بنكيران يدين الملك من حيث لايدري

11

ترفض قيادة كل من البام والبيجيدي إنشاء ائتلاف حكومي يضم الحزبين معا فيما لو فازا بالانتخابات القادمة. تصريحات العماري وبنكيران حاسمة وجازمة في هذا الباب. كل واحد منهما أكد مرارا وتكرارا بأنه لن يقبل بتاتا التحالف مع الآخر، تحت أي مبرر من المبررات.

إذا تأملنا في هذا الموقف الصادر عن الحزبين فإنه يكشف لنا عن عقلية إقصائية وإلغائية لدى كل طرف منهما تجاه الثاني. ُيبين موقفهما السابق أنهما لا يؤمنان بالحق في الاختلاف ولا يقبلان به، ولا يمتلكان عقلية تهذيبه وتدبيره وتصريفه لمصلحة المجتمع حيث يعيشان.

إنها الأنانية والعناد والتعصب للرأي، وهذه ليست عقلية رجال الدولة، وإنما عقلية شيوخ القبائل والعشائر، حيث يتصور كل شيخ قبيلة أن كلمته التي صدرت عنه لا ينبغي أن تسقط في الأرض، وأنها هي التي يتعين أن تتحول إلى قانون جار به العمل، مهما كانت مضرة بالجماعة، فما دامت قد صدرت عنه فإنه لا يقبل التراجع عنها.

السياسي المحترف والعقلاني لا يقول (( لا)) سلفا، ويتمسك بها بشكل قطعي. السياسي المسئول يتصرف دائما بمرونة، ويؤمن بالنسبية، ويترك أبواب جميع الاحتمالات مفتوحة، أما نحن فإن سياسيينا يتكلمون ويقررون بإطلاق ودون ترك أية فرصة للمتغيرات التي قد تفاجئهم وتدفعهم للتراجع عن المواقف التي يعلنون عنها ويسجلها عليهم الرأي العام، من قبيل عدم قبول البيجيدي بالمشاركة في حكومة يقودها البام والعكس صحيح.

ومع ذلك، ورغم كل هذه التصريحات العنترية، يمكن القول وبكل اطمئنان إذا أراد الملك للحزبين المذكورين أن يتحالفا ويشكلا معا حكومة واحدة فإن أي منهما لن يكون بمقدوره رفض وردَّ ما يريده الملك، وسيبادران معا وفي دفعة واحدة إلى تغيير الموقف وسيؤلفان الحكومة ويوقعان على برنامجها وسيدافعان عنه بحرارة وحماسة، بحسناته وسيئاته. ولذلك لا ينبغي أن نأخذ مأخذ الجد هذه التصريحات العالية النبرة التي تصدر إبان الحملات الانتخابية.

فرغم حدة الخطاب المتبادل بينهما فإن البيجيدي والبام يملكان معا قواسم مشتركة كثيرة، ففي الخيار الاقتصادي كلاهما من المدرسة الليبرالية الاقتصادية المتوحشة، فالبام يقول ذلك صراحة، والقرارات التي اتخذها البيجيدي وكانت قاسمة لظهر القدرة الشرائية للمواطنين لم تجرؤ على اتخاذها كل الحكومات السابقة التي كانت تصرح علنا بأنها ذات توجهات ليبرالية صرفة.

الطريف هو أن بنكيران يردد في خطبه أن المغرب كان على وشك الإفلاس وأنه هو الذي أنقذه، ويقول في نفس الوقت أن الملك هو الذي يحكم ويقرر ويرسم السياسات في جميع المجالات ويسهر على تنفيذها، وأن الحكومة لا تعدو كونها تمتثل لأوامر الملك وتطبق تعليماته، فمن حيث لا يشعر يتهم رئيس الحكومة الملك بأنه أوصل المغرب إلى حبل المشنقة، ولولا تدخل بنكيران لكان المغرب قد لقي حتفه وصار أثرا بعد عين، ناسيا أن مكونات حكومة عباس الفاسي الذي كان وزيرا أولا قبله والتي يحملها المسؤولية عن الوضع الكارثي للمغرب هي التي يعتمد عليها ضمن تشكيلته الحكومية الراهنة، أي أنه قبل التحالف مع من ساهموا في خلق الأزمة التي يعاني منها المغاربة.

تشابهُ مواقف البيجيدي والبام قديم نسبيا وله تاريخ، لقد كان لهما نفس الموقف من حركة 20 فبراير. لقد صرح العماري أنه تمكن من احتواء تسونامي 20 فبراير وحوله إلى ريح هادئة ولطيفة، وربما ستكون البشرية مدينة للعماري لعثوره على الوصفة السحرية التي ستنقذ الناس من تسونامي وتقلص من عدد ضحاياه، وللحقيقة، فهذا مجرد ادعاء أجوف وتبجح لا أساس له في الواقع. فلم يكن للعماري أي دور في مواجهة حركة 20 فبراير التي ظلت تهتف في الشوارع مطالبة برحيله إلى أن اضطر وقتها إلى الاختفاء من الساعة ومغادرة المغرب صوب الخارج.

