عرف المغرب مؤخرا بمواقع التواصل الاجتماعي والصحافة الالكترونية والمكتوبة ، سخطا وشجبا كبيرا ، بسبب اقدام وزارة البيئة على التصريح لوحدة صناعية بالمغرب باستيراد نفايات بقصد الاستغلال الصناعي من دولة ايطاليا .

ويقراءة متانية لهذه المواقف يلاحظ ان معظمها يتسم بالسخرية المفرطة ، كما انه انصب فقط على وزيرة البيئة ، كما اقدمت وزارة هذه الاخيرة على اصدار بيان لطمأنة ااراي العام الوطني.

مما يوحي ان كل القضايا ولو كانت على درجة كبيرة من الاهمية، فالسخرية هي السبيل الامثل لمعالجتها. كما أن بلاغ الوزيرة يتسم بالتعميم وانها لا تشكل خطورة كبيرة على البيئة .

الا انه ما يستفاد من هذا الموضوع ان ايطاليا دولة ديمقراطية ، إلا انها للاسف بدلا من ان تتحمل مسؤوليتها في التخلص من هذه النفايات ببلدها ، عملت على تصديرها لدولة في الضفة الجنوبية لتتخلص منها ، ضدا على التزامات الدولة الايطالية بمقتضى الاتفاقيات الاوربية للحفاظ على البيئة والاتفاقيات الدولية التي التزمت بها وفي انتهاك صريح للشعب المغربي بحقه في بيئة سليمة . مما يبرهن ان للغرب وجهان، داخلي تحترم فيه مواطنيها، وخارجي تعامل فيه مع البشر كانهم لا اهمية لهم وغير جديرين بالاحترام.. وهذا هو الوجه الحقيقي للإمبريالية المتوحشة واشكال عولمة حقوق الانسان.

إلا انه ما يلاحظ هو أن هذه الوسائط مجتمعة ، تعرضت لموضوع أساسي . هو حق الانسان المغربي في محيط بيئي خالي من التلوث ، مما حعلها تتحول الى قوة في صناعة الرأي العام. وتعد بامتياز أداة فعالة لممارسة الرقابة الشعبية لعمل الحكومة ومحاسبتها على سياساتها العمومية .

إلا أنه ما يمكن ملاحظته هو ان الجميع لم يتناول الشركة المستوردة لهذه النفايات ، ومدى مطابقة عملها للقوانين الداخلية المتعلقة بالبيئة لترقى لدرجة المقاولة المواطنة .

ثم، هل يجوز لهذه الشركات ان تستعمل نفس المواد في بلدانها الاصلية ، أم أن الرأسمال الأجنبي حينما يستثمر بالمغرب او دول العالم الثالث ، من حقه استعمال الطاقة المضرة بالبيئة ، المحضور عليها استعمالها في بلدانها ، مما يطرح علينا سؤالا جوهريا على احترام الاستثمارات الأجنبية بالعالم الثالث ، لحقوق الشعوب مع صيانة محيطها البيئي باعتباره حقا اصيلا من حقوق الانسان التي لا يمكن انتهاكها .

كما أن ما سبق ، يفرض علينا التساؤل هل وزيرة البيئة وحدها من تتحمل مسؤولية ذلك لوحدها . أم أن الامر يتعلق بمسؤولية الحكومة برمتها ، باعتبار مسؤوليتها طبقا لاحكام الدستور ، مسؤولية تضامنية؟ وألا كان كل مسؤول وزاري يمثل حكومة قائمة بذاتها .  ومسؤول لوحده عن تدبير القطاع الذي يعمل على تسييره وبشكل مستقل ، وكأن الأمر يتعلق بحكومات عديدة .

ولكن الملاحظ أن العمل الحكومي بالمغرب ومن خلال ردود الفاعلين السياسيين المكونين له ، من تنافر في المواقف مع بعضهم البعض وتركيزهم على الهوامش في العمل والاهتمامات ، وانتقاد بعضهم البعض بشكل مستفز ، يستخلص منه أن النسق السياسي المغربي ، لم يتطور بعد ، للقول ان دستور 2011 انتج فعلا حكومة وفق المعايير الذيمقراطية , متضامنة وتشتغل على مشروع مجتمعي وبرنامج سياسي واحد .

يمكن الجزم قولا، أن المشهد الساسي سيظل على هذا الوضع ولأمد بعيد ، طالما أن الانتخابات بفعل قانونها الجديد ستشهد تشتتا كبير بفعل العتبة التيأاصيحت بسيطة تسمح للجميع بالتمثيل في البرلمان .

إن الموضوع رغم ما له من أهمية على صحة وسلامة المغاربة ومحيطهم البيئي وانخراط المغرب وبقوة في مشاريع الطاقة النظيفة ، وقبول المنتظم الدولي بتمكينه من شرف تنظيم المؤتمر العالمي للمناخ إلا أن سياسته العمومية في مجال البيئة هي سياسة متناقضة ولا تنسجم مع تصريحاته باحترام الحقوق البيئية بمنظور عملي وشمولي، يسمج بالتنمية المستدامة بسبب هيمنة الرأسمال على القرار السياسي . وعدم الوضوح الفعلي بين اقرار حقوق الانسان واعمالها فعليا ، وهو ما يعاب عليه من طرف فاعلين حقوقيين عديدين بالمغرب وخارجه .

ان المسؤولية السياسية للفاعل الساسي في أطار المبدا الاصيل في الديمقراطية، هو المحاسبة مقابل المسؤولية ، يجب تفعيله ، وألا يظل حبرا على ورق، ولهذا فالمطلوب هو اجراء تقصي شامل ، طول مدة ولاية الحكومة ، من لجنة تقصي مستقلة يقوم بها المجلس الوطني لحقوق الانسات ويعهد لمساعدته في الموضوع لمختبرات علمية متخصصة وطتية او ذولية . ليقف المغاربة جميعا على جقيقة هذا الموضوع ، كما أنه على المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ان يقول كلمته في الموضوع .

ان فضاء التواصل الاجتماعي يجب ان يتحول فعلا  إلى فضاء حقيقي لتقييم السياسات العمومية محليا ووطنيا وليس الى فضاء للتواصل الاعتباطي والعاطفي، لان المغرب بحاجة إلى ضمائر كبيرة ومواطن لا يتخلى عن أولى واجباته.

الاهتمام بالشيء العام والدفاع عنه، بشكل بناء وبروح من المسؤولية وهي نفس مسؤوليات المجتمع المدني بكل مكوناته , كل ذلك لتكوين مراقبة شعبية تعمل على تقييم السياسات العمومية وتقويمها وخلق رأي عام فعلي يضرب له ألف حساب قبل اتخاذ اي قرار يمس بسمعة المغرب ومصالحه.

*جمال الدين الشعيبي المحامي بهيئة تطوان وعضو المكتب المركزي للمنظمة المغربية لحقوق الانسان