“خادمات وخدام الدولة” ونهب وهدر 62 مليار

31

وشَرَوا البقع بثمن بخس دراهم معدودة ولم يكونوا فيها من الزاهدين.

إن تعبير خدام الدولة يرٍنُّ في الآذان كعبارة “خدام الأعتاب الشريفة” و”خدام السدة العالية بالله” إنها عبارة تنبثق من المعجم المخزني القح ولذا وجب التمعن فيها.

لغويا: خدام هي صيغة مبالغة من خدم، من يقوم على خدمة غيره.

أما الدولة فمعناها في الأصل الاستيلاء والغلبة والشوكة.

وهكذا يصبح المخصوصون بهذه العبارة أولئك الذين هم في خدمة من لهم الغلبة أي القوة، فمن اشتدت وطأته وجبت طاعته وهذا ما يعبر عليه بالدارجة المغربية “الله ينصر من صبح” أو “ليّ شفتيه راكب على القصبة قل ليه مبروك العود”.

إلا أنه من المتيقن أن مستعملي هذه العبارة لم يكونوا على إطلاع على المعنى اللغوي الحقيقي للمفردات التي استعملوها إذ يمكن أن نكون أمام ترجمة العبارة الفرنسية

) (les serviteurs de l’Etat نظرا للثقافة الفركوفونية لكل من وزير الداخلية و وزير المالية.

لو كنا في بلد ديمقراطي حداثي لاستعملت عبارة الموظفين أو خدام الوطن.

من جانب آخر، إن قراءة ولو سطحية للائحة المستفيدين من هذه البقع تُبين أنهم إما مباشرة في خدمة السدة العالية بالله وهذا هو حال مستشاري ووزراء الملك أو الذين يحومون في فلكه من عسكريين وتجار وموظفين سامين.

وإذا ما رجعنا إلى الآداب السلطانية فإن هؤلاء هم من يسمون بخاصة الخاصة الذي قال فيهم العلامة اليوسي في رسالته الشهيرة للمولى إسماعيل في القرن 17 : “فإن الكثيرين من الدائرين بالسلطان هم طلاب الدنيا لا يتقون الله تعالى ولا يتحفظون من المداهنة والنفاق والكذب”، أولائك “الذين جرّ الظلم على الرعية، فأكلوا اللحم، وشربوا الدم، وانتشوا العظام، وامتصوا المخ، ولم يتركوا للناس دينا ولا دنيا. فأما الدنيا فقد أخذوها وأما الدين فقد فتنوهم عنه”.

كما يتجلى كذلك من قراءة أولى في لائحة المستفيدين من هذه “الوزيعة” أن الثلث منهم نسوة ما يحتم علينا أن نكتب وأن نقول أن هذه لائحة “خادمات وخدام الدولة”.

السؤال المطروح: ما هي الخدمات التي قدمها هؤلاء النسوة وفي أي مجال؟

ملاحظة أخرى هي أن جل هذه البقع “بيعت” بعد وفاة الحسن الثاني أي أن المستفيدين هم في غالبيتهم من خادمات وخدام العهد الجديد.

إن هذه “الوزيعة ” تدخل فيما يسمى اقتصاد الريع كما تدخل في ما كان معروفا في أيام الخلفاء بالعطاء (أنظر مقال عز الدين العلام في موقع “الأول”).

إن هذه “الوزيعة” وهذا العطاء يندرجان بين الوسائل التي يستعملها المخزن لشراء الذمم والولاءات وفي سياسته المبنية على الترغيب والترهيب. فهذه أداة من أدوات الحكامة المخزنية الاستبدادية كما هو الحال بالنسبة لرخص الصيد في أعالي البحار ورخص النقل البري ورخص استغلال مقالع الرمال والرخام ورخص استيراد السيارات وبعض المواد كالخشب وما إلى ذلك.

إن هذه “الموارد” تكون جزءا من اقتصاد الريع والمخزن الاقتصادي.

أما من الناحية القانونية فيجزم القاضي المعزول محمد الهيني “أن المرسوم المشار إليه في بلاغ وزارة الداخلية والمالية لم ينشر بالجريدة الرسمية وهذا يعد تحايلا على القانون وإخفاءً لنصوصه حتى لا يطلع عليه العامة وحتى يمارس الريع تحت الطاولة، مضيفا أن هذا المرسوم غير دستوري من حيث مصطلح خدام الدولة”.

