوضات التي جرت كواليسها مع "أصحاب الحال" بعد ظهور نتائج 25 نونبر فإنه لا يستبعد أن يسقطوا "التَّبَابِين" خلال المفاوضات التي تجري اليوم وبعد اليوم مع "أصحاب الحال" بعيدا عن أعين الشعب وعدسات الكاميرات.

وأما الخاسرون، فأولهم "أحزاب الكتلة" ونعني بها "الإستقلال" و"الإتحاد الإشتراكي" و"التقدم والإشتراكية"، الذين لم يستطيعوا مجتمعين الحصول على ما حصل عليه لوحده من أصوات، حزب "العدالة والتنمية" أو حزب "البام".

ثاني الخاسرين هي "فدرالية اليسار" فرغم الحملة، التي نُظمت لفائدتها على الصفحات الإجتماعية، ورغم دعم 100 مثقف لها، ورغم "الكلام الواعر" لزعيمة الفيدرالية، لم تستطع أن تصل الفدرالية إلى العتبة، بل ويروج أن منيب لم تستطع الفوز حتى بمقعدها رغم ترشحها في اللائحة الوطنية، في وقت فاز فيه حزب "كومسير جلاد" مغمور بثلاثة مقاعد!

ثالث الخاسرين هو حزب "التقدم والإشتراكية" الذي كان واضحا انه سيحصد هذه النتيجة، منذ صدور بيان القصر الملكي ضده، فامتناع بعض رجال الأعمال عن دعمه ماليا كما جرت العادة سلفا، وضمنهم عثمان بنجلون، وصولا إلى لجوء بنعبد الله إلى الأبناك لتمويل حملة حزبه الانتخابية.

وأما الخاسر الأكبر من هذه الانتخابات فهو الوطن، بعد أن زكت نتائجها بشكل أكبر معضلة العزوف على الانتخابات، ما يفتح أبواب البلد على المجهول، لا قدر الله.

ما هو المطلوب اليوم؟

المطلوب من أحزاب الحركة الوطنية، خاصة "الإتحاد الإشتراكي" و"الإستقلال" أن يشكلا الحكومة مع "البجيدي"، ليس لتحقيق إنجازات مادية للشعب، فهذا أمر مستحيل أمام إكراهات الحكومة المادية والدستورية والتزاماتها الدولية مع المؤسسات المالية، بل فقط لتخفيف حدة الجرائم ضد الشعب، ودفع "البجيدي" ليكون حزبا وطنيا لا حزبا يخدم مصالح صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومصالح المخزن، خاصة وأن تجربة المعارضة لم تجدي نفعا حزبي "الإستقلال" والإتحاد الإشتراكي"، بخلاف "التقدم والإشتراكية" الذي "رباه المخزن" ليكون عبرة لمن لا يعتبر!!

المطلوب أيضا من أحزاب الفدرالية أن تعيد النظر في طريقة اشتغالها، وأن تترفع عن الصغائر وخوض المعارك الهامشية، والأهم أن تعيد تقييم تجربتها وفقا لهوية يسارية واضحة على أرضية معانقة كل المعارك الشعبية، فكثير من المعارك أدارت لها الفيدرالية ظهرها، وفي أحسن الأحوال تستدرك الأمر ببيان يتيم دون خوض احتجاجات ميدانية.

كما على قادة الفيدرالية، وخاصة المنحدرين من تجربة "منظمة العمل الديمقراطي الشعبي" أن يتخلصوا من "مرض" النزوع نحو الهيمنة، ولن يتأتى ذلك إلا بإبعاد وجوه معينة، لم تفلح سوى في تأجيج الدسائس وإقصاء الشرفاء، كما على قادة الفيدرالية أن يُربوا بعض قواعدهم على قيمة التواضع والإحترام وعدم تخوين من قاطع الانتخابات، أو انتقد مشاركتهم، فقد أكدت الشهور الأخيرة على أزمة فكرية وأخلاقية يعاني منها العديد من المنتسبين للفيدرالية، رغم حوزها لخطاب حداثي قادر على حشد الشعب لتحقيق الانتصار المنشود، كما على قادة الفدرالية أن يعيدوا النظر في تحالفاتهم وأن يفتحوا نقاشات مع "النهج الديمقراطي" و"العدل والإحسان" وعدد من الحركات السياسية كالتروتسكيين والماويين..، وبعض الحركات الإجتماعية الصاعدة كحركة "أمل"، فهل يعقل "تخوين" حركة اجتماعية دون دليل والانتخابات على الأبواب؟ على قادة الفدرالية التواضع قليلا و الاستفادة الفكرية والسياسية والتنظيمية من كل حلفائهم في الميدان، دون أن ينسى قادة الفيدرالية حث قواعدهم على التسجيل في اللوائح الانتخابية، فمشكلة الفيدرالية الأكبر أنها كانت تتوجه بخطابها لجهة غير مسجلة في اللوائح، بل والأفظع أنه كان بين المشاركين في الحملات الانتخابية للفيدرالية من هو غير مسجل في اللوائح ومع ذلك يدعو المواطنات والمواطنين إلى التصويت لفائدة مرشحي الفيدرالية.