صدر بالجريدة الرسمية في عددها 5993 بتاريخ 15 غشت 2016 الظهير رقم 104-1.16، بتنفيذ القانون 15-73، القاضي بتغيير وتتميم بعض أحكام مجموعة القانون الجنائي، منها المادة 5/267، المعنونة بإهانة علم المملكة، ورموزها والإساءة لثوابتها.
ونظرا لما ستثيره المادة موضوع التعديل الجديد من نقاش بين الحقوقيين وفقهاء القانون الجنائي، وما ستشكله من سجال محتمل، بل أكيد، داخل محارب العدالة بين المحامين والنيابة العامة، دون أن يكون قضاة المادة الجنحية بمنأى عنه في مختلف درجات المحاكم، قبل أن يصل مداه وصداه إلى محكمة النقض لمعرفة رأيها والنظر في مدى استقرارها على اجتهاد واحد توحد به تطبيق تلك المادة، أو تكرس تذبذب قرارات غرفها وتراجعها في القراءة والتأويل والتطبيق مع مرور الوقت، وتواتر القضايا، كما يحدث الآن في الكثير منها، والتي تعد واحدة من أسباب الفساد القضائي.
(نظرا لذلك) فإنني ارتأيت بداية هذا النقاش القانوني، لعله يشكل دافعا للمشرع لاستدراك الأمر بملء فراغ يتخلل المادة، أو يدفع وزارة العدل والحريات إلى إصدار منشور تفسر فيه المقصود بالإساءة وتعريفه بتحديد الركن المادي لها. مع العلم أن المنشور، في تراتبية وشرعية القوانين، لا يقوم ولا ينزل منزلة القانون، ولا يحل محله، ولا يملأ قصورها. وفي الوقت نفسه، نحرض أيضا فقهاء القانون لإبداء رأيهم في النص القانوني في سبيل إغناء النقاش.
وقد آثرت بدء التقرير عمدا بأسباب النزول السياسية، وأجلت المناقشة القانونية إلى البابين الثاني والثالث، تعميما للفائدة، لاختلاف القارئ ولوجود من لا يكترث للقانون، بقدر ما يولي أولوية في الاهتمام للتحليل السياسي.
ألف: ملخص تركيبي يجمع بين السياسة والقانون:
أولا: دواعي تجريم التحريض ضد الوحدة الترابية والدين الإسلامي والنظام الملكي
يعرِّف الدستوري القانون بكونه تعبيرا عن إرادة الأمة، نسبة للصفة التمثيلية للبرلمان، المؤهل لاقتراحها والوحيد المختص في المصادقة عليها. كما أن لكل تقنين جنائي ظروفا وأسبابا وحاجة تدعو إليه، أبرزها، ضبط سلوك وتصرفات الفرد التي تحدث اضطرابا وفوضى وعدم الأمان داخل الجماعة.
فهل هنالك خطر يهدد بإحداثي اضطراب اجتماعي في المغرب بسبب التحريض ضد الوحدة الترابية للملكة؟ أو بسب مس بالدين الإسلامي؟ أو عبر الإساءة للنظام الملكي؟ وهل رصد سلوك وتصرفات تستهدف، أو استهدفت، ذلك الثلاثي من الثوابت الدستورية، وأن هذه التصرفات يرفضها المجتمع؟ وباتت الحاجة ملحة إلى سن قواعد تجرمها وتعاقب عليها؟

قد يكون الجواب بالنفي، وذلك استنادا إلى الحق في اعتناق أفكار مخالفة، كما الحق في التعبير عنها، لا يجب وضع قيود عليه بتجريمه. ولا يستثنى من هذا الحق أحد بغض النظر عن هوية صاحبة، ولا طبيعة أفكاره، ولا يحرم منه حتى من لا يؤمن بثوابت الأمة، فكما أن الثوابت دستورية، فالحق في التعبير دستوري كذلك.

