المصائب لا تأتي دائما منفردة، فقبل أن يخفت صدى وقع أراضي "خدام الدولة"، وينقشع غبار مراعي الأعلاف.. طلع علينا؛ أو الصحيح "نزلت" علينا المحكمة الابتدائية بورززات - عاصمة السينما العالمية يا حسرة- يوم 2 غشت الجاري بحكم يشكل سابقة في تاريخ القضاء المغربي، يقضي بالسجن موقوف التنفيذ على الروائي عزيز بنحدوش لمدة شهرين مع غرامة تبلغ 1000 درهم وتعويض للجهة المشتكية يبلغ 20000 درهم.

عزيز بنحدوش تهمته تتمثل في كتابة رواية "جزيرة الذكور"، ولأنها رواية فقد تضمنت أحداثا وأماكن وأشخاصا، وشكلت بعض الوقائع والأحداث من منطقة "تازناخت" مادتها الخام، صاغها الروائي في قالب أدبي، حاول من خلاله مقاربة ظاهرة لفتت نظره تتعلق ب "الأطفال الأشباح". بالطبع الأمر لا يتعلق بفيلم رعب، ولكن بظاهرة يقول بنحدوش إنها كانت سائدة بين أبناء المنطقة من المهاجرين في الخارج، حيث يتم إضافة أبناء الغير إلى دفتر الحالة المدنية للمهاجر، وذلك ليرفع من قيمة التعويضات العائلية التي كان يحصل عليها في بلاد الإقامة.. وبالطبع هذه العملية لم تكن لتتم لولا سيادة الرشوة والفساد والتلاعب في سجلات الحالة المدنية.

من أين يأتي مثل هؤلاء القضاة ليقرروا في مصير الناس وفي تجارتهم و في أرواحهم وفي أملاكهم؟
شخصان من سكان المنطقة اعتبرا نفسيهما مقصودان بشكل مباشر بنص الرواية والوقائع التي تتضمنها، واعتبرا عبر دفاعهما أن ما جاء في الرواية يعد قذفا وسبا في حقهما، وطالبا من محكمة ورززات (جنوب) متابعة كاتب الرواية بناء على ذلك، وفق ما يتضمنه قانون الصحافة المغربي.

المصيبة هي أن المحكمة عوض أن ترفض قبول الدعوة لأن أساسها كله باطل، ولأن "جزيرة الذكور" نص روائي وليس مقالا في جريدة أو موقع إلكتروني، ولأن عزيز بنحدوش روائي وليس صحافي، ولأن كل ما يتعلق بمحاسبة الروائي وتقييم عمله يعود للنقاد وحدهم، و أن القضاة لا موقع لهم في هكذا قضايا أو سجالات، فإن المحكمة، وعلى عكس كل ما ذكر، قبلت الدعوة وأخضعت عملا روائيا تخييليا، لقانون الصحافة. بل لم تكتف بكل ذلك، فاختارت أسوء الأحكام، والقاضية بالسجن على كاتب، ذنبه الوحيد أنه "اقترف" الكتابة ليس فقط في "جزيرة الذكور" كفضاء متخيل، بل في ظل وجود محاكم للتفتيش تعود بنا إلى عصور الظلمات والجهل.

عندما قررت الكنيسة محاكمة جاليليو الفيزيائي الشهير سنة 1611م، لأنه تجرأ في إثبات أن الشمس هي مركز الكون وأن الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس، قال جاليليو "ياليتني أحرقت كل ما كتبت بيدي حتى لا أشهد يوم محاكمتي هذا". لم يكتف جاليليو بذلك وهو رجل عجوز فاق السبعين عاما، وما عاد قادرا على تحمل الإذلال والعقاب من زعماء دين جاهلين ومتعصبين، بل أعلن "توبته" عن كل ما وصل إليه بحثه على مر السنين، فقال في لحظة يأس العلم أمام الخرافة: "أنا المدعو جاليليو جاليلي… أقسم إنني آمنت بكل معتقدات الكنيسة الكاثوليكية الرسولية بروما… وسأؤمن مستقبلا بكل تعاليمها وما تبشر به… وأعلن ندمي عن كل الأفكار والهرطقات التي أدليت بها مسبقا… وعن كل ما اقترفته في حق الكنيسة… وأقسم ألا أعود إلى مثل هذه الأفعال مرة أخرى… وأن أشهد أمام هذه الهيئة المقدسة ضد أي شخص يقترف فعل الهرطقة أو المساس بمعتقدات الكنيسة فور علمي بذلك". هكذا أنهى جاليليو الموضوع بكل بساطة.

هنا عزيز بنحدوش لا ينوي "التوبة" بل يستعد لإصدار عمل روائي جديد، فهل سنسمع عن تحقيق مركزي من وزارة العدل يوقف هذا النزيف وهذه الأحكام التي تثير السخرية وتضحك علينا العالم؟

يا الله.. أية مصيبة حلت بنا حتى وجدنا أنفسنا نقلب أوراق محاكم التفتيش ونحن في العام 2016؟ من أين يأتي مثل هؤلاء القضاة ليقرروا في مصير الناس وفي تجارتهم و في أرواحهم وفي أملاكهم؟ أي قدر من الجهل يقودهم ليتحكموا في مصير الناس؟ هل مثل هؤلاء يستحقون فعلا امتلاك سلطة كما يتحدث دستور 2011؟