بعد أن قال وزير العدل مصطفى الرميد في تصريح إذاعي "أنا لا أكذب" وبأن "المسلم لا يكذب" أكدت جماعة "العدل والإحسان" على لسان الناطق الرسمي باسمها فتح الله أرسلان أن الرميد يدلس على المغاربة في موضوع تشميع بيت مقر أمينها العام.

وفي هذا السياق، فصلت الجماعة في العديد من الحيثيات والتفاصيل التي تهم قرار تشميع بيت أمينها العام محمد العبادي، وذلك في رد على مراسلة وزير العدل التي تبرأ من خلالها من هذا الملف قبل أن يُلقي بـ"كرة اللهب" في يد وزارة الداخلية.

وجاءت توضيحات الجماعة على لسان ناطقها الرسمي فتح الله أرسلان، في بيان سابق يتاريخ 09 أكتوبر 2013، جاء فيه:

جماعة العدل واﻹحسان
الناطق الرسمي
بلاغ


حول جواب وزير العدل والحريات في قضية تشميع بيت الأمين العام لجماعة العدل واﻹحسان
على إثر الجواب الكتابي لوزير العدل والحريات السيد مصطفى الرميد المؤرخ ب 28 غشت 2013 عن السؤال الكتابي الذي سبق للفريق البرلماني لحزب الاستقلال مشكورا أن تقدم به في موضوع تشميع بيت الأمين العام لجماعة العدل واﻹحسان الأستاذ محمد عبادي. وقد جاء هذا الجواب ليكرس المسلسل الطويل من اﻹجراءات الظالمة في هذا الملف الذي امتد منذ سنة 2006 إلى اليوم. وقد استند الجواب إلى حيثيات قانونية وخلفيات سياسية حاولت أن تعطي الغطاء لتأبيد اﻹجراء التعسفي في حق الأستاذ محمد عبادي وفي حق جماعة العدل واﻹحسان. وهذا ما اضطرنا، في هذا البلاغ، إلى تفكيك تلك الحيثات القانونية والخلفيات السياسية التي استند إليها جواب السيد الوزير في النقط التالية:

1/ السيد وزير العدل والحريات لم يجب مباشرة عن القضية موضوع السؤال، وإنما قام بنقل إفادة السيد الوكيل العام للملك بوجدة، لأنه يعلم في قرارة نفسه أنه لا يستطيع تبني معطيات الجواب بشكل مباشر. كما أن هذا الجواب لم يتفضل أحد بتقديمه للأستاذ محمد عبادي رغم مراسلاته المتعددة، تكريسا لسياسة تجاهل حقه المشروع وحق جماعة العدل والإحسان في الحصول على جواب رسمي معلل.

2/ الجواب تضمن ما يفيد أن الإدارة الترابية، ممثلة في والي الجهة الشرقية، اتخذت بتاريخ 25/05/2006 قرارا بإغلاق بيت الأستاذ محمد عبادي عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان آنذاك وأمينها العام حاليا. والحال أن الأمر يستدعي توضيحا. فمن جهة لا وجود لهذا القرار المدعى به، ولم يسبق أن بلغ للأستاذ محمد عبادي ليمارس ما يخوله له القانون من طعون. كما أن الخاتم الذي كان موضوعا على الشريط الذي أغلق به المنزل يحمل شارة الشرطة القضائية، وسبق للإدارة بمناسبة المنازعة التي كانت قائمة أمام المحكمة الإدارية أن دفعت بكون هذا الإجراء تم بأمر من الوكيل العام وبالتالي يعتبر من أعمال القضاء الخارجة عن مراقبة المحكمة الإدارية.

3/ لم يتوقف جواب السيد الوزير، الذي اعتمد على جواب السيد الوكيل العام، عند ذكر سند شرعية قرار السلطات الترابية، أي السند والنص القانوني الذي يسمح لها أو يخولها سلطة إغلاق منزل السيد الأمين العام لجماعة العدل واﻹحسان، خصوصا وأن جميع العارفين بالقانون المغربي يؤكدون أن هذا الإغلاق لا يستند إلى أية شبهة مشروعية وأنه من قبيل أعمال الاعتداء المادي الذي يمس بحق من الحقوق المدنية الأساسية وهو حق التملك. إن القانون يلزم النيابة العامة بتحريك المتابعة ضد من اتخد هذا القرار باعتباره عملا تحكميا يقع تحت طائلة الفصل 225 من القانون الجنائي المغربي.

