مع قدوم عيد الأضحى المبارك في المغرب، تسابق فئات اجتماعية الخطى لشراء أضحية العيد، بينما تستغني فئات أخرى عن ذلك، ليس لأنها تحتاج أو تفتقر لثمن الأضحية، بل لأنها تعتبر الشعيرة "أمراً ثانوياً".

وأثار هذا الأمر انتباه المندوبية السامية للتخطيط (هيئة حكومية للتوقعات والإحصاء)، حيث أشارت في دراسة جديدة حول نفقات استهلاك الأسر المغربية خلال الدخول المدرسي وعيد الأضحى، إلى أن البلاد فيها بعض الميسورين الذين لا يهتمون بأمر عيد الأضحى.

فئة ميسورة.. فلماذا لا تضحي؟

نتائج البحث الوطني حول نفقات واستهلاك الأسر، الذي أجرته المندوبية السامية للتخطيط (هيئة حكومية للتوقعات والإحصاء) بين يوليو/تموز 2013 ويونيو/حزيران 2014، كشفت عن وجود فئة مغربية لا تقوم بأداء شعائر عيد الأضحى، "وصلت نسبتها إلى 4.7٪ خلال 2013/2014، مقابل 5.2٪ خلال الفترة 2000/2001".

كما اتضح من خلال هذه المعطيات، أن "عدم ممارسة هذه الشعيرة ينتشر أكثر في الأسر الحضرية، وتلك الغنية والمتعلمة منها".

بعيداً عن لغة الأرقام، تحكي السيدة خديجة في حديث لـ"هافينغتون بوست عربي"، بأن أسرتها (هي وزوجها وولدين)، "لا تشتري أضحية العيد ولا تمارس طقوس عيد الأضحى".

وتوضح هذه السيدة المغربية، بأن "الأمر لا يتعلق بعوز أو مشكلة مالية، فزوجها ميسور الحال، ويشغل منصب مدير لإحدى الوكالات البنكية، ولكن لأنهم لا يستهلكون لحم الغنم، فيكتفون بشراء لحم البقر لاستهلاكه أيام العيد".

من جانبه، يؤكد علي، وهو شاب مغربي يشتغل مهندس صوت بإحدى الإذاعات الرسمية، "بأنه وزوجته لا يباليان بمسألة شعيرة الأضحية وشرائها بمناسبة عيد الأضحى".

يقول علي، في لقاء بـ"هافينغتون بوست عربي" "إذا لم أكن في مداومة يوم عيد الأضحى، فإني أمضي أنا وزوجتي اليوم بشكل عادي روتيني، أو قد أقصد وجهة سياحية ما لقضاء عطلة العيد".

أما السيدة نجاة، التي تملك محلاً لبيع الملابس في حي راقٍ في مدين الدار البيضاء (غرب)، فلا تختلف كثيراً عن سابقيها ممن يعتبرون شراء الأضحية أمراً ثانوياً.

تحكي السيدة المغربية، التي عاشت هي وابنتها الوحيدة في الولايات المتحدة الأميركية لمدة، أنها تقضي معها يوم العيد في أحد المنتجعات السياحية، التي تقدم لزبائنها خدمات وأنشطة متعددة، منها أطباق لحم تميزّ موائد المغاربة في عيد الأضحى.

وتضيف السيدة، بأنها ليست "الوحيدة التي تقضي يومها هناك في المنتجع، بل المكان يكون غاصاً بالأسر المغربية الميسورة الحال التي لا تؤدي شعيرة الأضحى".

لعل ّما أكدته الأرقام الرسمية، تؤكده أيضاً الملاحظة العفوية في كثير من الأحياء الميسورة في المغرب، خصوصا في الدار البيضاء والرباط، إذ لا تبدو مظاهر الاستعداد للأضحى بذلك الحماس الذي نلاحظه في الأحياء الشعبية مثل الأنشطة التجارية المؤقتة المرافقة لهذه المناسبة الدينية.

المستوى الثقافي

يرى يونس الوكيلي، الباحث في علم الاجتماع، بأن استغناء فئات معينة عن شراء أضحية العيد، "لا يرتبط في العمق بمتغير الغنى بل بمتغير التعليم والمستوى الثقافي، لأنه المحدد الأساسي إزاء الاحتفال بشعيرة الأضحى، ولذلك نجد أيضاً كثيراً من فئات الطبقات الوسطى والعليا لا يحتفلون بالعيد، ويفضلون في هذا الوقت السفر خارج المغرب، تحرراً من الضغط الاجتماعي، أو من حالات قضاء العيد مع العائلة الكبيرة".

ويفسر الباحث في علم الاجتماع هذا التحول، في حديث لـ"هافينغتون بوست عربي"، "في تراجع ترتيب شعيرة الأضحى في سُلّم الممارسات الاجتماعية عند بعض الفئات الغنية من جهة والمتعلمة تعليماً نوعياً من جهة أخرى. فهم يدركون أن هذا الطقس ثانوي في الإسلام (سنة دينية وليس فرضاً) والإيمان به لا يتطلب بالضرورة كل تلك المظاهر الاجتماعية المصاحبة، حسب قوله.

وأضاف "فهنا نلمس موقفاً "عقلانياً" من هذه الشعيرة متحرراً من الضغط الاجتماعي الذي يمارسه في العادة الإسلام المغربي العادي".

ويضيف يونس الوكيلي، بأن "المجتمع المغربي حالياً، يعرف انتشار مجموعة من القيم الجديدة، طابعها الأساسي مزيد من التعقلن إزاء الأفكار والممارسات والطقوس".