كل إنسان في حياته الدنيوية العابرة لا يسعى سوى للسلم والأمان لنفسه أولاً ثم لأسرته و عائلته في المقام الثاني ثم لمنطقته أو لحَيه في المقام الثالث ثم لقريته أو لمدينته في المقام الرابع ثم أخيراً لبلده و أمته و غالباً ما يتوقف عند هذا المقام الأخير لأنه يرى كل من هم خارج حدود بلاده و أمته إما غرباءً بُعَداء أو خصوماً فِعليين! و إذا خيرنا شخصاً ما بين سِلمه الشخصي و سِلم والديه أو أبنائه، فغريزة الانا الطبيعية لديه ستُرغمه على إعطاء الأولوية لنفسه ولو عن طريق التضحية بسِلمِ من كانوا سبباً في وجوده و هم والديه أو من كان سبباً في وجودهم و هم ابناؤه.
والآن لنوسع دائرة السؤال و نُخير نفس الشخص بين الأشياء التالية الواردة في هذا الجدول:

1
الإختيار بين
عائلته عائلته وحيه؟
حيه حيه وقريته؟
قريته قريته ومدينته؟
مدينته مدينته والمدن الأخرى؟
وطنه وطنه والأوطان الأخرى؟

نلاحظ إذن أن الإنسان يحمي ًنفسه أولاً ثم عائلته وما يليها من المستويات الأخرى. فالأولوية عند الإنسان هي لروابط الدم ممثلة في الأسرة و العائلة و القبيلة و الوطن ثم الأمة سواءً على أساس قومي أو ديني ! وهكذا فإن العنصر الجامع للكل وهو العالم يبقى خارج تفكير ولاء الفرد وبالتالي خارج نطاق الحماية.