4/ الجواب قفز على الواقعة الأساسية التي هي وضع الأختام يوم 25/05/2006، وبحث عن سند مشروعية في واقعة ثانية لاحقة، وهي واقعة كسر الأختام التي تمت يوم 13/06/2006.

وحقيقة الأمر أن الأستاذ محمد عبادي، بعد تشميع منزله، تقدم بمراسلات كتابية لكل من الوكيل العام ووالي الجهة، ووالي الأمن بوجدة، يستفسر عن الأساس القانوني للإجراء. كما أجرى معاينة للأختام بواسطة مفوض قضائي، ثم معاينة بواسطة مأمور إجراءات تابع لكتابة الضبط بأمر من رئيس المحكمة الإدارية، كما تقدم بدعوى استعجالية رامية إلى رفع الاعتداء المادي. وبعد أن قضت المحكمة بعدم الاختصاص، وبعد أن قررت النيابة العامة حفظ شكايته المتعلقة بارتكاب عمل تحكمي ماس بالحرية، وتهرب باقي الإدارات من تحمل مسؤولية الأختام، وبعد عملية النهب والتخريب التي تعرضت لها ممتلكاته، قرر ولوج بيته في وقت حدده في رسالة مفتوحة وجهها للسلطات المعنية جميعا. وفي التاريخ المحدد، حضر الأستاذ محمد عبادي لبيته فوجده مطوقا بأصناف من القوات العمومية التي قامت بإلقاء القبض عليه رفقة مرافقيه، وإحالته على النيابة العامة التي قررت متابعته من أجل جنحة كسر أختام وضعتها سلطة عامة، كما قررت إعادة وضع الأختام من جديد.

وخلال مراحل الدعوى تقدم دفاع الأستاذ محمد عبادي بدفع أساسي يتعلق بسلطة القضاء الزجري في تقدير شرعية الأختام الموضوعة بتاريخ 25/05/2006، بناء على مقتضيات الفصل 44 من القانون رقم 41/90 المحدث للمحاكم الإدارية والذي جاء فيه: "إذا كان الحكم في قضية معروضة على محكمة عادية غير زجرية يتوقف على تقدير شرعية قرار إداري وكان النزاع في شرعية القرار جديا يجب على المحكمة المثار ذلك أمامها أن تؤجل الحكم في القضية وتحيل تقدير شرعية القرار الإداري محل النزاع إلى المحكمة الإدارية أو إلى المجلس الأعلى بحسب اختصاص كل من هاتين الجهتين القضائيتين كما هو محدد في المادتين 8 و9 أعلاه، ويترتب على الإحالة رفع المسألة العارضة بقوة القانون إلى الجهة القضائية المحال إليها البث فيه.للجهات القضائية الزجرية كامل الولاية لتقدير شرعية أي قرار إداري وقع التمسك به أمامها سواء باعتباره أساسا للمتابعة أو باعتباره وسيلة من وسائل الدفاع" .

حيث بين الدفاع أن هذه الأختام غير مشروعة ولا تستند إلى أي أساس قانوني ويتعين التصريح بذلك وبالتالي عدم اعتبارها محمية بمقتضيات القانون الجنائي.

وبالرجوع للحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بوجدة بتاريخ ع19/10/2006 في الملف الجنحي العادي رقم 4481/2006، فقد أجابت المحكمة عن هذا الدفع بما يلي: "حيث إنه فضلا عن هذه الدفوعات فقد أثار الدفاع مسألة البث في شرعية قرار السلطات العامة بشأن إغلاق مقر جماعة العدل والإحسان طبقا للمادة 44 من ق م ج، وأن هذا يرد عليه أن اختصاص البث في القرارات الإدارية أوكله المشرع للقضاء الإداري من خلال قانون إحداث المحاكم الإدارية الذي منحها حق إلغاء القرارات الإدارية التي تكون مشوبة بعيب من عيوب الشطط في استعمال السلطة وأن الملف خال مما يفيد قيام الجهة المتضررة من قرار الإغلاق من سلوك مسطرة القضاء الإداري مما يجعل الملتمس غير جدي يتعين رده" .

بقراءة هذا التعليل يتبين من جهة أن جواب السيد وزير العدل الذي استند الى إفادة الوكيل العام فيه تدليس، فالمحكمة لم تصرح أبدا بشرعية الأختام، ولم ترفض طلب الدفاع، بل ردت الدفع بعلة عدم اختصاصها للبث فيه، ثم إن مقارنة هذا التعليل بنص الفصل 44 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية يبين أن تعليل المحكمة خاطئ ومخالف للفصل المذكور فإن من ولاية المحكمة الزجرية أن تبث في شرعية أي قرار إداري عرض عليها كأساس للمتابعة أو باعتباره وسيلة للدفاع.

