عطوان: انطلاق القاذفات الروسية من قاعدة همدان الإيرانية رسالة قوية للسعودية التي تغيرت أولوياتها وانهار مثلث تحالفها

51
طباعة
انطلاق طائرات يو 22 الروسية العملاقة من قاعدة همدان الايرانية للمرة الاولى منذ سبعين عاما، يشكل تطورا سياسيا اكثر ما هو تكتيك عسكري، ويفتح صفحة جديدة في التحالف الاستراتيجي الروسي الايراني، الذي بدأ يتعزز في المنطقة على حساب الولايات المتحدة وحلفائها العرب.
ايران حرصت طوال العقود الماضية على عدم السماح لاي قوى، عظمى او صغرى، باستخدام اراضيها كنقطة انطلاق لضربات عسكرية، ولكنها تخلت عن هذه المعادلة، وسمحت للقاذفات الروسية العملاقة بتسجيل هذه السابقة، مدفوعة بعدة اسباب يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
اولا: التأكيد على ان التحالف الروسي الايراني استراتيجي، وفي اطار مخططات اقليمية ودولية مشتركة، جرى الاتفاق عليها بين الطرفين.
ثانيا: حرص ايران على توجيه رسائل عديدة الى اطراف عربية ودولية، ابرزها التشديد على انها مستعدة ان تكسر كل المحرمات من اجل الحيلولة دون سقوط حليفها بشار الاسد، بما في ذلك السماح لدولة عظمى مثل روسيا باستخدام قواعدها العسكرية.
ثالثا: التقدم الكبير الذي حققته الفصائل السورية المسلحة المدعومة من السعودية وقطر ودول غربية في منطقة حلب، بما في ذلك كسر الحصار عن الاحياء الشرقية منها، اصاب ايران بصدمة كبرى، ودفعها الى التجاوب مع كل الطلبات الروسية.
رابعا: رغبة ايران في الانتهاء بسرعة من ملف مدينة حلب، وحسم الوضع عسكريا فيها لصالح الجيش السوري، حتى تتفرغ للحرب في اليمن، ومواجهة خصمها السعودي بعد انهيار مفاوضات السلام في الكويت، وتكثيف طائرات “عاصفة الحزم” لغاراتها ضد الاهداف الحوثية الصالحية، وتقدم قوات التحالف السعودي نحو صنعاء.
***
صحيح ان استخدام القاذفات الروسية العملاقة قاعدة همدان الجوية الاكثر تجهيزا لاستقبالها من قاعدة حميميم الجوية شمال سورية، يقلص مدى طيرانها بمقدار 60 بالمئة، ويوفر لها الامان من اي قصف ارضي او جوي اثناء الاقلاع والهبوط، ولكن الصحيح ايضا ان المسألة اكبر من ذلك بكثير، ولها علاقة بـ”اعلان” التحالف الاستراتيجي الايراني الروسي على حقيقته دون اي تمويه او تضليل، مما يعني ان الطرفين، الايراني والروسي، قد حسما امرهما، وقررا الانطلاق بهذا التحالف الى مرحلة ابعد.
روسيا “تتمدد” في الشرق الاوسط سياسيا وعسكريا، وتملأ الفراغ الذي نتج عن الانكماش الامريكي، وباتت شريكا في حزام امني وعسكري يبدأ من الحدود الافغانية الايرانية في الشرق، وينتهي على شواطيء البحر المتوسط في لبنان وسورية، مرورا بالعراق طبعا.
الجميع في المنطقة الشرق اوسطية بات الآن يطلب ود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ويقدم له المغريات السياسية والعسكرية والاقتصادية لكسبه الى جانبه، السعودية عرضت صفقات اسلحة ضخمة واستشمارات اضخم، وتركيا اردوغان، اعتذرت رسميا، وباللغة الروسية، منعا لاي لبس او تأويل، وايران فتحت قواعدها العسكرية التي ظلت مغلقة لاكثر من سبعين عاما، والامارات تمول صفقات اسلحة روسية لحليفها المصري الذي بات يدير ظهره تدريجيا للغرب، وحتى المعارضة السورية لم تقطع شعرة “معاوية” مع موسكو، وتحج اليها بين الحين والآخر، وشاهدنا ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي يجتمع ببعض اعضائها في الدوحة قبل يومين.
ولعل العرض الاكبر لكسب الود الروسي جاء من السيد عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي الذي اكد ان بلاده مستعدة لاعطاء روسيا حصة اكبر في منطقة الشرق الاوسط من تلك التي كانت لدى الاتحاد السوفييتي، ولكنه عرض جاء متأخرا، ولم يثر لعاب الرئيس بوتين، ان لم يكن قد نظر اليه بسخرية، فمن يعطي من؟ وهو عرض لمن لا يملك، لمن يملك، بفرض الامر الواقع عسكريا واستراتيجيا.
التحالف الروسي السوري الايراني بات يملك اليد العليا في الملف السوري بشقيه السياسي والعسكري، وبضوء اخضر امريكي، وازداد قوة بعد الاعتذار التركي لبوتين عن اسقاط الطائرة، والانقلاب العسكري الفاشل المدعوم امريكيا للإطاحة بحكومة حزب العدالة والتنمية، وسيزداد هذا الحلف صلابة بالانقلاب الذي حدث في اولويات الحكومة السعودية.
القيادة السعودية كانت تريد حسم الوضع عسكريا بدعمها للمعارضة السورية المسلحة في حلب على وجه الخصوص، حتى تتفرغ لليمن، ولكن هذه الاستراتيجية لم تنجح، وادركت هذه القيادة حتمية وضع تأمين امنها الداخلي، وجوارها الاقليمي الجنوبي، على قمة اولوياتها، ومن المتوقع ان يتراجع موقفها السياسي والعسكري في سورية في الاشهر، وربما السنوات المقبلة.
***
معركة صنعاء باتت اهم لصانع القرار السعودي من معركة حلب، وتأمين الحدود الجنوبية السعودية في نجران وجيزان وعسير، حيث التوغلات الحوثية الصالحية، والصواريخ البالستية بات اهم من اسقاط نظام الرئيس بشار الاسد، وصمت السيد الجبير، واختفاؤه هذه الايام، يؤكد هذه الحقيقة.
انطلاق الطائرات الروسية العملاقة من قاعدة همدان الايرانية رسالة قوية جدا الى السعودية ودول الخليج، تقول مفرداتها ان قواعد اللعبة تتغير بسرعة، وان اليمن بات على قمة الاجندة بعد سورية.
هل ستستوعب القيادة السعودية هذه الرسالة وتفك شفرتها، وتتصرف على اساسها، وهي تدرك جيدا ما هو المطلوب منها، وتقلص خسائرها، ام انها ستتجاهلها، وتكابر مثلما كان عليه الحال في السابق؟
الاجابة ستأتي من اليمن وميادينه العسكرية، وما علينا غير الانتظار.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

