تعودنا خلال السنوات القليلة الأخيرة على مشهد يتكرر باستمرار كلما تعلق الأمر بواقعة تستأثر باهتمام المغاربة أو بملف مثير للجدل، وخصوصا بعد تنامي دور مواقع التواصل الإجتماعي في الحصول على المعلومة ونشرها والتفاعل معها. مشهد يرفع حدة التوتر والغليان الإفتراضيين إلى مستويات قياسية، ثم تنطفئ فورة الغضب بعد ذلك تدريجيا حتى يصبح الخبر نسيا منسيا. ويبدو أن الزوبعة التي أثارها ملف ما بات يعرف إعلاميا ب " تجزئة خدام الدولة " لا يخرج عن هذه القاعدة.
إذا عدنا إلى أرشيف الذكريات على الأقل منذ تنصيب حكومة بنكيران بعد انتخابات 25 نونبر 2011، نتوقف عند لحظات كثيرة أثارت جدلا واسعا وجعجعة إعلامية تحولت معها بعض الأحداث إلى قضية رأي عام. وفي كل مرة كانت العواصف تمر بسلام ولا تراوح الفضاءات الإفتراضية. ففي واقعة ملعب "الكراطة" مثلا بدا واضحا أن الدولة تناغمت مع المطالب الشعبية التي أسقط غضبها الفيسبوكي وزير الشباب والرياضة من منصبه. لكن ماذا حدث بعد ذلك؟ أين وصلت التحقيقات بشأن ما جرى؟. من يحاسب على سوء التدبير الذي كان سببا في تحويل أرضية جديدة كلفت ميزانية كبيرة من المال العام من ملعب لكرة القدم إلى بركة للسباحة انتشرت صورها عبر كل بقاع العالم؟.
في قضية "جوج فرنك" تحولت مواقع التواصل الإجتماعي إلى منصات للسخرية والتعليق والتحليل، وتحولت معها زلة لسان الوزيرة إلى مادة دسمة لوسائل الإعلام الوطنية والدولية أيضا. وفي الوقت الذي بذل بنكيران كل جهوده في فرض رؤيته " التخريبية" لتقاعد المغاربة، لم يبد أية إرادة لإلغاء تقاعد الوزراء والبرلمانيين أو إعادة النظر فيه على الأقل بالرغم من الإهتمام الشعبي الهائل بالموضوع. هدأت عاصفة الإحتجاج الأزرق، وأقبر الملف، أما تقاعد البسطاء فقد تم الحسم فيه ضدا على إرادة الأجراء والشركاء النقابيين والإجتماعيين.
مثال آخر أكد فيه المغاربة تفاعلهم واهتمامهم بالقضايا التي ترتبط بمعيشهم اليومي، وأثبت أن الضغط الشعبي ( حتى ولو ظل مقتصرا على حضوره الإفتراضي) يمكن أن يربك حسابات الحكومة ويضع تدابيرها محط مساءلة. فقد أثارت شحنة النفايات الإيطالية المستوردة عاصفة من الإحتجاج والرفض والإستنكار. وهو الأمر الذي فرض على الجهات المعنية داخل الحكومة التواصل مع الشعب وتقديم بعض الإجابات والتوضيحات عن الموضوع، لكن الأمر لم يصل كالعادة إلى مستوى ربط المسؤولية بالمحاسبة كما تقتضيه الأعراف الديموقراطية. ومرة أخرى تراجعت حدة الإحتجاجات مع توالي الأيام، وعاد المغاربة إلى الإنشغال بالهم اليومي الذي انضاف إليه هم البحث عن بديل للميكا.
تجزئة خدام الدولة ليست على الأرجح سوى الشجرة التي تخفي الغابة. أي أن ما خفي كان أعظم. وردود الأفعال المستنكرة للبلاغ المشترك الذي صدر عن وزارتي الداخلية والمالية، تعبر عن هول المفاجأة التي أصابت المغاربة. ربما لأنهم اعتقدوا أن العهد الجديد قد قطع نهائيا مع ممارسات الماضي التي أنتجت الريع والإمتيازات والإغتناء غير المشروع. لكنهم استفاقوا على حقيقة الواقع، بل إن البلاغ المذكور أمعن في إذلال المغاربة عندما مارس "الأبارتايد الإجتماعي" باستخدام عبارة "خدام الدولة" والإحالة على مرسوم 26 دجنبر 1995 الذي منح مشروعية قانونية لسلوك إنتهازي لا يقبله المنطق ولا يستقيم مع مقتضيات العدالة الإجتماعية وقواعد المساواة والفرص المتكافئة. هؤلاء المنعم عليهم بلقب "خدام الدولة" ويستخدمونه كتأشيرة للحصول على الإمتيازات بدون وجه حق، هم نتاج لمنطق لا يجعل الدولة في خدمة الشعب، بل يسعى إلى حماية السلطة وتسييجها. إنه منطق الولاء والتعليمات. أما الكادحون من أبناء هذا الشعب فلا تجد تضحياتهم وعناءهم اليومي أي صدى أو اعتراف. وهم بذلك لا ينتمون إلى فئة خدام الدولة.
رئيس الحكومة ارتدى جبته الحزبية، وأمر أتباعه وكتائب حزبه بتجنب الرد على بلاغ الوزارتين الذي شن هجوما مبطنا على البيجيدي وحمله مسؤولية إثارة الموضوع لأغراض "انتخابوية "( بصيغة البلاغ)... وإذا كان صمت بنكيران الحزبي شأنا يخصه ومريديه، فإنه ليس من المقبول أن يمتد هذا الصمت إلى مؤسسة رئاسة الحكومة، لأن المقام يقتضي من الحكومة ومن رئيسها على وجه التحديد القيام بإجراءات عملية وعاجلة لإلغاء هذا المرسوم التمييزي. وحينها فقط سيكون بنكيران قد امتلك الجرأة السياسية التي افتقدها طيلة ولايته الحكومية، ويستبدل لغة الغمز والهمز بإجراءات فعلية تترجم دلالة دولة الحق والقانون واقعيا. وحينها أيضا يمكن أن تنفتح إحدى مداخل الإجابة عن سؤال: أين الثروة؟.
فهل سيكون عند الموعد؟. للأسف يبدو أن العادة ستتكرس مرة أخرى. والأيام أو الاسابيع القليلة المقبلة كفيلة بإقبار الموضوع في انتظار حدث جديد وثورة إفتراضية جديدة تتحول معها مآسينا إلى ملهاة طويلة بحلقات لا تنتهي، وأبطالها هم بشكل أو بآخر "خدام للدولة".
محمد مغوتي. 30 يوليوز 2016.