كانت الشعارات المركزية لحركة 20 فبراير هي: كرامة حرية عدالة اجتماعية، الشعب يريد إسقاط الفساد، الشعب يريد ملكية برلمانية، والمساواة بين المرأة.. فأين تسونامي في هذه الشعارات؟ وهل العماري ضد هذه المطالب؟ إذا كان الجواب نعم، فهذا يفيد بأنه سياسي رجعي ومتحجر ومعاد لمطالب الشعب، ولا يختلف في شيء عن البيجيديين الذين يزعم أنه نقيضهم.

أما غريمه بنكيران فلقد وسم شباب حركة 20 فبراير بالطبالة والغياطة، ووصفهم بهذا التعبير ليحط من قدرهم، ووصل به صلفه وغروره إلى حد القول عنهم إنهم لا يعرفون ماذا يريدون، وأنهم يشكلون تهديدا للنظام وللأمن العام، رغم أن مظاهرات الحركة الفبرايرية عمت أكثر من 60 مدينة وقرية في المغرب، ولم تتكسر ولو واجهة زجاجية واحدة لمتجر أو مسكن أو مؤسسة عمومية، ولم يقع المس إطلاقا بالأمن ؤالوطني و لم يهتف بسقوط النظام اوالملكية.

ولذلك لا داعي للاستغراب إذا شارك كل من البيجيدي والبام في حكومة واحدة، فهما يتشابهان في كثير من الأمور، والقرار على هذا المستوى ليس بيدهما وإنما بيد المؤسسة الملكية. فالمرتبة الأولى للانتخابات ستكون لواحد منهما، والفارق بينهما سيكون في الغالب بسيطا، وأي منهما سيكون مضطرا للتحالف مع غيره لتشكيل الحكومة. فإذا حصل البيجيدي على المرتبة الأولى فإنه قد لا يجد حلفاء ليشكل معهم الحكومة، وسيصبح المغرب أمام مشكل دستوري، فدستور 2011 لم يعالج هذا الإشكال، أي تصدر حزب لنتائج الانتخابات دون العثور على حلفاء له لتأليف حكومة بقيادته.

في مثل هذا الحالة ما العمل؟ سنصبح أمام مشكل دستوري، كيف سيتم حله؟ هل ستعاد الانتخابات؟ هل سيحال المشكل على المحكمة الدستورية لتفتي بحل في هذا الشأن؟

ومهما كان الجواب فإننا سنظل نعيش في ظل ملكية تنفيذية، وحكومة تشمل في جزء مهم ومفصلي منها وزراء سيادة، كالداخلية والخارجية والأوقاف والشؤون الإسلامية والأمانة العامة للحكومة.. سواء كانت هذه الحكومة بقيادة البيجيدي أو البام، فكل واحد منهما سيتصرف في حدود ما هو مرسوم له من طرف المؤسسة الملكية التي هي الحاكم الفعلي للبلاد والعباد.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