3 تعليقات

  1. الهاشمي يقول

    العالم يعلم ان امريكا وعملتها في طريق الانقراض والقوى العسكرية هي لروسيا والقوة الاقتصادية والعملة للصين ،

    اسراءيل تعمل على خلق حرب على الميدان بين السعودية وايران لتصبح طاءفية اكثر مما سبق ويلتحق بها السنة والشيعة حتى تتدخل امريكا وتغرقها في الفوضى لتتخد سبة و تضرب بالنووي ،

    روسيا ضمنت المواقع السورية والتركية والايرانية بالمضايق البحرية ،

    ارى كذلك ان هناك دول من الخليج ستختفي وتصبح تابعة لايران ،بثكنات عسكرية روسية و السعودية ذاهبة للتقسيم والحرب الاهلية ،

    امريكا واوروبا ستخسر الحرب في المنطقة و ستعرف خراب وحروب وكوارث بداخل بلدانها،

    اسراءيل بعد هذه الفوضى ستدخل في حرب اقليمية وتخسر حلفاءها الامر الذي سيجبرها على استخدام النووي للبقاء و تروح فيها امم.

    هذا تحليلي لما سيقع نسبيا في المستقبل القريب بداية من نهاية السنة والله اعلم..

  2. محند يقول

    الدول العربية الاسلامية وانظمتها الديكتاتورية الاستبدادية الهمجية والدموية والطاغية اغرقت شعوب ودول المنطقة في حروب اهلية استنزافية خربت الاخضر واليابس والعمران. هذه الحروب قامت على اسس جاهلية كالطاءفية والمذهبية الدينية ومصالح الانظمة والاحزاب التابعة للمعسكرين الامبربالين تحت زعامة الولايات المتحدة الاميركية وروسيا. هذين المعسكرين يخوضان صراعات وحروبا لاجل الاسواق ونهب خيرات البلدان والشعوب. اذن متى تستفيق الانظمة وشعوب المنطقة لتقطع مع الهمجية والجاهلية وشن الحروب بالوكالة لخدمة مصالح امريكا وروسيا وخاصة مصانع وشركات الاسلحة؟

  3. الحسن المغربي يقول

    يقول عبد الباري عطوان: “إيران حرصت طوال العقود الماضية على عدم السماح لاي قوى، عظمى او صغرى، باستخدام اراضيها كنقطة انطلاق لضربات عسكرية”

    و هذه كذبة مفضوحة يا عطوان إيران سمحت لأمريكا باستخدام أراضيها و فضائها الجوي لاحتلال أفغانسان في 2001و العراق في 2003 و تدميرهما. و إيران لها عداوة دينية ما العرب و المسلمين فهي في الباطن مجوسية و في الظاهر تظهر الحماس للإسلاىم لاستجلاب تعاطف السذج و المغفلين من المسلمين.

    و إيران ستمنح أرضها و حتى عرضها الذي يسمونه بزواج المتعة لمن يحارب المسلمين بصفة عامة و العرب المسلمين بصفة خاصة و إذا كنت يا عطوان على جهل فاضح بالإسلام فالمسلمون بصفة عامة و العرب بصفة خاصة يعرفون دينهم و يعرفون كذلك أعداءهم و لو تلبسوا بالإسلام زورا ونفاقا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.