ويتابع الهيني بالقول إن القول بأن “متابعة الولاة والعمال من صميم الصلاحيات التي أعطاها القانون حصرا للوكيل العام وليس لوزير العدل والحريات غير صحيح بالمرة.

إن وزير العدل هو لحد الساعة رئيس النيابة العامة ومن واجبه أن يوجه تعليماته للنيابة العامة خصوصا بعد أن أصبحت الوثائق في متناول الجميع.

إن النيابة العامة يمكنها أن تتحرك ليس بشكايات فقط بل أيضا بوشاية”.

السؤال المطروح هو لماذا تنصل السيد الرميد من مسؤولياته.

ومن جهته قال النقيب عبد الرحمان بن عمرو في نفس النازلة بأن مرسوم دجنبر 1995 لا وجود له في الجريدة الرسمية وأن المرسوم المنظم لبيع أملاك الدولة المؤرخ بـ 05 مارس 2002 يضبط شروط صعبة للحصول على الأراضي كالإذن من الوزير الأول وتكوين لجنة مع ضرورة تنظيم مزاد علني إلا في حالة التراضي.

وهكذا يتبين جليا أن تفويت الأراضي “لخادمات وخدام” الدولة تم في خرق واضح لكل القوانين التي تقنن تفويت أراضي الدولة إلى الخواص.

إن هذا التفويت كان يجب أن يتم من خلال المزاد العلني ومبدأ تكافؤ الفرص.

السؤال المطروح هنا: كيف يمكن أن نثق في مسؤولين يخرقون القانون لأغراض شخصية وآنية؟

كيف يمكن أن نوكل إليهم مهمة تدبير المال العام أو تنظيم انتخابات تشريعية وجماعية؟

إن هذا “التفويت الوزيعة” ما هو في الأخير إلا عملية نصب واحتيال وبسابق إصرار ذهبت ضحيتها خزينة الدولة فيما يقدر بأكثر من ستين مليار سنتيم.

وهذا الرقم الخيالي نصل إليه من عملية بسيطة.

إن هذا التفويت يشمل 68 بقعة أرضية وكل بقعة مساحتها تقريبا 2000 متر مربع اقتناها خادمات وخدام الدولة بسعر 370 درهم للمتر المربع فإذن مجموع الصفقة أدخلت لصندوق الدولة 50320000 درهما.

إلا أن الثمن الحقيقي للمتر المربع إذاك هو 4500 درهم، فلو بيعت هذه البقع بهذا الثمن لأدخلت الخزينة العامة 612000000 درهما.

وهكذا يتبين في هذا التفويت أن الدولة خسرت 5616800000 درهما.

ولم تتوقف هذه الخسارة عند هذا الحد، فحسب جريدة أخبار اليوم فإن الدولة صرفت على هذه البقع أكثر من 450 درهم للمتر المربع من أجل تجهيزها بالماء والكهرباء والهاتف والطريق والمساحات الخضراء. وقد كان من واجب مقتني البقع السالفة الذكر أن يدفعوا ثمن هذه التجهيزات أي 612000000 درهما. وهو ما لم يفعلوه.

فيكون إذاك ما خسرته الدولة في هذه النازلة 622880000 درهما.

كم من مستشفى، كم من مدرسة، كم من سكن اجتماعي وكم من طريق كان بالإمكان تشييده بهذا المال.

إن الذين اقتنوا هذه البقع كانوا على علم بأنهم يقومون بعمل جائر ومناف للأخلاق والقانون وأنهم في آخر المطاف يقومون بالسطو على ملكية الشعب في عملية نهب وسرقة مع سابق إصرار.

ونظرا للمسؤوليات التي يتحملها أكثرهم فإننا نكون أمام شطط في استعمال السلطة واستغلال للنفوذ لمصالح شخصية آنية.

وهكذا يتضح كما يقول المثل العامي أن “حاضيها حراميها”.

وما هذه النازلة إلا قطرة من غيث النهب الذي يتعرض له الشعب المغربي من قِبل خادمات وخدام الدولة عبر سياسة العطاء والهبة و”لوزيعة” والتفويتات والرخص المختلفة والتي تتم خارج القانون.

