عندما سئل المرشح المستقل للرئاسة الأمريكية غاري جونسون، من قبل مقدمي برنامج اخباري صباح يوم (الخميس 8 شتنبر)، عما سيفعل إذا ما فاز في الانتخابات بشأن مدينة حلب، أجاب بسؤال “ما هي حلب هذه”، ولا نعتقد أن الكثير من المسؤولين الأمريكيين في الإدارة الحالية يملكون إجابة أفضل، وأكثر تحديدا ووضوحا، بما في ذلك جون كيري وزير الخارجية والطاقم المساعد له.
نلجأ الى هذه المقدمة بمناسبة انهيار التوقعات بقرب التوصل الى اتفاق بين القوتين العظميين، امريكا وروسيا حول سورية، اثناء لقاء القمة بين الرئيسين باراك اوباما وفلاديمير بوتين، على هامش اجتماع زعماء الدول العشرين في مدينة هانغتشو الصينية قبل بضعة ايام، وتعثر عقد اللقاء المقرر بين وزيري خارجيتهما الذي كان مقررا الخميس والجمعة الحاليين في جنيف، والاكتفاء بإتصال هاتفي بينهما.
المعلومات المتواردة من كواليس قمة الدول العشرين، كانت تؤكد ان الاتفاق بين بوتين واوباما حول سورية كان مؤكدا، حتى ان الاستعدادات لعقد مؤتمر صحافي مشترك لكل من جون كيري وسيرغي لافروف اكتملت لاعلانه، ونضيف معلومة اخرى تؤكد ما قلناه سابقا، وهي ان مايكل راتني المبعوث الامريكي الى سورية بعث برسالة الى المعارضة السورية من اربع صفحات يوم الثاني من شهر ايلول (سبتبمر) الحالي يبلغها فيها بأهم بنود الاتفاق، وهي هدنة دائمة يتوقف فيها اطلاق النار، والقصف الجوي السوري والروسي، وايصال المساعدات الانسانية، والبدء في العملية السياسية فورا، وهذا ما يفسر عقد اجتماع للنواة الصلبة لمنظومة اصدقاء سورية في لندن، واعداد المعارضة السورية خطة من ثلاث مراحل للتسوية السياسية.
***
ثلاثة عوامل رئيسية ادت الى انهيار هذا الاتفاق في رأينا، ودفعت روسيا للتراجع عنه في صيغته النهائية، ومطالبها بتعديلات لبعض البنود المتعلقة بوقف اطلاق النار:
الاول: التقدم الكبير الذي حققته قوات الجيش العربي السوري في جبهة جنوب غرب حلب، واستعادتها لمنطقة الكليات العسكرية، والراموسة، واعادة احكام حصارها على حلب الشرقية.
الثاني: الصفقة التي عقدها التحالف الروسي الايراني السوري مع تركيا في الغرف المغلقة، ويقضي بتراجع الدعم التركي لقوات المعارضة في حلب، ووقف الامدادات العسكرية لها مقابل السماح لها، اي تركيا، في المقابل بالتقدم نحو مدينتي جرابلس والباب، وانهاء الوجود العسكري لقوات سورية الديمقراطية ذات الغالبية الكردية في المدينتين، والشريط الحدودي على طول الحدود التركية السورية في الشمال الغربي.
الثالث: حدوث انقسام في صفوف المعارضة السورية، وانسحاب بعضها المفاجيء من جبهة حلب، وترك الفصائل السلفية “القاعدية” مثل احرار الشام، وفتح الشام (النصرة سابقا) تقاتل لوحدها، وانضمام هذه الفصائل الى القوات التركية المتقدمة نحو جرابلس والباب، وتشير اصابع الاتهام بالخذلان التي وجهها الشيخ عبد الله المحيسني، مفتي احرار الشام الشرعي الى الجيش الحر، وحركة نور الدين زنكي، ولواء السلطان مراد، ولواء الصقور، ولواء الحق، ولواء الحرية، والقائمة تطول.