2

عبر التاريخ كان الإنسان يعيش على هذا النمط من التفكير لعوامل تتعلق بالتباعد الجغرافي ومحدودية وسائل المواصلات وضعف أساليب الاتصال والتواصل بين الجماعات البشرية المتباعدة مما عزز الغريزة الحمائية لدى الفرد فصار همه فقط حماية نفسه ثم عائلته وجماعته وما يليها حسب درجة القرب. لكن هذه القاعدة النمطية التي تحصر ولاء الإنسان في جماعته دون غيرها من الجماعات وفي حدود وطنه دون غيره من الأوطان لم تعد صالحة في عالمنا اليوم لأن الأرض صارت وطناً واحداً بل صارت أشبه بقرية يسهل فيها التنقل تناقل الأخبار والمعلومات وتبادل المعارف والعلوم وإقامة الروابط على مختلف الأصعدة والمستويات . وهكذا شئنا أم أبينا أصبحت الأمم والشعوب على اختلاف مناطقها الجغرافية ولغاتها وثقافاتها مندمجة في منظومة مشتركة للمعلومات والعلاقات والمصالح المتبادلة والمترابطة بحيث لم يعد أمام الأفراد رغم الحواجز النفسية مفر من القبول بهذه الحقيقة والاقرار بها والتفاعل معها.
لا يوجد احد في العالم يستطيع أن يضمن كامل السِّلم والأمان لنفسه أو لغيره في الشارع أو حتى داخل منزله وكذلك في قريته أو مدينته ولا حتى في وطنه أو أي بلد أخر يتواجد فيه، لأن العالم اليوم أصبح تحت خطر الإرهاب ويعيش أهله في أجواء هلع وخوف تغلب عليهم مشاعر السلبية ويغيب عنهم الاتحاد والوحدة الحقيقية التي تكفل الشعور بـالأمان. كأننا نعيش في قرية لم يعد فيها أمن ولا أمان وصار كل واحد منطوياً على نفسه لا يقوم بأي فعل إيجابي من أجل المشاركة في تحقيق الأمان المنشود.
وفي محيط كهذا يصبح من السهل التعرض في أي حين لهجمات إرهابية وتتوفر التربة الخصبة لاشتعال الحروب. وعند حصول هذه الكوارث في بلد من البلدان لا يتكاثف الناس مع بعضهم البعض وإنما يهربون بحثاَ عن ملاجئ سلام وفرص حياة في بلدان أخرى. وفي العصور الغابرة كان المتعارف عليه أن العدو عدو خارجي يأتي من خارج حدود أسوار المدينة أو أراضي القرية أو القبيلة بحيث يكون عدواً واضحاً معروف الهوية. أما اليوم فقد صار العدو لا يأتي من قبائل أخرى أو شعوب أجنبية وإنما من داخل نفس البلد وحتى من قلب نفس الأسرة والدار.
وهذا ما نراه بشكل يومي في واقع عالمنا الحالي حيث صار من المألوف رؤية ألوف مؤلفة من أمواج اللاجئين الفارين من أوطانهم بحثاً عن الأمان. ولكن أين المفر وأين الأمن والأمان والعدو كامن ويعيش في كل زاوية من قرية عالمنا المعاصر.
أجل في الماضي كانت الأسوار والقلاع المحصنة والأبراج العالية والجيوش المسلحة كفيلة بتوفير قدر من الأمن في مواجهة الغزاة والأعداء الخارجيين. أما اليوم فلم يعد بمقدورها أن تلعب ذلك الدور الحيوي ولم تعد لها فعالية في مواجهة عدو جديد قادم من الداخل وليس من الخارج.
وعلى وجه العموم فقد انتهى المطاف اليوم بالبشرية إلى تقسيمات سياسية جغرافية معقدة غير مستقرة ولم تعد تكفل بنظمها و وسائلها الحالية أي قدر من الاستقرار والأمان الحقيقي في عالم صار فيه العدو داخلياً لا يعرف موعد ولا حدود لهجماته وضرباته. ومع الأسف فإن الحلول الترقيعية أصبحت عاجزة عن مواجهة تصاعد هذه الحالة من انحصار الاستقرار وتغول العنف والإرهاب. لذلك صار لزاماً على شعوب العالم و حكومته البحث عن حلول أخرى.
بطبيعة الحال فإن الحل ليس هو انتهاج العنف المسلح وأساليب الحروب وإنما يكمن مفتاح الحل في منهاج واحد هو "التسامح والتعايش" القائم على مبدأ جوهري هو أن الأرض وطن واحد لجميع البشر. ولتطبيقه في أرض الواقع لا بد من عملية رَوحنة داخلية شاملة لكل الشعوب.
والسير في طريق الروحانية لا يعني بالضرورة الانتساب إلى دين بعينه أو لعقيدة معينة أو التحول من عقيدة لأخرى وإنما هو طريق مفتوح للجميع وقائم على الشراكة والتعاون بين الكل على اختلاف الأجناس والأعراق وتنوع الأديان والمذاهب والعقائد.
أما مفهوم العدو فقد تطور ولم يعد يأتي من الخارج بل من داخلنا ويتسرب إلى هيكل البشرية. هذا العدو جاءنا من كواكب كل واد منا، وهي كواكب الظلم والفقر والجهالة والتعصب والأحكام المسبقة والكراهية والحقد ضد كل ماهو إنساني من علوم وثقافة ومن فكر وحضارة ومن إيمان وفضيلة ومن فن وإبداع.
هذا العدو الباطن فينا أثار الرعب أينما حل حتى أنه جعل ألوفاً من الضحايا يهجرون أوطانهم ويقطعون مسافات بعيدة براً وبحراً فيهلك منهم من يهلك و يصل منهم من يصل إلى بلاد اخرى قد سبقهم إليها ذلك العدو منتظراً فرص الافتراس بمخالبه وأنيابه ليلتهمها هي الأخرى كما التهم ما سبقها من البلدان. وللأسف فإن هذا العدو قد استوطنا كوكبنا وتجذر في مجتمعاتنا ويدفعنا يومياً للحروب الداخلية والخارجية والصراعات العبثية.
متى سنفهم أن هذا العدو هو التعصب والكراهية والجهالة التي هي أصل كل الشرور؟ ومتى سندرك أننا أصبحنا أشبه بالأطباق الفضائية الطائرة الغريبة التي تحمل هذا الكائن الفضائي الغازي لكوكبنا؟ وقد يبدو للبعض أنه مشهد شبيه بمشاهد أفلام الخيال العلمي التي انتجتها السينما الأمريكية منذ عقود خوالي. لكن الأمر صار حقيقة واقعة وصار علينا اليوم أكثر من أي زمن مضى أن ندرك مسؤولية كل واحد منا في التصدي لهذا العدو من خلال اتحادنا واتحاد كل شعوب وأمم الأرض على الوحدة الإنسانية التي بسلاح قيم التعايش والتسامح والمحبة وأنوار الروحانية وسيف العدالة و قوة الإيمان والعلم والمعرفة قادرة على تحرير العالم من هذا الجور والعدوان وطرده من حيث أتى في مجرة الظلمات.

*طبيب ومحلل نفساني