فلا تعدم هذه الثوابت حق من يطالب بتقرير المصير في إقليم الصحراء، أو من ينادي بالدولة المدنية، وفصل الدين عن الدولة، كالعلمانيين، أو من يختلف مع النظام الملكي، ويطالب بتطويره إلى ملكية برلمانية. فالوحدة، والولاء للوطن، والملك لا تصنعهما القوانين الزجرية، بل تتم التربية عليها بتحسيس المواطنين بانتمائهم، عبر ضمان مشاركتهم، واحترام حقوقهم وحرياتهم.
والحريات الفردية، بما فيها حرية المعتقدات، إيمان بحقوق تشكل وحدة لا تقبل التجزئة، يضمنها القانون الدولي، والدستور المغربي، والدين الإسلامي. فلا إكراه في الدين. والشرط قانونيا في عدم زعزعة عقيدة مسلم، ولا استفزاز مشاعرهم بالإفطار العلني في رمضان، المجرمة من ذي قبل.
كما أن التعبير الذي يتناول النظام الملكي، كنظام للحكم، لا يجب أن يكون محل منع في انتقاده، ولا قمع للنقاش حوله، ولا تحريم للخوض في أهميته، وصلاحه، وجدواه، لأنه إبداع بشري لنظام وممارسة الحكم، عرفته أمم عبر التاريخ، ولا تزال، وليس حكرا ولا خصوصية، ولا انفرادا مغربيا، ولأنه ممارسة ونتاج إنساني، فهو غير معصوم من ذلك.

وإن كانت حماية شخص الملك، وشخص ولي العهد، والأسرة الملكية كصفة وأشخاص، هي الغاية والمبتغى من مقتضيات المادة الجديدة، فهم محاطون بترسانة قانونية زجرية سارية التنفيذ تحميهم من أي قذف، أو سب، أو إساءة لحياتهم الخاصة، في المواد 168 و179 من القانون الجنائي، والتي تناولها بدورها التتميم والتعديل الحالي تشديدا للعقوبة، ورفعا للغرامة.

بيد أن الخطر الذي يجب أن يخشاه المغرب هو الإحساس المجتمعي بالتضييق على الحقوق والحريات الذي قد تحدثه وتسبب فيه نظير تلك القواعد القانونية التي تُجْمِلُ في التجريم، وتجعله جُزَافاً، ولا تُحَدِّدُ حالاته، ضدا على شرعية الجريمة والعقاب.

هذه القوانين، التي تروم قمع صوت ومعتقدات مخالفة، وتحاول وأد حق التعبير عنه بالقوانين، والمغرب في ذلك كمن يسير في طريق دولة أمنية بالقانون. فالدولة الأمنية لا تقاس بالقمع المادي فقط، بل بالقمع الذي يحدثه المنع بالقانون وبدونه، وهما مصدران للضغط الذي يولد الرفض والنفور. فحاجة المملكة إلى القانون لا تشفع لها بانتهاك الشرعية وخرق الحقوق والحريات باستعمال القانون.
باء:تقرير قانوني حول عدم دستورية المادة الجديدة:
ثانيا: "التحريض" ضد الوحدة الترابية للمملكة: جريمة مشاركة أم جريمة أصلية مستقلة؟

جعلت المادة من التحريض ضد الوحدة الترابية للملكة جريمة يعاقب عليها، إلا أن كلمة التحريض ستثير إشكالات قانونية عديدة، لأن السلوك والتصرف المجرم بمقتضى تعابيرها وألفاظها هو فعل التحريض، والتصرف الذي ينصرف ويتجه إلى حمل وتوجيه شخص أو أشخاص آخرين على القيام بفعل أو على الامتناع عن فعل، ويكون الهدف منهما هو المس بوحدة المملكة.
ويوازي "التحريض" في التعريف والتكييف القانوني، بمقتضى قانون العقوبات المغربي، الوارد في الفقرة الأولى من المادة 129، بجريمة المشاركة في الجنحة أو الجناية حسب الأحوال.

ويظهر من النص أن الفعل الأصلي الموجه مباشرة للمس بالوحدة الترابية للملكة بدافع التحريض غير محدد، وغير مجرم. مع العلم أن القانون الجنائي المغربي تناول بالتجريم أفعالا تمس بالأمن الخارجي للمملكة، ومنها المس بالوحدة الترابية في باب آخر، وهو الخاص بالجنايات والجنح ضد أمن الدولة الداخلي والخارجي المواد من 181 إلى 200، وخاصة المادة 181 الفقرة 2، والمادة 182/ف2، والمادة 190، والمادة 191.
بيد أن التحريض، والأفعال المشار إليها في ذلك الباب، عبارة عن جنايات، تفوق عقوبتها خمس سنوات، وتصل الإعدام في بعض الحالات، وميز فيها القانون بين تلك التي ترتكب وقت الحرب، أو وقت السلم. بينما المادة الجديدة، مجرد جنحة، لا تتجاوز عقوبتها، حتى مع ظرف التشديد الوارد في فقرتها الثانية، خمس سنوات حبسا، وغرامة 500.000 درهما.