ويجب التنبيه في الأخير إلى إن البلاغ المتعلق بخادمات وخدام الدولة والذي نشرته وزارة الداخلية والمالية قد ألمح إلا أن حزبا هو الذي وراء تفجير هذه الفضيحة.

إلا أنه تبين أن الإدعاء غير صحيح إذ أن الذي فضح هذه الجريمة هو صحفي اسمه عمر الراضي وهو من نشطاء حركة 20 فبراير التي ينعث بنكيران مناضليها بـ”الطبالة والغياطة” والذين وقف ضدهم بكل “بسالة”.

إن ما قام به عمر الراضي يدخل في باب محاربة الفساد الذي يتبجح حزب العدالة والتنمية به.

إن عمر الراضي كانت له الشجاعة بتسمية الأشياء بمسمياتها وفضح بعض العفاريت والتماسيح بأسمائهم الأمر الذي لم يكن رئيس الحكومة قادرا على فعله.

 

(عن موقع “الأول”)

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

17 تعليقات

  1. Tijani يقول

    أستاذنا الكريم
    قبل قليل مرت أمام عبارة تذهب في نفس سياق تحليلكم.
    “الفساد يبتدئ بسرقة أصواتنا وينتهي بسرقة أحلامنا”
    الشكر لكم

  2. almilah يقول

    نعم المقال.
    شكرا.

  3. إفني الدولة الاخرى يقول

    المسؤول الكبير في هذه المهزلة هو رئيس الدولة، محمد العلوي الملقب ب محمد السادس. هو من سمح لهؤلاء المزاليط بأخد حصتهم من أموال الشعب و ممتلكات الشعب. والايام القادمة ستحرق الأخضر و اليابس ، و ستزيل البساط من ارجل محمد السادس لأنه طغى. لم يأخد العبرة من فرعون و اتباعه. و هو الذي سيشعل نار الفتنة لان ليس له الجرأة في وقف هذه المهزلة. رجل شبه رجل ليس شجاع لكي يلغي حفل الوباء، و يلغي طقوس الجاهلية ، ووقف تقبيل الايدي و الركوع ، ولبس الجلباب و البلاغي كرها على جل الموظفين.

  4. dghoghi nordine يقول

    يا شعب (شعيبة) جدودنا قاوموا الاستعمار .
    واستقبلتهم دولة الاستغلال والقهر والحرمان..
    وبالتالي المغرب لا يحمل في طياته الا الشك…

  5. لحسن عبدي يقول

    سيدي خالد ، هذا كله صحيح ، لكن متافيزقياً ، اما الحقيقة المغاربة صوتوا دستور الريع ، وأجهضت فرصة الديموقراطية والسلام رآك عارف

  6. محند يقول

    تحية تقدير واحترام وتشجيع لكل من يفضح عصابات المافيا التي تنهب وتتسلط على املاك واموال وخيرات الشعب. ولكن الفضح غير كافي. لهذا يجب محاربة هذه المافيا عن طريق النزول الى الشارع وثم متابعتهم ومحاسبتهم وتقديمهم الى القضاء الوطني والدولي. الهدف من هذا هو ارجاع الممتلكات الى الشعب او تسديد كل الاموال المستحقة ووضع الحد لكل انواع الريع الديني والاقتصادي والمالي والسياسي. ولكن هذا لا يتحقق في ضل حكومات ” عفا الله عما سلف وعما خلف” وتحت رعاية وزير العدل والحريات السيد الرميد. وحتى الحكومات القادمة لا تغير شيءا لان الدستور ناقص ولا توجد لدينا دولة الحق والقانون والعدالة الاجتماعية وفيها تفصل السلط حقا ويكون للقضاء الكلمة الاخيرة. المخزن يتحكم في كل شيء وهو مصدر الاستعباد والاستبداد والفساد والعصابات التي تتسلط وتنهب املاك واموال الشعب وهي فوق القانون. وكما كتب الصحافي خالد الجامعي” حاضيها حراميها”

  7. متسائل يقول

    السؤال المطروح هو هل ظاهرة السطو على البقع بين قوسين محصورة فقط على جهة الرباط ام تتعداها لكل المدن ؟!من يسال من ! ومن يفتش من ؟ 60 سنة هي عبارة عن صندوق مليء بالمفاجات ،مفاجاة تجر مفاجاة .

