لم تعُد المخاطر الصحية والبيئية الناجمة عن "زبل الطاليان"، مجرد إشاعات وظنون شعبية، بل أصبحت الجريمة ثابتة ومؤكدة على لسان الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية مصطفى الخلفي، بعد أن قال في مؤتمر صحافي، عقده داخل وزارته، يوم الخميس 14 يوليوز الجاري، إن الحكومة قررت توقيف استيراد جميع الأزبال من الخارج، والأخطر أنه قال: "إن الحكومة قررت توقيف استعمال الشحنة القادمة من "الطاليان" والموجودة في معامل "لافارج" في انتظار صدور تقرير، يحدد طبيعة هذه الشحنة ومدى سلامتها على بيئة وصحة المواطنين.

ماذا يعني هذا الكلام؟

أولا، أن الحكومة جاءت للمغاربة بشحنة نفايات دون احترام معايير الإستيراد، والمتمثلة أساسا في وجود خبرة تؤكد على سلامة تلك الشحنة، وهنا تصبح الوزيرة حكيمة الحيطي، التي دافعت باستماتة عن سلامة الشحنة، دون وجود خبرة، ومعها الرباح الذي ادعى أن السويد استوردت نفس الشحنة دون وجود تقرير أيضا، أمام تهمة خيانة القسم أمام الملك ضد الدين والوطن والملك نفسه!

ثانيا، استيراد النفايات جرى وفقا لمرسوم صادق عليه مجلس حكومي؛ وحين تقول الحكومة إنها أوقفت استعمال  الشحنة المعنية في انتظار صدور تقرير، معناه أن المجلس الحكومي صادق على استيراد نفايات دون أن يكون بين يدي أعضائه خبرة أو تقرير حول طبيعة هذه النفايات ومدى خطورتها على الشعب المغربي وبيئته! وبالتالي يكون جميع اعضاء الحكومة شركاء في الجريمة ضد صحة الشعب المغربي وبيئته.

ثالثا، هل يعقل في العالم أن تستورد دولة مادة قبل أن تنقل عينة منها  إلى بلادها، وتخضعها لدراسة مختبراتها، أليس في المغرب مختبر عال الجودة لجهاز الدرك الملكي يقوم حتى بالتحليلات الجينية؟ ثم لماذا لم تستعن الحكومة بخبرته؟ أليس هناك مختبر وطني للتحليلات، لماذا لم يستعن بخبرته أيضا؟

رابعا، حين تقبل الحكومة بتجميد استعمال النفايات في انتظار صدور تقرير أو خبرة، معناه أن الحكومة تنتظر نتيجتين، إما أن تكون النتيجة لفائدة الوزيرة ومعها الحكومة، أي أن النفايات غير سامة، وإما ان تكون النتيجة ضد الحكومة، أي أن النفايات سامة وخطيرة على صحة المواطنين وبيئتهم، ولنفترض، وهذا أغلب الظن، أن النتيجة جاءت ضد تطلعات الحكومة، كيف سيكون حال صحتنا وبيئتنا لولا يقظة المجتمع المدني والإعلامي والحقوقي؟

خامسا، كيف لناطق رسمي باسم الحكومة، يتقاضى، بحكم منصبه من المال العام،  الملايين شهريا، لتنوير الرأي العام بسياسة حكومته ومواقفها أن يصمت لمدة شهر أو أكثر ولا يتحدث، إلا اليوم، علما أن الفضيحة مست المغاربة في كرامتهم وشرفهم، بشعورهم أن بلادهم مجرد "زبالة للطاليان"؟ وهل نحتاج بالضرورة لضغط شعبي حتى يخرج الناطق الرسمي باسم هذه الحكومة ليتحدث إلى المغاربة؟ أليس في هذا الصمت الطويل  احتقار وإهانة للمغاربة وحرمانهم من الحق في المعلومة، المنصوص عليها دستوريا بمقتضى الفصل 27 من الدستور المغربي؟

سادسا، إذا كانت الحيطي مُحقة في ما تدعيه حول سلامة النفايات، لماذا تبرأ منها وزير الطاقة والمعادن محمد اعمارة؟ ثم كيف جاز للرباح، وبخلاف اعمارة، أن يدافع عن الحيطي، ويؤكد على أن السويد استوردت نفس النفايات، دون أن يدلي الوزير بما يؤكد صحة مزاعمه؟ ألا يعكس هذا التخبط الحكومي غياب أي تنسيق بين مكونات الحكومة، واشتغالها دون رؤية حكومية منسجمة  بل وتحركها ضمن منظور "حفر لي نحفر ليك"؟ ثم أين التضامن الحكومي الذي ينص عليه الفصل 93 من الدستور المغربي والذي يفيد: " الوزراء مسؤولون عن تنفيذ السياسة الحكومية كل في القطاع المكلف به، وفي إطار التضامن الحكومي".

سابعا، كيف جاز، أخلاقيا، لوزيرة، بعد أن مست المغاربة في كرامتهم، باستيراد نفايات، و بالتالي إشعارهم بأن بلادهم مجرد  "قاعدة خلفية" لأزبال الطاليان، أن تجند أطرا بزعم أنها (الأطر) من ذوي الإختصاص، لتضليل الرأي العام بالأكاذيب و محاولة صناعة حقيقة على المقاس لحماية مقعد الوزيرة؟

ثامنا، هل يعقل في أي دولة في العالم، أن تدخل مواد إلى بلد ما، ويُشاع على نطاق واسع أن هذه المواد سامة وخطيرة على صحة وبيئة المواطنين، ويثار فزع كبير وسط المواطنات والمواطنين، ولا تحرك النيابة العامة أي بحث، علما أن من مهامها الحرص على الأمن الغذائي والأمن البيئي والأمن الصحي للمواطنين؟

تاسعا، ما هي علاقة اسرائيل بالحيطي؟ وعلاقة الرباح المسؤول عن قطاع النقل، بالشركة الإسرائيلية؟ وهل يعقل أن تنقل شركة اسرائيلية نفايات إلى المغرب دون علم بنكيران؟ وبالتالي ما هي علاقة الأخير بتل أبيب، التي ظل يردد وأتباعه لسنوات بخصوصها "خيبر خيبر يا يهود..جيش محمد سيعود"؟

عاشرا، وهذا أخطر من كل ما سبق، كيف يتعايش المغاربة اليوم  مع حكومة اهتزت ثقتهم فيها، بعد أن أتبثت العديد من الوقائع أن معظمهم "كذابة"؟ كيف يمكن الإطمئنان لصحة التقرير المنتظر، الذي تحدث عنه الخلفي؟ وما هي ضمانات أن لا يجري تزوير مقتضيات هذا  التقرير وتحريفها؟

بــكــلــمــة، وَنَـــــــارِي عْـــلَى حَــصْـــلــة !!