هذا الاختلاف في العقوبة يشكل في حد ذاته مصدر الملاحظة الأولى، لأن القانون الجنائي المغربي حدد من ذي قبل، بشكل عام، العقاب على المشاركة في المادة 130 منه، بعقوبة الجناية أو الجنحة المشارك فيها. بالمقابل، واستثناء من تلك القاعدة، فإن المادة الجديدة حددت لفعل التحريض، الذي يعد بصريح المادة 129 مشاركة، عقوبة مستقلة، ومختلفة، لا تزيد عن خمس سنوات، وتجعله تبعا لذلك مجرد جنحة.

نتيجة لذلك، فإن التحريض المشار إليه في هذه المادة لا علاقة بالجنايات والجنح المتعلقة بأمن الدولة الخارجي.

هذه الخلاصة في فقدان المادة للعلاقة مع باقي الحالات المجرمة، ذات علاقة بالمس بالوحدة الترابية، تحيلنا مباشرة إلى إشكالية ثانية، وهي البحث عن الفعل أو الأفعال الأصلية التي قصد الفصل الجديد تجريم التحريض عليها. وهذا السبر والتنقيب ضروريان، انسجاما مع القاعدة الجنائية التي تربط العقاب على المشاركة بسبب التحريض، وباقي صورها، يدور وجودا وعدما مع التجريم، والإدانة، والعقاب على الفعل الأصلي، ووجوده.

تبعا لهذه القاعدة الجنائية، وفي ظل غياب تحديد المشرع للفعل وأسباب التحريض عليه، وليس صور التحريض، وبعد تأكيد غياب العلاقة بين هذه المادة وباقي مواد القانون الجنائي التي حصرت حالات التحريض ضد وحدة المملكة، ستجد المادة الجديدة نفسها مجردة من سند الشرعية للمتابعة، لا العقاب.

اعتباراً لذلك الافتقار في عدم تحديد حالات وصور الفعل المجرم، فإن المادة الجديدة تسقط في تناقض مع الدستور، خاصة المادة 23 منه التي تنص على أنه "لا يجوز إلقاء القبض على شخص أو اعتقاله، أو متابعته أو إدانته، إلا في الحالات، وطبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون"، وهي تبعاً لذلك غير دستورية.

وللإشارة، فإن المشرع المغربي عزز المادة 23 من الدستور بمواد أخرى في القانون الجنائي لتعزيز احترام المادة، ولملاءمة التشريع الوطني للدولي الخاص بالشرعية الدولية وحقوق الإنسان. وهكذا فالفصل الأول منه ينص على أن التشريع الجنائي يحدد أفعال الإنسان التي يعدها جرائم، يوجب زجر مرتكبيها بعقوبات، أو تدابير وقائية. والفصل الثاني يحرم مؤاخذة أحد على فعل، أو امتناع، لا يعد جريمة بصريح القانون، ولا معاقبته بعقوبات لم يحددها القانون.

وهو ما يطلق عليه في الفقه الجنائي بشرعية الجرائم والعقوبات، لأن هذا الحصر والتحديد القبلي مناط عدم جواز اعتذار الأشخاص بجهلهم بالتشريع الجنائي للتنصل من أحكامه والمسؤولية الواردة في الفصل 2 من القانون الجنائي.

ولا شك أن هذه العلة وهذه الثغرة ستتركان المادة الجديدة، في شقها المتعلق بالتحريض ضد الوحدة الترابية للملكة، دون تحقيق للفائدة منها والغاية التي تحكمت في تقنينها زجرا بتحقيق الردع، وفي توجيه سلوك مجتمعي في اتجاه معين، لأن غياب التجريم القبلي للأفعال الأصلية، بالمس بالوحدة الترابية للملكة، يجعل المتابعة والعقاب غير جائزين قانونا.

أما إن كانت إرادة المشرع في جعل التحريض جريمة مستقلة عن تكييفه بالمشاركة، فإن ذلك يحتاج أيضا إلى تحديد

الركن المادي له، فلا جريمة بدونه. فالمادة الجديدة، في صيغتها الحالية، ستفتح المجال للمتابعات والعقاب على أفعال غير محددة، وغير منصوص عليها في القانون الجنائي، وهي بطبيعتها غير المحددة لا يطالها التجريم، وقد نلاحظ تحريك المتابعات العمومية على مجرد التعبير عن رأي، أو عمل فني، وإبداعي قد يفسر أنه ضد الوحدة الترابية للمملكة.