6 تعليقات

  1. hassan de oujda يقول

    تحية عالية للأستاذ خالد الجامعي الذي راكم خبرة بالمجال السياسي المغربي و بختلف مكونات مشهده الحزبي و النقابي والإعلامي، لكن اسمح لي أستاذي أن أبدي فيك رأيي و الذي مؤداه، أن الجرأة السياسية لا تكفي وحدها للمساهمة في بناء المسار الديمقراطي، بل ما يجب أن يتحلى به الإعلامي المحنك و الرقيب الصادق ، هو تقديم تصورات بديلة لهذا المشهد الفج الذي تسير على منواله الأحزاب السياسية في المغرب. تتطلب منا الوطنية الصادقة أن نقف إلى جانب الصف الديمقراطي الحداثي لا أن نركن إلى نوستالجيا ماضي وصل إلينا نصفه مزور و النصف الآخر لا يصلح لشيئ .ملاحظتي البسيطة و حتى لا يأخذك عني اللوم هو أنك تصف و تفسر و تنتقد. و لكن هذه الميزة أصبح يتحلى بها كل مبتدئ في السياسة أو الإعلام، بل إن جحافل مواقع التوصل الإجتماعي و غوغاء الأقلام المأجورة تفعل كذلك، الجميع يمتلك عينا ناقدة و لكن عينا ترى و تعتبر و تستشرف المستقبل نفتقدها كثيرا في بلادنا، ننادي بثقافة الإختلاف و احترام الرأي المخالف و نكرس في سلوكنا أتوقراطية وهنة. أنا أعرف أن إلياس العماري و بنكيران وجهان لعملة واحدة، و أعرف أن المخزن الذي عانينا من بطشه في الماضي يحمل تاجه الآن حزب “التناقض بين الأصالة و المعاصرة” و ليس “لأصالة و المعاصرة” كما يرنن علينا، و أعرف مثلما تعرف أن حزب “العدالة و التنمية” هو جبة المخزن الدينية الرجعية التي بها يسود و يستمر. و لكن يا أستاذي يا صديق و رفيق المحامينو المثقفين و المتمردين و المناضلين الشرفاء، هاتونا ببديل ننخرط معكم فيه، و اخرجوا من عباءة الماضي حتى لا تلاموا على شيخوخة السلوك، فثقافة التمرد تصدعت صدأت، وأخشى أننا محاصرون بواقع لا نجيد قراءته كما قال الراحل درويش. المواطنة هي تقديم الحلول، الوقوف إلى جانب من يحاول فك الحصار و الظلم و لو بخطى بطيئة في ظل نظام أنت أدرى مني به. المواطنة يا أستاذي هي الفعل، و ليس القول. المواطنة هي أن تقبل الإهانة و المعاناة و التضييق و الإعتقال و السجن، و لما لا التضحية في سبيل المواطنين المغلوبين على أمرهم، المهمشين، الأميين الذين استهدفوا في و عيهم، و اغتربوا، الذين جوعوا قسرا، و جهلوا قسرا، و حرموا أبسط مكتسباتهم قسرا، حرموا من لقمة العيش و أبسط شروط الحياة. أستاذي لن أكون متلقيا ساذجا لفئة اختارت نضال السلحفاة، و ثورة الحلزون. تخلصوا من عواطفكم السياسية، تخلصوا من عزلتكم النقدية، خذوا المبادرة، و انخرطوا و جرونا إلى جانبكم لا أن تنظروا إلينا من برجكم العاجي و تصفوننا بالسذاجة و تتأسفون لحتا وعينا و ثقافتنا و اختيارنا.أليس هذا ما يفعله إعلاميو الغرب و محامييهم و مثقفيهم و متمرديهم؟ هل يكفي أن أسمع منك كل هذا الكلام و الهجوم و الصراة في توجيه الخطاب و لا تتعرض للمضايقات؟ أجيبك بأنه يكفي أن تنقر على زر الحاسوب و تتوغل في اليوتيب و أنظر إلى الكلام النابي و الجرأة الفارغة و السب و الشتم الذي يوجه إلى الحاكم و السلطة و لا يصيب أصحابها أي مكروه . نحن لا نريد نرفزة أو عنفا لفظيا أ تجريحا في حق الناس نريد قادة و موجهين و فاعلين في الميدان نريد بدائل حقيقية، و إلا أصبح شعار”المواطنة آخر ملاذ لكل نذل” بتعبير ص. جونسون.

  2. مبارك فتيح يقول

    تحية مرة اخري للسيد الجامعي المسؤولية في المغرب يمكن ان يدرها من هب ودب بعد الاستقلال كان علي راس الحكومة السيد الفاضل عبد الله ابراهيم رحمة الله عليه وكان استادا جامعيا. المرحوم عبد اللطيف حائز علي شهادة الدكتوراة مند الخمسينات زد علهم مثقفون من العيار تحملوا المسؤولية كالمهدي المنجرة ومحمد العربي الخطابي ررحمة الله عليهم واللائحة طويلة لكن في زمن المسخ اصبحنا نري السيكليس واناس بدون مستوي ثقافي احسنهم استا بالاعدادي راس ماله التهريج. ابهذه العينة سنلحق كوريا وماليزيا والدول الصاعدة

  3. HammoudaAnhasse يقول

    سنظل نعيش في ظل ملكية تنفيذية، وحكومة تشمل في جزء مهم ومفصلي منها وزراء سيادة، كالداخلية والخارجية والأوقاف والشؤون الإسلامية والأمانة العامة للحكومة.. سواء كانت هذه الحكومة بقيادة البيجيدي أو البام، فكل واحد منهما سيتصرف في حدود ما هو مرسوم له من طرف المؤسسة الملكية التي هي الحاكم الفعلي للبلاد والعباد. كلام ف الصميم وتحياتي للاستاذ الكبير خالد الجامعي

  4. Premier citoyen يقول

    لماذا إذن كل هذا الهدر للمال العام الذي تقدمه الدولة للأحزاب من أجل حملتهم الإنتخابية الوهمية ؟ إذا الشعب أراد المساواة و العدالة الإجتماعية ، عليه تجاهل هذه الأحزاب المتواطئة و الإعتماد على نفسه . فليستمع الشعب لصوت الشعب.

  5. محمد**المغرب يقول

    في ما يخص مقدمة المقال، ادا ما اخدنا هده النظرية ،ستناقض ما يجري في اسبانيا
    وما جرى في اليونان وايطاليا في السبعينات.
    في فرنسا لا يمكن ان يتحالف اليمين المعتدل مع الجبهة الوطنية او يتحالف معها الحزب الاشتراكي
    في ما يخص احتمال تحالف بام-ببيجدي ، العملية واردة، ولكن قد تكون بدون الياس ولا بنكيران.
    تحية للعميد

  6. jamal يقول

    une nalyse est pertinente, les 2 partis ont les mmes politique presque sauf qu’un veut islamiser le peuple et travailler l’agenda de réseau des fr.mus.tandis que l’autre veut être un rompart à tte évolution un peuple bien conscient doit au moins les bouderts les 2 et choisir n’importe quel autre parti

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.