من فضائل الديمقراطية أنها توفر مناخا سياسيا شديد الحساسية اتجاه الفضيحة .لذلك نرى المسؤولين والسياسيين في الدول الديمقراطية يلجؤون حينما تنكشف فضائحهم إلى الإسراع بتقديم استقالتهم، وذلك وعيا منهم بأن البقاء في منصب المسؤولية فيه إساءة وعدم احترام للرأي العام إضافة إلى ما له من تداعيات على الحزب الذي ينتمون إليه من خلال استنزاف رصيد الثقة الذي يتمتعون به لدى المواطنين .

بينما سياسيونا وإن تورطوا في فضائح مدوية فهم لا يتراجعون ولا يخجلون ،ولا يؤثر ذلك كثيرا على مشوارهم السياسي.بل وللمفارقة الغريبة قد يساهم في رفع أسهمهم في الحياة السياسية وتولي مناصب لم يكونوا يحلمون بها من قبل وكأنهم يجسدون المثل القائل :الضربة التي لا تقتلك تقويك ...
في البلدان الديمقراطية تتمتع السلطة الرابعة بقوة هائلة ،إذ تستطيع تعرية السياسي وكشف تفاصيل حياته الدقيقة ...ماضيه وخليلاته وطعامه المفضل وربما حتى لون ملابسه الداخلية ...
أمام هذا الفضول الكبير للصحافة تتقلص مساحة الحياة الخاصة للسياسيين وتصبح زلاتهم وأخطاءهم قيد الرصد في غالب الأحيان ، وعندما تنكشف فهم يؤدون الثمن غاليا .

نتذكر جيدا بيرلوسكوني السياسي الثري وذو النفوذ القوي سابقا في إيطاليا ... السياسي الإيطالي أدين في قضية تهرب ضريبي ،و لم ينقذه سوى سنه الطاعن من حكم قضائي بالسجن ، وقضى بدله سنة كاملة في خدمة المجتمع كعامل نظافة في إحدى دور المسنين والمعاقين في روما .

عندنا ما ينكشف ويطفو إلى السطح هو نزر يسير ...مجرد شجرة تخفي غابة كثيفة ...غابة في حاجة إلى إعلام حر وقوي ومستقل لتسليط الضوء على كائناتها المخيفة من تماسيح وأسود وضباع وعفاريت ...
المشكلة عندنا كبيرة وأكثر تعقيدا ، لأنه حتى من بنى مشروعه السياسي على " نظافة اليد " ومحاربة الفساد أصبح الان في الواجهة ، فلا يكاد المواطن المغربي ينسى فضيحة أحدهم حتى تنفجر فضيحة أخرى .وبعضهم ذهب بعيدا في التطبيع مع الفضائح حتى أصبحت بالنسبة له شيئا عاديا كما هو الشأن لبطل قصة الكوبل الحكومي الحبيب الشوباني .

من أشهر فضائح الشوباني قضية " الكاتكاتات " السبعة من طراز "فولسفاكن توارك "التي اقتناها له ولنوابه السبعة بصفته رئيس جهة درعة تافيلات الفقيرة والتي كلفت ميزانية الجهة ما يقارب 300مليون سنتيم .

الشوباني صام عن الكلام أياما بعد الفضيحة وعندما تكلم لم يعترف بالخطأ ولم يلتزم بالتقشف في صرف المال العام بل اعتبر الأمر ضروريا نظرا لشساعة الجهة ، وأكثر من ذلك لا يجد مانعا في اقتناء طائرات هليكوبتر مستقبلا ...
لم يقل لنا الشوباني لم اختار بالضبط هذه السيارات الفخمة ،ولماذا سبع سيارات بالتمام والكمال وليس سيارة واحدة أو اثنتين ولماذ ا لا يصرف هذه الأموال في تشييد الطرق وفك العزلة عن المواطنين البؤساء ...
الشوباني ليس رئيسا أو وزيرا في دولة غنية و متقدمة بل رئيس جهة فقيرة في بلد فقير ..فماذا عسانا نقوله عن خوسي موخيكا رئيس الأووغواي السابق الذي رفض تغيير سيارته العتيقة الشبيهة بالدعسوقة ؟وعن وزراء السويد والدنمارك وهولندا... الذين رأيناهم يستعملون الدراجات الهوائية في التنقل زهدا وتعففا رغم الميزانيات الضخمة الموضوعة رهن تصرفهم ؟
السياسيون معادن .. وللأسف ابتلينا بالنوع الرديء و الوضيع منه .
السياسي الذي لا يستحيي من نفسه ومن الناس ، ويصر على إزكام أنوفنا بروائح فضائحه هو سياسي " جوج فرانك" . وكما دام هؤلاء هم العملة الرائجة فمن المؤكد أن الديمقراطية بعيدة المنال .