الاتصالات بين الجانبين الروسي والامريكي ما زالت مستمرة، والخلافات ما زالت على حالها ايضا، حيث يتهم الجانب الروسي نظيره الامريكي بعدم الالتزام بإتفاق سابق بالفصل بين المعارضة المعتدلة عن نظيرتها المتشددة.
لا نستبعد ان تكون التصريحات التي ادلى بها السيد رياض حجاب المنسق العام للهيئة العليا للمعارضة السورية (كتلة الرياض)، اثناء شرحه للمراحل الثلاث للخطة التي تقدم فيها الى مؤتمر اصدقاء سورية الذي انعقد في لندن، وقال فيها انه لن يقبل بوجود الرئيس بشار الاسد يوما واحدا، ولا دقيقة واحدة، في المرحلة الانتقالية قد لعبت دورا رئيسيا في انهيار اتفاق الهدنة الامريكي الروسي.
السيد حجاب ذهب الى ما هو ابعد من ذلك، عندما قال انه لن يقبل ببقاء الرئيس الاسد واعوانه في سورية، لتجنب تكرار تجربة الرئيس علي عبد الله صالح في اليمن، فبقاء الاخير لم يؤد الى تهدئة الاوضاع بل زادها اضطرابا، ولكنه شدد ايضا، اي السيد حجاب، على ضرورة الاستفادة من تجربة العراق بعد الاحتلال واخطائها، مثل حل الجيش العراقي والاجهزة الامنية ومؤسسات الدولة.
***
يتساءل المراقبون عن القوة التي يستند اليها السيد حجاب عندما يدلي بمثل هذه التصريحات المتشددة حول ضرورة رحيل الاسد، في الوقت الذي تجنب التطرق اليها، وتكرارها، السيد عادل الجبير وزير الخارجية السعودي الذي شارك في اجتماع لندن، وطالب والوزراء الخليجيين المشاركين الآخرين المعارضة السورية بالتحلي بالموضوعية والواقعية في مطالبها، فهو صاحب حقوق النشر لهذه العبارة.
الوفد الرسمي السوري لا نعتقد انه يقبل المشاركة في عملية سياسية مع وفد السيد حجاب المعارض المطالب برحيل رئيسه قبل بدء المرحلة الانتقالية، اي ان يظل هذا الرئيس في السلطة لستة اشهر فقط، والادهى من ذلك ان ينخرط وفده في مفاوضات لرحيله ومن يقول بغير ذلك لا يعرف النظام السوري، وآليات عمله، حتى لو كان في مقام السيد حجاب، الذي عمل وزيرا ورئيسا للوزراء في حكومته قبل انشقاقه.
المتحدث باسم الخارجية السورية سخر بشدة من بوريس جونسون وزير الخارجية البريطاني الذي طالب بالشيء نفسه في مقالة نشرها في صحيفة “التايمز″، اي رحيل الاسد، عندما اكد ان السيد جونسون ليس له علاقة بالواقع ومنفصل عنه تماما.
المتحدث السوري محق تماما في سخريته، فقد علمت من وزير عربي كبير التقى المستر جونسون قبل بضعة اسابيع، ان الاخير يحتاج الى دروس مكثفة ليعرف ابسط تطورات الامور الدولية، ناهيك عن قضايا الشرق الاوسط المعقدة، وعلى رأسها الازمة السورية.
اجتماع “النواة الصلبة” لمنظومة اصدقاء سورية الذي رأسه الوزير جونسون في لندن قبل يومين، لم يكن صلبا على الاطلاق، ويؤشر غياب عدة وزراء خارجية ابرزهم كيري عنه، علاوة على وزير خارجية الاردن، ليس الى انهيار مجموعة اصدقاء سورية فقط، وانما نواتها الصلبة ايضا.
الارجح ان السيد حجاب سيرحل من منصبه كقائد للمعارضة قبل رحيل الرئيس الاسد بأشهر، وربما سنوات، مثلما قال لي احد المعارضين السوريين الكبار الذي لا يكن ودا للاثنين، ويتمنى رحيلهما معا.