يُذَكِّرْ النقاش المغربي الواسع حول انقلاب تركيا والهجوم الكبير، خاصة لأتباع بنكيران على الانقلابيين وعلى أنصارهم في كل مكان بالمثل الشعبي الدارج: "مالين الموتى صبروا والعزايا كفروا".

بداية وجبت الإشارة إلى أن أردوغان لم يدّعِ نبوة حتي يجري تقديسه، بالكيفية التي يمارسها البعض، ولا هو نقل تركيا من العصر الحجري إلى العصر الحديث، بل وجد تقاليد ديمقراطية راسخة، هي ما ساهمت في إفشال الانقلاب، كما أن أردوغان جاءت به الديمقراطية، السابقة على عهده، والتي يستحيل تحققها في أي دولة في العالم دون وجود العلمانية، بدليل أن جميع الدول الدينية ديكتاتورية ومتخلفة وجميع الدول العلمانية قوية وديمقراطية ومتحضرة، طبعا بنسب متفاوتة وفقا للخصوصية التاريخية لكل بلد.

كما أن لا أحد يستطيع أن ينفي طموحات أردوغان في محاولة تحويل تركيا من دولة برلمانية إلى دولة رئاسية بطابع اسلامي، فحين كان أردوغان رئيسا للوزراء قليلون هم من كانوا يعرفون رئيس الجمهورية بحكم الطابع السياسي للبلاد القائم على النظام البرلماني، وهذا الوضع كان معروفا حتى قبله، وحين أصبح أردوغان رئيسا للجمهورية التركية، كثير من الناس في العالم لم يعرفوا آن بن علي يلدرم هو رئيس للوزراء إلا ليلة الانقلاب، بحكم أن الطابع السياسي للنظام بدأ في التحول من نظام برلماني إلى نظام رئاسي.

وجذير بالتذكير هنا أيضا أن الخلفية الإسلامية لأردوغان ليست وراء فوزه الدائم في الانتخابات، بل الفضل كل الفضل يعود إلى ما حققه من نجاحات في مجال الاقتصاد، بعد جلبه، خلال القرن الماضي، لأكبر قدر من رؤوس الأموال الأجنبية، التي ساهمت في تعاظم الاستهلاك الخاص والعام وتوسع قطاع البناء، مع العلم أن أبرز مشكلة بنيوية تواجهها تركيا اليوم هي المغالاة في الاعتماد على رؤوس الأموال الأجنبية، قبل أن يصيب الكساد معدلات الدخل فلم تعد إلى الارتفاع، وبالتالي لولا شعور الناخبين بتحسن كفة الأرباح الإقتصادية ماكان لهم أن يمكنوه من أصواتهم حتى ولو ادعى أردوغان نبوة مزعومة.

لكن أردوغان شأنه شأن كل سياسي يعتمد على الدين في السياسة يختزل المواطنات والمواطنين فقط في الخبز والعبادات، ضاربا عرض الحائط مطلب انساني أهم وهو الحرية، بدليل ما قام به أردوغان نفسه ضد عدد من المنابر الإعلامية وضد حق خصومه في التعبير بعد أن فرض ضرائب ثقيلة عليهم حين حاولوا مواجهته اعلاميا، بل وحتي في حقهم في التوظيف، كما جرى مع أنصار عبد الله غولن حين أرادوا دخول سلك الشرطة.

أردوغان سيقتلع أنياب الجيش بشكل نهائي بعد الانقلاب وسيضيف هذه الأنياب إلى "فم" الشرطة، وسيبسط سيطرته على كامل مفاصل الدولة قبل تحويلها إلى دولة دينية بامتياز وبذلك سيوفر كل الشروط لتدخل آجنبي يحول تركيا في أخر المطاف إلى قاعدة خلفية جديجة للامبريالية.

الانقلاب مُدان بكل الشرائع لأنه لا ديمقراطي حقيقي في العالم يمكن أن يشرعن الوصول إلى السلطة عن طريق العنف، ومع ذلك وجبت الإشارة إلى أن الجيش التركي لم يكن بالوحشية التي كان بها الجيش المصري وإن كانت هناك خسائر في الأرواح، فقد أظهرت الصور مواطنين يتحدون حظر التجوال ويقفون بصدورهم العارية أمام دبابات العسكر ولم يقصفهم الانقالبيون، وأكيد أنه لو كانت لديهم تعليمات بقتل كل متظاهر لما ترددوا في ذلك، مع الإشارة إلى أن جميع تجارب الانقلاب في تركيا أتبثت أن الجيش لم يكن هدفه السيطرة على السلطة، وأنه ظل فاعلا سياسيا مركزيا بصفته حارس العلمانية في البلاد.

طيب، لنعد الآن إلى المغرب ونتساءل: لماذا أصر أتباع بنكيران على تحميل صور أردوغان في حين حمل الأتراك علمهم الوطني؟ ولماذا كل هذا الإقبال من طرف اسلاميي المغرب وخاصة آنصار "البجيدي" على هذا النقاش؟ ولماذا كل هذا الهجوم على الانقلابيين وعلى كل شخص قال كلمة نقد في حق أردوغان؟

أنصار بنكيران يعانون من جبن سياسي منقطع النظير. إنهم يتمنون شجاعة أردوغان للتسلل إلى هياكل الدولة، لكن الجبن يحول بينهم وبين ذلك، لهذا يحاولون إخفاء هذا الجبن أو بالإحرى التنكر له بالإختباء وراء صورة أردوغان محاولين خوصصته وإيهام الرأي العام بأنهم وأردوغان جسم واحد.

أنصار بنكيران، وحتى  عشية الانقلاب، كانوا يعيشون في اختناق شديد، بعد تورط حكومتهم في "إفساد التقاعد" وتورط بعض وزرائهم في إدخال أزبال سامة وخطيرة إلى المغرب، لهذا وجدوا في نقاش الانقلاب فرصة لفك الحصار الشعبي الذي خنقهم ومحاولة لتهريب ضعفهم وتهريب نقاشات الزبل وإفساد التقاعد والحصيلة الحكومية عموما، علما أن هذا الإقبال الكبير من جانب اسلاميي المغرب على نقاش انقلاب تركيا وقبله انقلاب مصر٫ وقوة تفاعلهم معهما كشف أيضا عما ظلوا ينفونه وهو وجود "التنظيم العالمي للإخوان المسلمين"، ولو عاطفيا، وإلا كيف نفسر صمت اسلاميي المغرب على انقلابات عديدة شهدتها مؤخرا دولا غير اسلامية في افريقيا وآمريكا اللاتينية وآوربا؟

وبما أن المناسبة شرط كما يقول الفقهاء فإن نكتة شعبية تفيد أن شخصا ظل يتردد على بقال وفي كل مرة يسأله: "واش عندك النعناع"؟ فيرد البقالي: "لا معنديش"، ثم يعود الشخص من جديد سائلا البقال: "واش عندك النعناع"؟ فيرد البقال :"لا معنديش"، ومرة جاء الشخص وكان البقال قد ضاق ذرعا بأسئلته، فما أن سأله الأخير "واش عندك النعناع"؟ حتى رد عليه البقال "عندي الزبل..."  فرد عليه الشخص "أومَنْ غِير الزبل واش عندك النعناع"؟ وعلى منوال هذا الشخص نقول للحكومة المغربية "آو من غير الانقلاب فين وصل الزبل اللي طليتونا بيه".