5/ وفي نفس الحكم قضت المحكمة في الموضوع بما يلي: "وحيث إنه طالما أن المحكمة قد ثبت لديها أن الأختام الموضوعة على الباب الرئيسي للمقر قد تم كسره من قبل الظنين الأول بمشاركة باقي الأظناء وأن وضع هذه الأختام مشوب بالشرعية فأن لا موجب لإزالة هذه الأختام وبالتبعية لا مبرر لرفع الحجز عن المفتاح المحجوز لأنه بواسطته ولج الأظناء إلى المقر مما يتعين معه عدم الاستجابة لملتمسي الدفاع" وخلصت بعد إدانة الأستاذ محمد عبادي ومن معه ومعاقبتهم إلى "رفض ملتمسي رفع الحجز عن المحجوز ورفع الأختام" . فالطلب الذي رفضته المحكمة هو طلب إرجاع المفتاح للسيد محمد عبادي، وطلب رفع الأختام الثانية التي وضعت بتاريخ 19/06/2006، والتي ضم محضر وضعها إلى الملف. وقد أشار هذا المحضر صراحة إلى أن إرجاع الأختام تم من طرف الشرطة القضائية بناء على تعليمات النيابة العامة.

فلا ينبغي الخلط بين تقدير شرعية الأختام الأصلية التي وضعت يوم 25/05/2006 والذي امتنعت المحكمة عن البث فيه امتناعا يخالف القانون، وبين رفض المحكمة طلب رفع الأختام التي وضعت بتاريخ 19/06/2006. إن هذا الخلط هو نوع من التدليس الذي يحاول أن يخفي حقيقة واضحة وصريحة وهي أن هذا التشميع غير مشروع ولا أساس له، وأنه تم بتغطية من النيابة العامة، التي يترأسها ويتحمل مسؤوليتها الآن السيد وزير العدل والحريات.

6/ هذا الحكم تم تأييده استئنافيا بتاريخ 29/03/2007، وطعن فيه الأستاذ محمد عبادي ومن معه بالنقض فصدر فيه قرار للمجلس الأعلى بتاريخ 21/10/2007، قضى بسقوط طلب النقض بعلة عدم تقديم عريضة بيان وسائل الطعن، لكن المجلس الأعلى أصدر قراره دون احترام أجل الستين يوما التي يمنحها القانون لتقديم العريضة طبقا للفصل 528 من قانون المسطرة الجنائية. إنه خرق آخر ترتكبه الدولة في شخص أعلى هيئة قضائية ليعلم الجميع أن المسألة ليست مساطر وإجراءات وإنما إرادة سياسية.

7/ جواب السيد وزير العدل جاء متأخرا جداً في الرد على سؤال البرلماني الاستقلالي السيد عادل تشيكيطو مشكورا، رغم أن الموضوع سبق أن أثير في سؤال آخر من طرف برلمانيين من حزب العدالة والتنمية مشكورين. كما أنه جواب لا يخلو من توظيف سياسوي حينما أشار السيد الوزير في جوابه إلى أن الموضوع منته منذ 2007، أي في عهد الحكومة السابقة. وهو مبرر غير مقبول خصوصا وأنه بهذا المنطق لا تبدو نهاية منظورة لهذا الخرق السافر، والذي سيستمر لمدة أخرى بشكل غير معقول. كما يفضح زيف الخطاب المعلن للوزير وحكومته والمستند إلى القطع مع مظالم الماضي، بل إنه يصر على تكرار أخطاء اﻵخرين.
8/ يملك وزير العدل والحريات سلطة قانونية في تقديم الطعن في كل حكم نهائي صدر بشكل مخالف للقانون، وهي سلطة يمكن للسيد الوزير استعمالها حتى لو اعتبر أن حكم محكمة وجدة أصبح نهائيا بدل الاكتفاء بإفادة معيبة. فهل يقدم السيد وزير العدل والحريات على هذه الخطوة؟ هل يجرؤ؟ ننتظر.

