انتقدت الصحافة الأمريكية البذخ والإسراف الذي رافق زيارة زوجة أوباما وابنتيه إلى مراكش قبل أيام والتي دامت أقل من 24 ساعة كلفت جيوب الأمريكيين أزيد من 600 ألف دولار.

الانتقادات اللاذعة التي وجهت لأوباما في إجراء تنقلات بروتوكولية غير ذات جدوى سوى التقاط الصور ومقارنة المجوهرات، قابلها صمت معهود في الصحافة المغربية، فرغم كون أمريكا أول قوة اقتصادية في العالم إلا أن إنفاق 600 ألف دولار في عشاء فقط، منها أن ميشال أوباما وابنتيها قضين ليلتهن في فندق Royal Mansour المملوك للملك محمد السادس بفاتورة وصلت 60.073 دولار.

هذه الأمور كشفتها the Washington freebeacon استنادا إلى وثائق نشرتها وزارة الخارجية الأمريكية، جاعلة بذلك العقود التي أبرمتها في نطاق سفر زوجة الرئيس أوباما، رهن إشارة المواطنين.

أما في “أجمل بلد في العالم” فقد أدانت المحكمة الابتدائية بعين السبع بالدار البيضاء صباح يوم الاثنين 20 يونيو 2016 الزميل حميد المهدوي مدير موقع بديل على خلفية شكاية تقدم بها وزير العدل والحريات.

وقضت هيئة الحكم في حق الزميل المهدوي بالسجن 4 أشهر موقوفة التنفيذ وغرامة مالية قدرها عشرة آلاف درهم.

وكان وزير العدل والحريات قد قدم شكاية ضد المهدوي بسبب نشر موقعه خبرا مفاده أن الوزير يتلقى تعويضات مهمة خلال تنقلاته بين المحاكم وكذا خلال تنقلاته الخارجية.

إن “ذنب” الزميل المهدوي هو أنه “تجرأ” وأراد معرفة ومناقشة مستحقات وزير العدل.

مع أن ما قام به مدير موقع بديل يدخل في نطاق حرية الصحافة.

أضف إلى ذلك إن الأستاذ المهدوي كان قد اتصل بعدة مسؤولين في وزارة العدل والحريات وطلب منهم، كما ينص على ذلك الفصل 27 من الدستور، إيفاده بالمعلومات المتعلقة بالتعويضات التي يتقاضاها السيد الرميد خلال تنقلاته في الداخل والخارج ولكن بدون جدوى.

وبرفضهم الإدلاء بهذه المعلومات فإن المسؤولين المشار إليهم ضربوا بالفصل 27 من الدستور عرض الحائط.

لو كنا في بلد تسود فيه ديمقراطية حقيقية وبمقتضى الفصل 27 من الدستور الذي ينص على أن “للمواطنات والمواطنين حق الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام”، لكان من حقنا طلب معرفة كيف تصرف الميزانية الملكية والتنقلات الملكية وكم يتقاضى الأمراء والأميرات وكم عددهم.

وكان لزاما عليهم الإدلاء بهذه المعلومات.

ولو كنا في بلد تسود فيه ديمقراطية حقيقية لكان من حقنا مساءلة المسؤولين المدنيين والعسكريين ومطالبتهم بالكشف عن الكيفية التي حصلوا بها على ممتلكاتهم وكيف ينفقون الميزانيات الموكولة إليهم وكان لزاما على هؤلاء أن يستجيبوا لطلباتنا.

ونظرا لأننا في بلد إسلامي وجب التذكير بأن عمر ابن الخطاب كان يفرض على من يحملهم شؤون الأمة أن يصرحوا بممتلكاتهم قبل تسلمهم المسؤولية، وأن يقوموا بالشيء نفسه بعد خروجهم من المسؤولية، حتى يتبين أنهم لم يستغلوا وظائفهم للاستغناء. والكل يعرف في هذا السياق قصة عمر ابن الخطاب مع أبي هريرة.

إن حقنا في معرفة ما يخفيه المسؤولون، ينبثق من أن ما يتقاضاه هؤلاء المسؤولين، من الملك إلى آخر موظف، مرده جيوب المواطنين.

إننا كمواطنين نستأجر هؤلاء المسؤولين ليكونوا في خدمتنا. وكمستأجرين لنا الحق في مساءلة ما يقوم به هؤلاء المسوؤلون- الأجراء، وما مآل الأموال التي نستأمنهم عليها.

إن الدولة بموظفيها وهياكلها هي في خدمة المواطن وليس العكس.

