" إنني رئيس حكومة يضع ثيابه في حقيبة، ومستعد للمغادرة في أية لحظة".
هكذا تحدث بنكيران في جلسة برلمانية معبرا عن زهده في السلطة واستعداده للإنسحاب من موقعه في أي وقت. وهو بهذا الكلام يعود مرة أخرى إلى ترديد نفس اللغة التي تحدث بها في مناسبات كثيرة، وذلك من أجل أن يبدو في موقع المسؤول الذي يؤدي واجبه بحكم المهمة الحكومية المخولة له بعيدا عن حسابات السلطة والتشبث بالكرسي. وهو لا يكف عن الحديث بهذه الطريقة كلما اشتد عليه الخناق وحاصرته سهام النقد بسبب سياساته الإقتصاديةوالإجتماعية التي توصف بأنها لاشعبية.
السيد بنكيران بإصراره على ترديد لازمة الزهد في الكرسي يتهكم على خصومه السياسيين ويمارس "التبوريدة السياسية" بطريقته التي لا تخلو من طرافة، فهو يريد أن يكرس لدى الرأي العام الوطني قناعة مفادها أن هؤلاء الخصوم الذين يهاجمون حكومته في كل مناسبة، إنما يفعلون ذلك لأنهم أصبحوا بعيدين عن سلطة اتخاذ القرار بحكم الإرادة الشعبية التي أسفرت عنها انتخابات 25 نونبر 2011. وهذا يعني أن بنكيران يقول للمغاربة بلغة التداول العام بأن مواقف قوى المعارضة لا يحركها سوى الحنين إلى الكراسي. أي أن رئيس الحكومة يقول للمغاربة بأن الحسد والغيرة وحدهما هما المفسران لكل الإنتقادات التي يتعرض لها هو ومعه فريقه الحكومي. وهو ما يتناغم مع خطاب المظلومية الذي يلتجئ إليه باستمرار ويحاول من خلاله مداراة فشله الذريع في تنفيذ برنامجه الإنتخابي الذي تعاقد عليه مع الكتلة الناخبة، وخصوصا في ما يتعلق بالرهان الإقتصادي المتمثل في الرفع من نسبة النمو، وكذا ( وهذا هو الأهم) في ما يتعلق بمحاربة الفساد... فهو يبرر فشله باتهام قوى الممانعة التي تعرقل وتعيق مشاريعه الإقتصاديةوالإجتماعيةو"الأخلاقية "أيضا التي يحملها برنامجه السياسي. وهو ما يذكرنا بقاموس " كليلة ودمنة " الذي ميز خطاب بنكيران في النصف الأول من ولايته الحكومية عندما استعمل أوصافا مقيدة ضد مجهولين من قبيل التماسيح والعفاريت للإشارة إلى قوى الممانعة تلك...
إن خطاب بنكيران الزاهد في السلطة يحمل رسالة مبطنة يسوق فيها لحزبه بالدرجة الأولى ولشخصه بالخصوص، فهو حريص على البقاء في الحكومة، لأنه ينعم بخيرات السلطة ونعيمها بعدما كان مفجوعا عندما كان في المعارضة.
أو ليس هذا ما يدل عليه كلامه في الجلسة البرلمانية المذكورة - وهو يرد على تدخل نائبة برلمانية لمزت شعرا إلى حبه للكرسي وتشبثه به - عندما قالحرفيا :
" إذا كان لنا اليوم المواقع ولكم المواجع والمراجع،
فقد كانت لكم قبلنا المواقع، وكان لنا المواجع والمراجع"؟؟.
مثل هذا الرد الذي عودتنا عليه قفشات بنكيران وطرائفه يدل على أن زهده المزعوم والمعلن في السلطة يحمل رسالة مبطنة فيها دعوة للمغاربة بالتصويت لهولحزبه في الإنتخابات المقبلة.وكأني به يخير المغاربة بين من لا يهمه الكرسي( وهو مجرد ادعاء على أي حال) ومن يسعى إليه ويطلبه.ولأنه يفتح حقيبته فلا يجد فيها ما يغري المغاربة على تجديد الثقة فيه وفي حزبه، فإن السيد بنكيران يستجدي أصواتهم عبر نهج استراتيجية الهجوم على خصومه الذين يتهمهم بالتحكم ويحملهم مسؤولية تعطيل مشاريعه التي يسميها " إصلاحية".
والمفارقة هنا أن رئيس الحكومة يقدم نفسه للشعب كمقاوم لقوى التحكم التي أنتجتها وصنعتها دوائر المخزن، لكنه في الوقت نفسه لا يضع نفسه في مواجهة مباشرة وصريحة مع هذه الدوائر، بل يكتفي باللمز والغمز في أكثر الأحوال. إنه يشتكي من التحكم ويرفضه، إلا أنه يمارسه بطريقته الخاصة في استغلاله الفاضح للدين في مختلف خرجاته من جهة، وفي أسلوب إدارته وتدبيره للملفات الثقيلة التي انكبت عليها حكومته ( صندوق المقاصة – نظام التقاعد – القانون التنظيمي للأمازيغية...) من جهة ثانية، وكذا في سعيه الدائم إلى تجنب الإصطدام مع المؤسسة الملكية التي يقحمها في كثير من أحاديثه، ويبحث عن رضاها بكل السبل والوسائل من جهة ثالثة.