بداية وجب التوضيح لمن يشك في صدق الراوية الأمنية، أنها صادقة أو على الأقل تتضمن قسطا كبيرا من الصدق، ليس لأن رجال "الأمن" أنبياء، بالعكس، فبينهم صالح وطالح كما هو حال جميع القطاعات المهنية الأخرى، بدون اسثتناء، لكن براءة محضر "البوليس" في بيان المكتب التنفيذي لحركة "التوحيد والإصلاح" الذي نفى قياديوه علمهم بزواج  المتورطين، وبالتالي فلا مجال للحديث عن زواج ولو كان عرفيا مادام  أهم ركن في الزواج وهو الإشهار، منعدم في هذه الواقعة؟

بعض المتتبعين اعتبروا القضية شخصية وتهم أسرتين، فيما اعتبرت القيادية بحزب العدالة والتنمية، أمينة ماء العينين" النهش في الأعراض و ترصد الهفوات ليس من الأخلاق في شيء".

حقوقيا، نتفق مع السيدة ماء العينين وكل الحداثيين الذين دافعوا  عن حق السيدين  النجار وبنحماد في حرياتهما الفردية، ونرفض أي مساس بعرضهما أو التشهير بهما أو حتى كتابة خبر عن الواقعة، طيب أين المشكلة؟

المشكلة الأولى ترتبط بالدستور والقانون، فما أقدم عليه المعنيان يتعارض مع بعض المقتضيات الدستورية والقانونية، ورب قائل يقول: الجنس ضرورة بيولوجية أقو ى من أي وثيقة، ولا تخضع لأي سلطان، هنا الإعتراض وجيه بدليل سماح الله للانسان بممارسة الجنس مع أربع نساء، بل "وما ملكت أيمانكم" في إطار الزواج طبعا؛ الذي هو ليس في متناول الجميع، وبدليل أقوى من الأول أن وُعَّاظ وفقهاء ورجال دين يمارسون هذا الجنس خارج الزواج منذ قديم الزمن.

المشكلة الأهم، والتي وإن كنا ندري سبب حجبها من  طرف ماء العينين والريسوني وعدد من إخوانهما، لكون ما أقدم عليه المعنيان يمس مصداقية المشروع  السياسي لجماعة بنكيران، لهذا يسعى المعنيون للتهوين من الفضيحة، فإننا لا ندري سبب حجبها من طرف بعض الحداثيين، وهو أن الأمر هنا لا يتعلق بمواطنين عاديين لا علاقة لهما بتدبير  الشأن العام ومجال الوعظ والإرشاد؛ حتى نتوقف فقط عند المجال الحقوقي، فلو كان الأمر كذلك لم استحق المتهمان الالتفات إليهما ونشر خبر عنهما، لكن المشكلة أن الأمر يتعلق بقياديين في حركة؛ تُصدر لحزب سياسي قيادات لتدبير الشؤون العامة للمغاربة، قياديين يرى فيهما كثير من المغاربة قدوة لهم في سلوكاتهم ومواقفهم، هنا تصبح القضية  أكثر من شخصية وتهم فقط أسرتين، بل تهم كل المغاربة. وربما أكثر مما تهمهم قضية تجزئة خدام الدولة. كيف ذلك؟

ماذا وقع في تجزئة خدام الدولة؟ قيل في حق المستفيدين منها ما لم يقله مالك في الخمر. وماذا كانت النتيجة؟ لا شيئ، ويستمر النهب لحد كتابة هذه الأسطر. لماذا؟ ببساطة شديدة لأن القضية لم تجد من يدافع عنها عدا تصريحات لحقوقيين ومثقفين وبرلمانيين وتدوينات لنشطاء في الفايسبوك، فلو كانت هناك حركة اجتماعية منظمة سياسيا داخل البرلمان والنقابات، لكان خدام المخزن اليوم يعضون على النواجد. لكن لماذا لم تتشكل هذه الحركة الإجتماعية؟ أو بسؤال أدق: من حال دون تشكيلها؟

هناك أكثر من قضية، نكتفي بإثارة واحدة هي الأشهر. فعندما كان "الإتحاد الوطني لطلبة المغرب"  يدافع عن الحقوق المادية والمعنوية للطلبة، ظهر خطاب آخر داخل الجامعة يُعطي أوليوية للأخلاق، ويقول للطلبة نحن لا نريد أن نوفر لكم الحافلات والمطاعم والمنح بقدر أننا  نريد أن نضمن لكم "الجنة" فكانت المعارك "الدونكيشوطية" التي تعرفونها جميعا، حتى أصبح هذا الإطار "بيته" أهون من "بيت عنكبوت"، وهكذا فقد الشعب المغربي واحدا من إطاراته، الذي كان يشكل مدخلا أساسيا لتعديل موازين القوى، فباسم الأخلاق والعفة فُتت نقابة عتيدة، كانت مدرسة في النضال والممانعة "وتطعيم" الشارع السياسي بالمناضلين.

واليوم حين جاءت الفضيحة ليعرف المغاربة معدنهم الحقيقي للالتفات للمشروع الحداثي، وللتدليل على أسباب تفتت النقابات وإضعاف الحركة الاحتجاجية وانتصار المخزن... خرج بعض "الحداثيين" للدفاع عنهم أو بالأحرى للحصول على صك غفران منهم في انبطاح منقطع النظير باسم الحريات الفردية والحياة الخاصة، مركزين على جانب حقوقي، وهم محقين فيه طبعا، لكن متسترين على جانب سياسي هو أصل المشكلة.

إن الحداثيين الذين يدافعون اليوم عن النجار وبنحماد إنما يتناقضون مع أنفسهم ويُفَوِّتون  فرصة ذهبية لفضح النفاق الإجتماعي، كما يقدمون فرصة أخرى للنفاق كي يستمر في الحياة المغربية، وبالنتيجة يمددون عمر المشروع الأصولي الراغب في استغلال الدين في السياسة!

واجب الحداثي اليوم، ليس فقط النضال حقوقيا لفائدة الأفراد، بل الأهم أن يفضح النفاق وازدواجية الخطاب لا أن يحاول البحث عن تبرير لموقعه الفكري أو لأفعال أتى عليها و هاجمها الأصوليون في وقت سابق.

واجب الحداثي اليوم هو الدفاع عن محاكمة عادلة للمعنيين والدفاع عن شخصيهما ضد أي كلام نابي أو سب أو أي مس بكرامتهما.

واجب الحداثيين اليوم أن يشرحوا للمغاربة ومعهم الأصوليين الفرق بين الإنسان كما هو فوق الإرض دون "ماكياج" كحصيلة تراكمات تاريخية طويلة من العقد،  وبين الرسالة أو  الإنسان الأمل كما يُرجى أن يكون.

القضية، أيها السادة، ليست قضية حقوق وحريات فردية، القضية قضية مبدأ ونفاق اجتماعي خطير وصراع سياسي بين مشروعين متناقضين، صراع لا مكان فيه للعاطفة واللعب على الحبلين... القضية قضية ظاهر لا علاقة له بالباطن،  فليُوضح السيدان المتورطان موقفهما من الخلوة ويدافعان عن حرياتهما الفردية وسنكون  أول المدافعين عنهما...أما أن يلبسا ثوب الدين ويستميلا الجماهير إليهما لضرب ونسف المشروع الحداثي وعرقلة حركة التاريخ.. فسيكون من الانبطاح والخزي الدفاع عنهما، حقوقيا، باسم الحريات الفردية والتستر عليهما، سياسيا، بصفتهما كنصابين سياسيين  على الله والشعب باسم الورع والأخلاق.