لم يفاجئنا الخبر الذي نشرته صحيفة “الشرق الأوسط” يوم (الخميس) الذي أكد فيه السيد إسماعيل حقي تاكين، الجنرال والدبلوماسي التركي السابق، ونائب رئيس حزب “الوطن”، أنه قام بخمس زيارات إلى دمشق التقى خلالها كبار المسؤولين السوريين وفي مقدمتهم الرئيس بشار الأسد، في اطار جهود يبذلها من أجل التقريب بين البلدين الجارين.
الجنرال السابق تاكين معروف جيدا للقيادة وأجهزة المخابرات السورية، فهو الذي تفاوض معها أثناء أزمة سابقة بين تركيا وسورية على خلفية هجمات حزب العمال الكردستاني، ونجح في هندسة اتفاق أضنة عام 1998، الذي أدى إلى إبعاد عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني إلى نيروبي، حيث تم إعتقاله وتسليمه إلى أنقرة، ويوصف أي الجنرل تاكين، بأنه رجل المهمات السرية الصعبة.
المفاوضات السرية بين تركيا وسورية لم تتوقف منذ أيار (مايو) الماضي، وبالتحديد منذ إقالة السيد أحمد داوود اوغلو، رئيس الوزراء ورئيس حزب العدالة والتنمية، وتعيين بن علي يلدريم مكانه في المنصبين، حيث قرر الرئيس رجب طيب أردوغان مراجعة سياساته في الملف السوري، والاعتذار لروسيا، وفتح حوارا مع دمشق عبر البوابة الإيرانية.
مصدر تركي وثيق أكد لنا حدوث لقاءات سرية مباشرة بين اللواء علي المملوك، المسؤول الأمني الأعلى في دمشق، ونظيره التركي هاكان فيدان في طهران والجزائر، وأن ضباط مخابرات من الجانبين التقيا في كل من دمشق وأنقرة عدة مرات.
***
السيد بن علي يلدريم أكد في اليوم الأول لتوليه منصبه أنه سيعمل على تقليص الخلافات مع الجيران إلى الحدود الدنيا، ووصف الحرب في سورية بالعبثية، بينما أكد رئيسه أردوغان بأن الخلافات مع الجيران (في إشارة إلى سورية) باتت خلف ظهرنا.
أخطر ما قاله الجنرال تاكين لصحيفة “الشرق الاوسط” أنه يتوقع “أن يستعيد النظام السوري مدينة حلب”، و”أن الجيش العربي السوري سيدخلها بمساعدة روسيا”، وأعرب عن إعتقاده أن العلاقات السورية التركية ستعود إلى طبيعتها في وقت قريب.
الرئيس أردوغان أدرك أنه كان ضحية مؤامرة عربية أمريكية ورطته في حرب في سورية، ومواجهة مع روسيا، أي أكبر حليفين إقليميين لتركيا، مثلما أدرك أن سقوط النظام في دمشق ليس وشيكا، وأن بلاده تواجه خطر التفكك جغرافيا وديمغرافيا، وستواجه تفجيرات إرهابية تهز أمنها واستقرارها، وتعصف بنموها الإقتصادي، وقرر، وهو السياسي المحترف، أن يقود إنقلابا في سياسات بلاده، ويتصالح مع روسيا وسورية، ويعزز علاقاته مع إيران، وحتى يبرر هذا الانقلاب، كان أحمد داوود اوغلو هو كبش الفداء.
حلفاء أردوغان السابقين من العرب والأمريكان كانوا يعملون حتما بنواياه هذه، وإذا لم يكونوا خلف الانقلاب منتصف تموز (يوليو) الماضي، وهناك نظريات تؤكد ذلك، فإنهم اصيبوا بالاحباط نتيجة فشله، وهذا ما يفسر حالة “الفتور” التي تسود العلاقات التركية السعودية في الوقت الراهن، ونهاية شهر العسل بين الطرفين الذي لم يدم أكثر من عام فقط.
دخول القوات التركية إلى مدينة جرابلس الحدودية كان أول تطبيق عملي للتفاهمات السرية التركية السورية، وقد يكون المقابل ليس إغلاق الحدود التركية السورية في وجه المعارضة الإسلامية المتشددة، وقطع كل شرايين إمدادها، وإنما أيضا دخول الجيش السوري مدينة حلب.
وربما يجادل البعض بأن أكثر من 1200 من قوات تابعة للجيش السوري الحر دخلت الى المدينة بصحبة القوات التركية، بعد تدريبها في غازي عنتاب، وهذا صحيح، ولكن هذه القوات تتبع في الأساس لفصائل أسستها تركيا ومولتها، مثل حركة نور الدين زنكي، وفرقة السلطان مراد، وهي تأتمر بأوامر انقرة، وتدين لها بالولاء في كل الأحوال.
جون كيري وزير الخارجية الأمريكي سيلتقي نظيره الروسي سيرغي لافروف في جنيف الجمعة لبحث تطورات وتبادل المعلومات الاستخبارية، حول الأوضاع في سورية، والتعرف عما إذا كانت الظروف قد نضجت لاستئناف المفاوضات بين المعارضة والسلطات السورية، وهي بالفعل على وشك النضوج.
***
المصالح المشتركة السورية التركية الإيرانية في إجهاض النزعات الكردية الانفصالية، كانت “كلمة السر” التي جمعت الاطراف الثلاثة بعد خصام وحرب بالانابة، فشل أي من الأطراف في حسمها لصالحه، واستنزفت الجمع، استمرت خمس سنوات، والرعب الروسي الأمريكي من خطر الجماعات الإسلامية “الجهادية” المتشددة في سورية والعراق خلق الأرضية الملائمة لدعم أي تقارب بينهما، وخاصة بين سوريا وتركيا، وليس من قبيل الصدفة أن يتراجع الاهتمام الاقليمي والدولي بالمعارضة السورية وبسرعة هذه الأيام.
الرئيس أردوغان طبّع العلاقات بالكامل مع إسرائيل، وأسقط شرط رفع الحصار عن قطاع غزة، واضعا مصالح بلاده فوق كل الاعتبارات الأخرى، ولن يكون مستبعدا أن يفعل الشيء نفسه، وللغرض نفسه، مع المعارضة السورية.
أحدث صيغ الحل السياسي في سورية التي تتبلور حاليا هي حكومة سورية موسعة، تتمثل فيها المعارضة “المعتدلة” ببعض الحقائب غير السيادية، تقسم الولاء أمام الرئيس بشار الأسد، معلنه بدء تنفيذ مرحلة انتقالية قد تطول، وربما تتحول إلى مرحلة دائمة، وهذا ما يفسر تصريحات الرئيس اردوغان الأخيرة التي أعلن فيها قبوله بالرئيس الأسد في الفترة الانتقالية، والله اعلم.