ثالثاً: "الإساءة" للدين الإسلامي وللنظام الملكي غير محددة وضد شرعية الجرائم والعقوبات

أما التجريم الأول في ترتيب المادة الجديدة، وهو المشار إليه بالإساءة إلى الدين الإسلامي والنظام الملكي، فيظهر من النص أن فعل "الإساءة " مفهوم ترك فضفاضا وعائما ودون تعريف ووصف، ولا تحديد دقيق لحالاته، خلافا للمادة 23 من دستور الفاتح من يوليوز 2011، المشار إليها أعلاه، وقد استلهمتها لجنة وضع الدستور من المادة 12/فقرة 2 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تنص على أنه لا يدان، ولا يعاقب شخص على فعل لم يكن في حينه معاقبا عليه بمقتضى التشريع الوطني أو الدولي. والمادة 15/الفقرة1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي رددت عبارة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نفسها.

وقد سبق للمغرب أن وقّع وصادق على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وتم نشره بالجريدة الرسمية، وأصبح قانونا داخليا يستوجب تطبيقه، طبقا لمكانة المعاهدات في الدستور المغربي، وعزز المغرب في ديباجة دستوره التزامه بقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان دون تجزيئ فيها.

وهو ما خالفته مادة التجريم الجديدة التي لم تحدد حالات الإساءة التي يطالها التجريم، لأن الأصل في تصرفات الإنسان أنها مباحة، والاستثناء هو المنع والتجريم والعقاب، لما تحدثه هذه التصرفات من اضطراب اجتماعي، وأن المتابعة والعقاب يستدعيان أن يكون الإنسان على بينة من التصرفات المحظورة لشرعية زجره عندما يرتكبها عن قصد واختيار.

وإن عدم وضع المشرع المغربي لضوابط وحدود بوصفه للأفعال المكونة للإساءة المجرمة التي يؤدي تجاوزها، أو الوقوع فيها، إلى زجر مرتكبيها، سيؤدي حتما إلى نزع التجريم عن كل الأفعال رغم ما قد تحمله من إساءة، انسجاما مع قاعدة شرعية المتابعات والعقاب.

وهي القاعدة الدستورية المشار إليها في المادة 23، والمعززة لاحترامها في المواد 1 و2 و3 من القانون الجنائي، وستشكل المادة الجديدة خطورة كبيرة وتهديدا حقيقيا للحقوق والحريات، لأن الفقه الجنائي يحرم اللجوء إلى التوسع في التفسير درء لتجريم أفعال كانت مباحة، تبعا لقاعدة لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص سابق في القانون، وهو الانتهاك الذي تؤسس له المادة الجديدة.

فقد اتجهت واجتهدت إرادة المشرع المغربي قصدا لاحتواء كل فعل يدل أو يرمز إلى الإساءة للدين الإسلامي والنظام الملكي، بتركها الإساءة دون تعريف وحصر حالاتها بدقة، كي يشمل أي شيء، ووضعه تحت طائلة العقاب. إلا أن انتقاء لفظ يستوعب كل سلوك وتصرف يمس بالوحدة الترابية، وبالدين الإسلامي، والنظام الملكي، لم يواكب بالحرص نفسه على احترام قواعد ومبادئ متأصلة حقوقيا، قانونا، وفقها، وقضاء في المادة الجنائية، منها شرعية الجريمة والعقاب، ولا العناية نفس على احترام الدستور؛ إذ ضرب صفحا عليه وعلى القانون الجنائي والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

ولئن كان اللوم يقع على الحكومة والبرلمان في التعديل الجديد، فإن الأسف الشديد ملقى على عاتق المجلس الدستوري الذي أحيلت عليه المادة قبل نشرها للنظر والتحقق من دستوريتها، دون أن يقوم بدوره في رصد هذا الإخلال الجوهري البين، وضيع على نفسه فرصة إظهار أنه الحريص الأمين على مطابقة القواعد الجديدة القانونية للدستور والحكم بعدم دستورية تلك التي تتناقض معه، كالحالية، وتعليق تنفيذها.