بعد خمس سنوات من الحرب بالإنابة، والاقتصار على تدريب وتسليح وتأسيس الفصائل السورية “العثمانية” المقاتلة، مثل حركة نور الدين زنكي، والسلطان مراد الرابع، وصقور الجبل، وفيلق الشام، ها هي تركيا ترسل 50 دبابة، واكثر من 350 جنديا الى جرابلس السورية، معلنة انضمامها رسميا إلى العديد من المتدخلين عسكريا في الأزمة السورية، والهدف الرئيسي هو الحرب على وحدات الحماية الكردية السورية، التي تعتبرها الجناح العسكري لحزب الاتحاد الكردستاني، وبدرجة أقل، القضاء على وجود “الدولة الاسلامية” وقواتها لتجنب غضب الحليف الامريكي.
التدخل العسكري التركي المباشر، الذي تأخر خمس سنوات، كان من المفترض أن يكون ضد قوات الجيش السوري، ولحماية حلفائها في حلب على سبيل المثال، ولكنه جاء لمواجهة الأكراد، واجهاض مخطط أمريكي لإقامة دولة لهم، وإقامة منطقة عازلة، ولكن بموافقة السلطات السورية والروسية معا، ومباركة إيرانية، لاعادة ترحيل مهاجرين سوريين يقيمون على الأراضي التركية (هناك من يقدر عددهم بمليوني لاجيء)، وإقامة سد بشري عربي في مواجهة التمدد الكردي، وجعل مهمة القوات “العربية” السورية الموالية لتركيا إسقاط “الدولة الكردية”، كأولوية تتقدم على إسقاط “الدولة الإسلامية” في دمشق.
أين “الثورة السورية”؟ وأين الأهداف “المعلنة” التي انطلقت لتحقيقها، خاصة تحقيق العدالة الاجتماعية، وإقامة نظام ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان، ويقضي على الفساد والفاسدين؟
***
هذه أسئلة ممنوع طرحها هذه الأيام، فالاولويات تغيرت، وخريطة التحالفات تتغير أيضا، وفقا لمصالح الأطراف المتواجدة على الأرض، أو في السماء، وأعداء المساء يمكن أن يتحولوا إلى أصدقاء الصباح، إنها “سورية الجديدة”.
الصدام العسكري التركي الكردي ينتقل الآن إلى الأرض السورية، مدعوما هذه المرة بقوات عربية، والسيد صالح مسلم، قائد حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، أكد أن تركيا ستغرق في المستنقع السوري، وستحاربها قواته كقوة “احتلال”، رافضا دعوات حلفائه الأمريكان بالانسحاب من مدينة منبج وغيرها من البلدات السورية إلى شرق الفرات، حتى لو ادى هذا الموقف إلى خسارة الدعم الأمريكي.
السلطات السورية في دمشق تلتزم الصمت، وتكتفي بإدانة “روتينية” لعملية “درع الفرات” التركية، التي اعتبرتها انتهاكا للسيادة السورية، ولسان حالها يقول (فخار يكسر بعضه)، ولكن هناك من يؤكد أن هذا “الدرع″ التركي جاء ثمرة اتفاق تركي سوري، بوساطة إيرانية، ومباركة روسية.
بات من الصعب علينا، وعلى الكثيرين مثلنا، معرفة من يقاتل من على الأراضي السورية، والهدف المعلن لكل هذه التدخلات والحشودات والحروب هو اجتثاث “الدولة الإسلامية”، العدو المشترك لجميع القوى المتضادة، إقليمة كانت أو دولية.
هناك أربعة أسئلة رئيسية تفرض نفسها بقوة في ظل هذا الزحام:
الأول: تنظيم “الدولة الإسلامية” يمنى بخسائر على الأرض، ويفقد السيطرة على مدن سورية وعراقية، وهناك مؤشرات حول خسارة المزيد منها مستقبلا، مثل الموصل والرقة، فماذا سيكون مصيره، وهل سيختفي من الخريطة، فوق الأرض على الأقل، وكيف ستكون خطورته إذا ما اختفى تحتها؟
الثاني: ماذا سيحدث للأراضي والمدن التي يخسرها، في سورية والعراق، هل ستعود لسيادة السلطتين في بغداد ودمشق، أم إلى الأكراد، او الأتراك في حالة منبج وجرابلس، أو تنظيمات المعارضة الموالية إلى هذا الطرف أو ذلك؟
الثالث: ماذا سيحدث للتحالف الإقليمي والدولي القائم حاليا، ويتأسس على أرضية العداء لـ”الدولة الاسلامية”.. فهل سينفرط عقده، ويبدأ في خوض حروب ضد بعضه البعض، لفرض أجنداته والفصائل لمتحالفة معه؟
الرابع: أين النظام السوري من كل هذا وذاك، وأين العملية السياسية التي انطلقت للوصول إلى حل سياسي، وهل ستظل خريطة المتفاوضين ووفودهم على حالها، أم ستدخل إليها قوى جديدة فاعلة على الأرض، وتنقرض قوى أخرى.

***

الإجابة على هذه الأسئلة الافتراضية الأربعة هي التي ستحدد هوية الصراع الجديد على الأرض السورية فيما هو قادم من أشهر، وربما سنوات، ومن المؤسف أنه لا أحد يملك هذه الإجابات كاملة، ولذلك لا نستبعد استفحاله، واستمراره، وتغير أهدافه وأدواته.
ندرك جيدا بأن العداء للأكراد وطموحاتهم في قيام كيانهم الجديد الذي أجهض قبل مئة عام نتيجة تحالف الغرب مع مصطفى أتاتورك، هو الذي يحل حاليا مكان العداء لـ”الدولة الاسلامية”، ويغير خريطة التحالفات، بحيث بات يجمع بين المربع التركي العراقي الإيراني السوري، ولكن هل ستضحي أمريكا، وروسيا بدرحة أقل، بالحليف الكردي الذي خاض حروبها في سورية والعراق ضد الإسلام المتطرف وجماعاته؟
الأمر المؤكد أن التدخل العسكري التركي المباشر في سورية بدأ، وهو مرشح للتوسع، والصدام مع الأكراد انطلقت رصاصته الأولى، وهذا هو التطور الأبرز في الأزمة السورية، فهل وقعت حكومة الرئيس رجب طيب اردوغان في مصيدة كردية ثانية في سورية، إضافة لمصيدة حزب العمال الكردستاني في شرقها، اسوة بمصيدة السعودية في اليمن، وعراق صدام في الكويت؟
لا نملك أي أجوبة، ونستطيع أن نتكهن، مجرد التكهن، بأننا أمام الفصل الأكثر خطورة في الأزمة السورية، وأن موقع النظام في دمشق لن يكون بالسوء الذي كان عليه طوال السنوات، أو الأشهر الماضية، واستعادته مدينة داريا الاستراتيجية اليوم، ودخول قواتها إليها، يعتبر مؤشرا مهما في هذا المضمار، والله أعلم.