  8. Premier citoyen يقول

    وهل لكبير السحرة أن يقترب من غابة العفاريت ؟ لأ أحد في الحكومة اللقيطة يجرئ على فضح الفاسدين .

  9. Alhaaiche يقول

    Makheliti lia mangoul à si khalid
    Lefkih li netssenaw baraktou dkel al messjid be janabtou
    Allah inezal Alihoum ànaala koulhoum
    Men rass hta le rejline
    C’est une bande de voyous, minables
    Et on les a vu à Dawha, ils n’ont même pas de respect pour leurs femmes et enfants.tu pense qu’ils vont respecter les citoyens
    C’est une mafia organisé

  10. متتبع يقول

    شكر لك سي الجامعي على هدا المقال الجامع المانع الدي هو ربما افضل ما كتب عن هدا ااموضوع.
    موضوع هده العقارا التي تم التبرع بها لهؤلاء المسمون خدام الدولة هو منكر بواح على كل مغربي مسلم ان ينهى عنه ولو بسانه او قلمه او”فايسبوكه” او غير دالك وليعلم ان كل واحد منا انه سيسال في الموضوع وما شابهه يوم العرض.
    فليستفق شعب البقر كما سماه احد المحللين من نومه ان بقيت فيه شيء من الروح اما ان مات على هده الحال فهو لا يستحق حتى الترحم عليه

  11. محمد يقول

    تحية اجلال وتقددير للاخوين الجامعي والراضي ,الله يكثر من امثالكما,ارجو من الراضي صاحب الاراضي اي يحدو حدو الصحفيي الراضي,والتاريخ لن يذكر الا الشرفاء اما الخونة فالى مزبلة التاريخ,

  12. محمد**المغرب يقول

    بعد هده التفاصيل الفاضحة يلزم طرح السؤال: ما العمل ؟…..

  13. الزروالي يقول

    الشعراء يحاولون أن يزرعوا عيونا أخرى إضافية للناس قصد تغيير الواقع المعيش ، لذلك فهم يشكلون مصدر خطر كبير على الدولة ، لأنهم يريدون التغيير . ولكن الدولة و خدامها المخلصين لايطمحون إلا إلى أن تبقى دار لقمان على حالها ! الحاج فرانز كافكا

  14. nadir يقول

    Mon cher ami Hamid mehdaoui,je te demande une seule chose:ne fais jamais de publicité à un faux intello qui nous a embobiné par ses écrits et ses interventions dans les plateaux de télé en tant qu’intellectuel militant, anti-mekhzenien avec son soi-disant indépendance et liberté intellectuelles alors qu’il n’est qu’un pauvre type,opportuniste qui profite lui et sa famille de la rente mekhzenienne,il s’agit de cet intello de mes couilles qui s’appelle Hassan aourid,celui qui balance tjrs les mêmes cochonneries à propos de la monarchie et le palais sans jamais oser divulguer les secrets du pouvoir alors qu’il a couvé dedans.rappelons-le lui et ses frères et soeurs ont aussi profité de ces lots de terrains à deux sous.je ne l’ai pas entendu démentir ça ou s’excuser et retirer son bénéfice lui et sa famille de ces terrains

  15. مرروكي يقول

    شكراً للبطلين خالد الجامعي و عمر الراضي، لكما العزة و الكرامة و الشجاعة المرروكية الأصيلة. و شكراً لكل الأحرار. الذين يرفضون أن يكونوا خداماً و عبيداً. و الخزي و العار للعبيد و الخونة، و الحساب الشعبي آت لإذلال الأذلاء و مكافأة الأحرار المقاومين الصناديد.

  16. Hicham يقول

    و تزامنا مع هذه الأحداث الخطيرة لا يزال الشعب المغربي الطيب و الوديع ينعم بتعرية مؤخرته في شواطئ المملكة و الجلوس بقية اليوم في المقاهي.. يقول المثل المغربي : ( العِيبْ ماشي على من حرث في السطح العيب لي فالموت وكاي يشطح)

  17. مبارك فتيح يقول

    المغرب لهم والزبل والفقر والمرض للشعب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.