يرجع أصل استعمال كلمة "المخزن" في المغرب إلى عهد السعديين كإشارة إلى النخبة الحاكمة، وقد إتفقت بعض الأراء أن تكون هذه الكلمة قد استعملت أول الامر للإحالة إلى الضرائب التي تجمع من السكان لتوضع في مخازن السلطان.
إلا أن مفهوم المخزن قد تطور لاحقا ليدل على النظام الحاكم في المغرب والذي تعتبر فيه المؤسسة الملكية قطب الرحى، الى جانبها كل الهيئات و المؤسسات و الأشخاص الذين سخرتهم المؤسسة الملكية لخدمتها للحفاظ على دوام السلطة في يدها، كم يشمل الأشخاص التابعين لتلك المؤسسات من موظفي الدولة الجنود رجال الأمن المقدمين وأعوان السلطة، وكذا كل أثرياء الدولة وكبار ملاكي الاراضي وذوي النفوذ المحليين الذين يستفيدون من الوضع القائم...

لقد كان مفهوم المخزن منذ ظهوره وتداوله من طرف المغاربة كاف لإشعارهم بالرهبة والخوف منه، باعتبار أن المؤسسة الملكية محاطة في الذاكرة المغربية بهالة من القداسة التي تستمدها من الحق الالهي، ولكون خدام هذه المؤسسة مستعدين لفعل أي شئ لفرض تبعية و انصياع الرعية للمؤسسة الملكية، كما أنهم حريصون على التطبيق الحرفي لكل القرارات و الأوامر الصادرة عن السلطان ومحيطه مهما كانت مجحفة بحق الشعب ومهما اتسعت دائرة من مستهم عواقبها.

في الوقت المعاصر، وفي ظل التطور الذي عرفه نظام الحكم في المغرب، وفي ظل عولمة الاقتصاد وتشعب المصالح، أصبحت مصالح النظام الحاكم في المغرب تتقاطع مع مصالح أطراف أجنبية أخرى من دول وشركات وهيئات ومنظمات دولية، وبقاء هذه المصالح لأصحابها رهين ببقاء الأمور على حالها، فكان النظام الحاكم في المغرب الذي أصبح هدف لذاته وفي نفس الوقت هدفا لغيره من الأطراف الأخرى التي تقاسمه نفس المصالح، حريص في الحفاظ على هذا الوضع القائم.

لقد جعلت عولمة الاقتصاد اذن مختلف الأطراف الأخرى تتدخل لضبط ايقاع النظام المغربي المتمثل في المؤسسة الملكية ومحيطها وسيلة لحماية مصالح تلك الأطراف مقابل حماية هذه الأطراف للمؤسسة الملكية على رأس السلطة في المغرب وكذلك رعاية "مصالح" المغرب الأخرى في الخارج وفي مختلف المحافل الدولية. وهكذا انتقل تسيير -أو ان شئنا الدقة التحكم- في المغرب من نظام أحادي السلطة وهو المخزن بمفهومه التقليدي الى نظام معاصر متعدد الأطراف ذات المصالح المشتركة والمتقاطعة والتي في ظلها أصبحت المؤسسة الملكية كطرف من تلك الأطراف آلة لفرض دوام الوضع الراهن أو حتى تكييفه مع المصالح المستجدة لهذه الأطراف.

ان الحاكم الحقيقي للمغرب ليس سوى أخطبوط من العلاقات والمصالح الاقتصادية التي تتقاسمها مجموعة من الفرقاء، والتي يتم ضبطها بواسطة ما نعته ابن كيران ب"التحكم"، وابن كيران نفسه ليس سوى ديكور لإعطاء الانطباع بوجود حكومة منتخبة ديمقراطيا لكنها في الحقيقة لا تستأثر إلا ببعض القرارات الهامشية، وفي أحسن الأحوال قيامها بتنزيل وتطبيق سياسات قاسية تمت طبخها في مطبخ حكومة التحكم، أما القرارات المصيرية الكبرى، فيقرر فيها رجال التحكم الحقيقيين في المغرب بتأثير من الأطراف الخارجية الاخرى ذات المصالح في المغرب.

"التحكم" إذن هو حكومة الظل، هو الدولة العميقة، هو صاحب القرارات المصيرية للدولة، هو مهندس التأشير على الاستثمارات الكبرى في الوطن، وهو كذلك من مهد الطريق نحو العدالة والتنمية للفوز بالانتخابات... ففي الوقت الذي يثار فيه الجدل حول وجود "التحكم" من عدمه، يخرج علينا مهندسو هذا "التحكم" أنفسهم لنفي وجوده!! وآخر ردود فعله هي إقصاء القباج من حقه الدستوري في الترشح، وتحويل زعيم حزب من رمز الى شبح، هو من يلاحق فردا لمجرد نشره لتدوينة تهدد نظامه، وهو من منح ترخيصا مقرونا بوسائل لوجيستيكية لانجاح مهزلة الدار البيضاء!
* كاتب مغربي مقيم بالولايات المتحدة الامريكية ومؤلف كتاب "المغترب"