ولكن المشكل في بلدنا هو تنزيل الدستور إلى الواقع. فأكثر الذين يريدون سن قانون حول الوصول إلى المعلومة، في البرلمان المغربي، يريدون إفراغ مضمون الفصل 27 من الدستور، في حين أن الكونغرس الأمريكي والمحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية ما فتئوا يعملون كل ما في وسعهم لإثبات القانون المتعلق بالوصول إلى المعلومة وتقوية حق المواطنات والمواطنين إلى هذه المعلومة، ما يقوي حرية الصحافة ويضمن عملها.

إن قانون Freedom of information acte « et Privacy act » هما اللذين مكنا الصحافيين في قضية Watergate من القيام بمهامهم ما أدى إلى تنحية الرئيس نكسون من الحكم.

كما أن هذين القانونين هما اللذان مكنا New York Times من إجبار وزارة الدفاع الأمريكية على نشر الوثائق السرية المتعلقة بحرب الفيتنام.

إن 120 ألف مواطن ومواطنة في أمريكا يلجئون سنويا إلى هذه القوانين للوصول إلى المعلومة التي يريدونها والتي هي في ملك الإدارة الأمريكية.

إن هذا الحق في الوصول إلى المعلومة هو الذي يمكن الصحافة الاستقصائية من أداء مهمتها التي تكمن في “التنقيب العميق على الأشياء التي يريد البعض إبقاءها في الخفاء وتسليط الضوء عليها.

إنها تتجلى في محاسبة الأقوياء وفضح الفساد والجريمة والشطط في استعمال السلطة، سواء كان ذلك في اليسار أو اليمين في الحكومة أو المعارضة وأيا كانت هوية مرتكبي تلك الجرائم.

إن الكشف عن هذه الحقائق، عن طريق مقالات دقيقة ومقنعة، هو ما يسمح بالدفع نحو إجراء التغييرات السياسية وجعل المسؤولين السياسيين يمرون إلى الفعل”[1].

إن هذه الصحافة الاستقصائية هي العدو اللدود في بلادنا، للمخزن وآلياته. لأن هذه الصحافة تكشف عن المستور وتعري على الوجه الحقيقي لحكم مستبد.

إن هذه الصحافة تتعدى الخطوط الحمر، ليست تلك التي يتداولها الجميع والتي ينص عليها قانون الصحافة : الملكية، الوحدة الترابية، والإسلام. إن هذا الثالوث المحرم ما هو في الحقيقة إلا الشجرة التي تغطي الغابة.

إن الخطوط الحمراء التي نشير إليها هي تلك التي وضعها المخزن والتي تنأى بالمكتب الشريف للفوسفاط وONA – CDG – SIGER واتصالات المغرب، ولوبي الإسمنت. المتهم في قضية النفايات[i] عن المحاسبة، وهي كذلك التي وقفت وبنجاح في وجه الإفصاح عن لوائح المستفيدين من رخص الصيد في أعالي البحار، واستغلال مقالع الرمال والرخام، ورخص النقل “Agrément ” بجميع أصنافها وفي البحث في التلاعبات التي أدت إلى الوضع المزري الذي وصل إليه صندوق الضمان الاجتماعي. كما أجهضت عدة كل محاولات الكشف عن التلاعبات المالية في المؤسسات العمومية أو نصف العمومية كـ CIH … الخ، كما أنها أجهضت التحريات حول ثروات المسؤولين الكبار وفي جميع القطاعات المدنية أو العسكرية أو التي تمس المؤسسة الملكية.

إن هذه الخطوط الحمراء غير المكتوبة تمكن المخزن من التحكم في قطاعات عدة والإبقاء على سياسة الزبونية والولاءات التي ترسخ استمرار نظام استبدادي وتحكمي.

إن المس بهذه الخطوط هي التي أدت إلى اعتقال ومحاكمة صحافيين كثر وإغلاق عدة صحف ومواقع إلكترونية كـ : لكم le journal HEBDO – Demain – .

ولنتذكر ما كان قد قاله الحسن الثاني إلى ضباط جيشه بعد محاولة الانقلاب الثانية: “بعدو من السياسة وديرو لفلوس”.

في بلدنا السعيد “يمكن أن تقول ما تشاء في الحكومة والوزراء والمسؤولين، في حقوق الإنسان، والديمقراطية، والحرية، ولكنك عندما تمس في المال والثروات التي جمعت بدون حق، عندما تريد أن تكشف عن المستور والمسكوت عليه داخل المخزن الاقتصادي فستعاقب أشد عقاب.

ختاما، وكما قال صديقي الحكيم خريشيفة، نقلا عن البُصيري: “ومن شدة الظهور الخفاءُ”.

 

[1] – مارينا ويلكير المديرة المساعدة للإتحاد الدولي للمحققين الصحافيين.

[2] -أنظر المقال “فضيحة النفايات . لوبي الاسمنت … الجزء الغابر من جبل الثلج . من يحميه ومن المستفيد في أرباحه” موقع “لكم 2″.