ألهذه الدرجة ذاكرة البعض " مثقوبة" حتى يُعتبر بنعبد الله "شجاعا" على خلفية  بيان المؤسسة الملكية؟  أيعقل أن تصبح  ذاكرة السمك اقوى من ذاكرة البعض، وللتذكير  فإن السمك ينسى بسرعة "صاروخية" الشباك التي أفلت منها قبل أن يعود ليقع في حبالها من جديد؟

أين كانت شجاعة بنعبد الله أمام العفو على البيدوفيل الإسباني؟ وأمام مجزرة قمع المحتجين على هذا العفو حين تظاهروا يوم 2 غشت من سنة 2013 أمام البرلمان؟ وأمام قمع المحتجين على فاجعة منى حين وقفوا أمام البرلمان؟ أين كانت شجاعة بنعبد الله أمام التجاوزات التي حدثت بعد أحداث 16 ماي باعتراف الملك نفسه، ألم يكن بنعبد الله هو لسان هذه التجاوزات وهو آنذاك الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية؟ ثم أين كانت شجاعة  بنعبد الله أمام إغلاق الصحف المستقلة قبل فرض المنفى الاختياري على العديد من الصحافيين المستقلين؟ أين كانتذهب شجاعته  أمام اقتحام مقر " الجمعية المغربية لحقوق الإنسان" وأمام "ذبح" فصول دستورية خلال كسر جماجم رجال التعليم ومحاكمة قضاة الرأي؟

ثم كيف يكون شُجاعا من زكى أسلوبا مخزنيا ومُخزيا عند إفساد أنظمة التقاعد؟ كيف يكون شجاعا من أوقف قياديا بحزبه وهو عزيز الدريوش فقط لإبدائه رأيا في لجنة مركزية لحزب " التقدم والاشتراكية" عدد أعضائها أكبر من أعضاء الحزب الشيوعي الصيني،  والافظع والاجبن أن هذا التوقيف جرى يوم فقدان الدريوش لقريبه، دون أن  يكلف بنعبدالله نفسه تقديم العزاء كما تقضي الأصول الإنسانية؟

بنعبد الله مجرد انتهازي، شعر بدنو نهايته، فلجأ لأسلوب التضليل لذر عطف الناخبين وهنا اتفق مع بيان القصر في هذه الجزئية، فبنعبد الله وصولي طفيلي، همه الوحيد الأوحد هو كرسي الوزارة، إذ لو كان فعلا "شجاعا" لما زكى تجاوزات السلطات ضد الاسلاميين واليساريين والعديد من المواطنات والمواطنين عندما كان ناطقا باسم الحكومة ومدافعا بقوة عن التحكم وأب التحكم من سنة 2002 الى سنة 2007! نعم لو كان بنعبدالله  شجاعا فعلا لما صمت عن مساهمة السلطات المغربية في قتل العديد من المغاربة، ولا صمت عن اضرابات واعتصامات  شعبية وعمالية بعضها فاقت مدتها سنتين كحال عمال منجم اميضير! ولا صمت اليوم  على محاولة عزله عن حزبه من طرف المؤسسة الملكية، بطريقة ماسة بكل الاعراف والتقاليد الديمقراطية، خاصة حين يقول بيان القصر: وهذه القضية لا تخصّ إلاّ صاحب التصريحات، وليست لها أي علاقة بحزب التقدّم والاشتراكيّة المشهود له بدوره النضاليّ والتاريخيّ، وبمساهمته البناءة في المسار السياسي والمؤسسي الوطنيّ" وكأن القصر أجرى استفتاء وسط الحزب ليعرف موقف قادته وقواعده من هذه القضية، وكأن بنعبد الله لم ينتخبه مؤتمر وطني!

النظام السياسي المغربي بنى عرشه واستقراره  على "هيبة" المؤسسة الملكية، وحين يؤكد بيان البلاط الملكيّ على "أن مستشاري الملك لا يتصرفون إلاّ في إطار مهامهم، وبتعليمات سامية محددة وصريحة من الملك محمّد السادس" فليس ذلك دفاعا عن الهمة كما توهم البعض بل دفاعا عن مؤسسة شعرت أن هيبتها "تتلاشى" يوما بعد يوم بفعل عوامل عدة، فوجدت في تصريحات أداة من أدواتها فرصة لتحقيق عدد من الأهداف.

أولا، التذكير بهيبة المؤسسة الملكية وأن أي تطاول على أي  مستشار ملكي هو تطاول على مؤسسة بكاملها خاصة وأن المستشارين كما يقول البيان لا يتصرفون من تلقاء أنفسهم بل استجابة لتعليمات ملكية.

ثانيا،  هي إشارة لبنكيران أن القصر غير راض على شعار " مواجهة التحكم" الذي قرر "البجيدي"  تأطير  به حملته الانتخابية!

ثالثا، وهذه أقسى وأخطر رسالة لبنكيران، وكأن الملك يقول له أنت دون مستوى حتى  بنعبد الله عندي على علاته وانحطاطه، لهذا لا تستحق بيان مني كما استحقه بنعبد الله، فمهما واصلت حديثك عن "التحكم" فلن التفت إليك ولن تحظى بشرف بيان ضدك من طرف اول مؤسسة دستورية في البلاد،  لأنك لاشيء بالنسبة إلي.

رابعا، بيان القصر وكأنه يسعى لخلق اصطفافات جديدة، عبر تذكير قادة وقواعد التقدم والاشتراكية بأن مكانكم الطبيعي في الحكومة المقبلة مع البام والاتحاد الإشتراكي، شريطة أن تفكوا علاقتكم ببنعبد الله الذي ورطكم في تحالف لا علاقة له  بتاريخ حزبكم النضالي.

خامسا، هو تنبيه الجميع للكف عن تداول عبارة " التحكم" لأن الملك يجد نفسه أول معني بهذه العبارة، لأنه يستحيل أن يتحكم شخص في أي مؤسسة أو رقعة من رقع البلاد دون علم و تفويض ودعم من الملك، خاصة وأن الأخير حرص في العديد من الخطب على محاولة تذكير المغاربة بأنه فوق الصراعات الحزبية وأنه حكم فوق الجميع وبأن حزبه هو المغرب، وبالتالي فحين يتحدث مسؤول حكومي عن التحكم في دولة دستورها واضح في فصله الثاني والأربعين بكون الملك هو رئيس الدولة، فكأن بنعبد الله بحديثه عن " التحكم"  يقول للملك  " أمممممممم بشحال الحولي" نسبة إلى النكتة المغربية الشهيرة التي تفيد أن فتاة نصحت اباها، وهو متوجه إلى السوق لبيع خروف، بالحذر من اللصوص في السوق لكثرتهم، داعية إياه إلى أن يجيب كل سائل عن ثمن الخروف،  بالقول: "أمممممم بشحال الحولي"، مع حقه على إدارة رأسه دورات خفيفة، وهكذا ظل الأب يدير برأسه ويقول "أمممممم بشحال الحولي" إلى أن فرغ السوق من الناس وعاد بالخروف إلى المنزل.