اختراق الطائرات الإسرائيلية للأجواء السورية، وقصفها أهدافا عسكرية، أو مدنية أمر عادي ومألوف، لكن ما هو غير عادي أن يتم التصدي لهذه الطائرات بالصواريخ، واسقاطها من قبل الدفاعات السورية، حسب البيانات الرسمية.
في غمرة انشغالات الصحافة العالمية والعربية ببدء “الهدنة”، وصمودها لما يقرب من الـ24 ساعة، وتذوق السوريين للنوم العميق لأول مرة منذ سنوات، ووصول المساعدات، وتوقف القصف وسفك الدماء، خاصة في منطقة حلب، في ظل تزايد التكهنات حول الخطوة القادمة سياسيا وعسكريا، خرجت علينا القيادة العامة للجيش السوري ببيان أكدت فيه تعرض مواقع عسكرية لعدوان اسرائيلي بريف القنيطرة فتصدت له وسائط الدفاع الجوي، وأسقطت طائرة حربية جنوب غرب القنيطرة، وطائرة استطلاع بدون طيار غرب سعسع.
معارضو الحكومة السورية، وما أكثرهم، كانوا يرقصون، أو بعضهم، طربا لأي قصف للطائرات الحربية الإسرائيلية في العمق السوري، ويتندرون بتكرار المقولة الرسمية التي تتوعد بالرد في التوقيت والمكان المناسبين في إشارة إلى “العجز″ أو عدم القدرة والإرادة، ومن المؤكد أنهم فوجئوا بإطلاق ثلاثة صواريخ من طراز “سام 200″ على الطائرات المغيرة على منطقة القنيطرة واسقاط إثنتين منها.
***

المتحدثون باسم الجيش الإسرائيلي نفوا أن تكون أي من الطائرات التي استهدفت قواعد مدفعية للجيش السوري في القنيطرة قد جرى اسقاطها، ولم تؤكد أي جهة محايدة هذا النفي، أو تقول عكسه، ولكن هؤلاء اعترفوا بإطلاق صواريخ بإتجاه الطائرات المغيرة للمرة الأولى منذ سنوات، وهذا اعتراف مهم، يؤكد أن السماء السورية لن تكون مفتوحة على مصراعيها أمام الطائرات الإسرائيلية في المستقبل.
الغارات الإسرائيلية جاءت ردا على إطلاق أربعة صواريخ من نوع “مورتر” على هضبة الجولان السورية المحتلة، ثلاثة منها عصر اليوم الثلاثاء، أي بعد الغارات، وواحد قبلها، الأمر الذي زاد من حدة التوتر على الحدود الجنوبية السورية الفلسطينية قرب الجولان المحتل، مما دفع السلطات الإسرائيلية إلى إجلاء المئات من السكان في منطقة “يعارا” إلى مناطق آمنة.
السؤال الذي يطرح نفسه هو عن أسباب هذا التصعيد المفاجيء وتوقيته أولا، والانقلاب الحادث في الموقف السوري، أي من الصمت وعدم الرد إلى اطلاق صواريخ سام المضادة للطائرات التي غابت عن المشهد لسنوات، ثانيا؟
بالنسبة للشق الأول من السؤال يمكن الاجتهاد والاجابة بالقول إن الإسرائيليين يشعرون بالاستياء والقلق من جراء اتفاق الهدنة الذي توصلت إليه القوتان العظميان، وجاء لمصلحة النظام السوري، وأكد اليد الروسية العليا في المنطقة بأسرها، ولذلك حاولت أن تعّكر مياهه، وتتحرش بالنظام في دمشق لاحراجه، مطمئنة إلى عدم اقدام جيشه على أي رد، مثلما كان عليه الحال في المرات السابقة.
أما عن أسباب هذا الانقلاب في الموقف السوري والانتقال من الصمت ازاء الاهانات الإسرائيلية إلى مرحلة الرد، فهذا يعود إلى اتفاق الهدنة نفسه الذي أطلق يده، أي النظام، وزاد من ثقته بنفسه وقدراته العسكرية، مضيفا إلى ذلك استناده، أي النظام، إلى الحليفين الروسي والإيراني وقدراتهما العسكرية الحديثة المتطورة، وخاصة صواريخ “اس 400″ الروسية.
قرار التصعيد السوري الإيراني في هضبة الجولان اتخذ منذ عامين تقريبا، ورصدت إسرائيل تحركات إيرانية سورية ولـ”حزب الله” في المنطقة، واغتالت طائراتها عميد الأسرى الشهيد سمير القنطار، مثلما اغتالت أيضا الشهيد جهاد مغنية إلى جانب بعض القادة العسكريين الإيرانيين الذين كانوا يخططون جميعا لفتح هذه الجبهة، وإقامة قواعد عسكرية فيها.
***
لا نستبعد وجود خطة سرية متفق عليها من قبل القوتين العظميين أمريكا وروسيا لتصفية مقاتلي جبهة “فتح الشام”، النصرة سابقا، التي تتمركز قواتها بكثافة في الجنوب السوري جنبا إلى جنب مع زملائهم في مناطق حلب وادلب وجسر الشغور، وما تبقى من ريف دمشق، فمن أهم بنود اتفاق الهدنة تشكيل قيادة مشتركة روسية أمريكية للقيام بهذه المهمة، ولعل القيادة السورية استغلت هذا الاتفاق وبنوده السرية للبدء في هجومها على الجانبين السوري المعارض المسلح، والإسرائيلي الذي يعالج بعض جرحاه في مستشفياته كنوع من الدعم المباشر.
ما يمكن قوله، أن الرئيس السوري أراد توجيه رسالة واضحة لا لبس فيها لاسرائيل، تقول مفرداتها “نحن هنا.. ما زلنا أقوياء.. ولم ننس هضبة الجولان.. والزمن تغير.. ولن نسكت أمام غاراتكم في المستقبل، والوقت المناسب للرد قد حان”.
هل نبالغ في هذا الاستنتاج والتحليل؟ ربما يعتقد البعض ذلك، ولكننا على قناعة راسخة بأننا أمام مرحلة جديدة مختلفة على الصعد كافة.. والأيام بيننا.