9/ من المهم هنا التذكير بقرار محكمة الاستئناف بالناظور التي ألغت الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بالناظور بخصوص ملف مماثل، وصرحت ببراءة المتابع فيها السيد جمال بوطيبي، وذلك في قرارها الصادر بتاريخ 2007/02/22 ملف جنحي عادي عدد2007/1 قرار عدد 271، والذي جاء فيه:

"بالنسبة لكسر أختام موضوعة بأمر من السلطة العامة" . "حيث إن الشرطة القضائية قامت بإغلاق منزل المتهم وتشميع بابه بناء على تعليمات الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالناظور وأن المتهم قام بفتح المنزل بعد أن قام بكسر الختم" . "وحيث إن إغلاق المحل أو المؤسسة التي استغلت في ارتكاب الجريمة يعتبر من التدابير الوقائية العينية طبقا للفصل 62 من القانون الجنائي ويجب أن تقضي به المحكمة التي تصدر العقوبة الأصلية والحال أن إغلاق منزل المتهم كان بأمر من الوكيل العام للملك وقبل صدور الحكم من أجل الأفعال المتابع بها المتهم" . "وحيث أنه بمراجعة ظهير 1958/11/15 المتعلق بالتجمعات العمومية، يتضح أنه لا يتضمن كتدبير وقائي إغلاق المقرات والمحلات التي تعقد فيها التجمعات العمومية بدون تصريح، وعليه يبقى أمر إغلاق منزل المتهم عمل غير مشروع، وبغض النظر عن قيام المتهم بكسر الختم الموضوع على منزله أو عدم قيامه بذلك، فإن الدخول إلى المنزل بعد كسر الختم من طرف المتهم يبقى مبررا مادام وضع الختم بداية كان من جهة غير مخولة قانونا للقيام بهذا التدبير، وقبل صدور العقوبة الأصلية" . "وحيث إنه، واستنادا إلى ما ذكر، تكون جنحة كسر أختام موضوعة بأمر من السلطة العامة غير ثابتة في حق المتهم، وأن الحكم المستأنف عندما قضى بإدانته من أجلها، كان مجانبا للصواب ويتعين إلغاؤه في هذا الجانب" . وبعد رفض طعن النيابة العامة في هذا القرار، وبعد ضغط ومشاورات، أمرت النيابة العامة بالناظور (التي هي تحت إمرة وزير العدل) برفع الأختام عن بيت السيد جمال بوطيبي خلال سنة 2011، ثم عن بيتين آخرين في كل من زايو والعروي.

10/ كما يجب التذكير بأن الأستاذ محمد عبادي قدم عدة شكايات إلى النيابة العامة بسبب ارتكاب عمل تحكمي ماس بالحرية طبقا للفصل 225 من القانون الجنائي لكن هذه الشكايات كان مصيرها الإهمال والحفظ، رغم أن هذه الأفعال هي من الخطورة بحيث تكرس واقع انتهاك جسيم طال في الزمن.

11/ كما يجب التذكير بأن منزل الأستاذ محمد عبادي تعرض ولا يزال يتعرض لأعمال تخريب ونهب متكررة، لم تقم إزائها السلطات بأي إجراء رغم شكاياته ومراسلاته المتكررة والتي شددت على رغبته في تأمين منزله في انتظار إيجاد حل للقضية.

12/ ورغم العديد من المساعي الحقوقية المحلية والدولية، ورغم وضوح الانتهاك والتضييق، ارتباطه بحق الأستاذ محمد عبادي في الانتماء وفي حرية التجمع السلمي حرية التعبير عن الرأي، فإن جواب السيد وزير العدل والحريات جاء ليكرس واقع أن السلطات السياسية في المغرب لا زالت مصرة على محاصرة فكر ورأي جماعة العدل والإحسان، وإن اقتضى الحال استعمال التدليس والتغليط في تبرير ذلك. فملف منزل الأستاذ محمد عبادي ليس معزولا عن ملفات أخرى من مثل منزل السيد محمد عطواني المشمع هو الآخر بمدينة بوعرفة، وملف اعتقال الأخ عمر محب، وملف محاكمة الأستاذة ندية ياسين، وملف حصار الفنان رشيد غلام وملف الجمعيات الممنوعة والمحاصرة، والأئمة والخطباء الموقوفين، والاعتكافات المقموعة، والمنابر الإعلامية الموؤودة، والحرمات المستباحة، والأرزاق المقطوعة. إذ لا بد من التشديد على أن جوهر القضية ليس اختلافا حول مساطر وأحكام ومحاكم، فقضية البيت الأسير، وقضية التضييق على الأستاذ محمد عبادي إنما هي عنوان لانتهاك حقوق وحريات جماعة العدل والإحسان وحقوق منتسبيها والمتعاطفين معها. وهي جزء من واقع انتهاكات حقوق الإنسان في مغرب ما بعد الربيع العربي.

الرباط 03 ذو الحجة 1434 الموافق ل 09 أكتوبر 2013