منذ أسبوعين وحكومة الوفاق الوطني الليبية، والمتحدثون بإسمها، يؤكدون أن القوات التابعة لهم حسمت معركة مدينة سرت الليبية، المعقل الرئيسي لتنظيم “الدولة الاسلامية”، وأنها بصدد تعيين حاكم عسكري لإدارتها.
يوم الاربعاء (7 شتنبر)، أكد العميد محمد الغصري الناطق بإسم عمليات “البنيان المرصوص” الموالية لحكومة الوفاق، أن قواته دكت معاقل وتمركزات مقاتلي تنظيم “الدولة” المتحصنين فوق أسطح العمارات السكنية، وأجزاء من مباني الجيزة البحرية وسط المدينة، ومبنى صندوق التضامن الاجتماعي، ومبنى صندوق التقاعد بالمدفعية والهاونات.
ما نريد قوله أن معركة سرت تعتبر من أكثر المعارك تعقيدا في ليبيا لأن تنظيم “الدولة” متمرس فيها أولا، ولأن القوات الامريكية والبريطانية والفرنسية الخاصة التي تشارك في عملية اقتحام المدينة لا تريد تكبد خسائر بشرية في صفوفها، ولان هناك مقاومة شرسة في العديد من أحيائها الضيقة.
المشكلة الأكبر بالنسبة إلى حكومة الوفاق التي يتزعمها السيد فايز السراج، وتحظى بدعم الغرب، لم تحظ بدعم الأغلبية في غرب ليبيا، ولم تفز بالثقة من قبل البرلمان المنتخب في طبرق شرق البلاد، وكل يوم تتأخر في حسم معركة سرت يأتي على حساب شعبيتها في اوساط الليبيين، وهي ما زالت محدودة على أي حال.
تنظيم “الدولة الإسلامية” في ليبيا يتكون في معظمه من أبناء القبائل الليبية التي جرى تهميشها، منذ تدخل حلف الناتو عسكريا قبل خمس سنوات لإطاحة نظام العقيد معمر القذافي، وهي قبائل عريقة وقوية مثل الورفلة والمقارحة، وبني وليد، ورشفانة والترهونة، علاوة على بعض المتطوعين من دول “المغرب الإسلامي”، وخاصة تونس، ولذلك فإن هزيمة هذا التنظيم في مدينة سرت التي تتمتع بمكانة رمزية لهذه القبائل باعتبارها كانت موالية في معظمها للنظام السابق ستكون عملية صعبة.
وحتى لو افترضنا أن قوات عمليات “البنيان المرصوص” نجحت في الاستيلاء على مدينة سرت بمساعدة الغطاء الجوي الأمريكي والقوت الخاصة على الأرض، وهذا أمر غير مستبعد، فإن تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي يستمد قوته من القبائل المذكورة، وسيتجه إلى الجنوب الليبي ومنطقة الساحل الإفريقي حيث الملاذات الآمنة وآلاف الاطنان من الاسلحة الحديثة التي تركها النظام السابق في مخازنه وقواعده العسكرية.
الفوضى الدموية التي تعيشها ليبيا حاليا تبدو بلا نهاية وشيكة، حتى بعد تدخل الدول الغربية برا وبحرا وجوا، الأمر الذي يصب في مصلحة “الدولة الإسلامية” والحاضنة الشعبية الداعمة لها، نتيجة أخطاء الدول الغربية وسوء تقديرها للواقع على الأرض، والخريطة القبلية الليبية، وتصديق أقوال بعض المعارضين الليبيين التي لم تزد عن كونها تمنيات.