العلام: هذه أسباب تعظيم الصوم مقارنة بعبادات أخرى وتحول المجتمع من التسامح مع المفطر إلى التشدد

34

تُعاقِب المادة 222 بالحبس من شهر إلى 6 أشهر وغرامة على كل من عرف باعتناقه الدين الاسلامي، وتجَاهر بالإفطار في نهار رمضان، في مكان عمومي، دون عذر شرعي. وهذه المادة يثار حولها الكثير من النقاش ليس لوجودها ضمن التشريع الجنائي وحسب، بل أيضا لأسباب أخرى تتعلق بتاريخ دخولها القوانين المغربية والغايات المتوخّاة منها، وبمضمونها المهتزّ والمفكّك والمفتوح، وأيضا بسبب تبعات تفعيلها. لقد اشتهر عند المسلمين أن مسألة الصيام تخصّ المسلم وربه مصداقا للحديث “الصوم لي وأنا أجزي به”، و حديث “كنا نخرج مع رسول الله، منا الصائم ومنا المفطر، ولا يعيب الصائم منا على المفطر ولا يعب المفطر على الصائم”، كما أن المغاربة تعوّدوا على التسامح في هذا الأمر سيما في أوقات الحصاد والأعمال الشاقة، وكل بيت مغربي يتضمن العديد من القصص في هذا المجال التي تُروى على سبيل التفكّه والمُزاح، حيث يذكّر بعضهم البعض باليوم الذي أفطر فيه رمضان، قبل أن يواجهه الطرف الآخر بخجل ظاهر ويتبعه باستغفار على ذلك الخطأ، وربما يحمد الله أنه لم تتم معاقبته علىى تلك “العَمِلة” وإلاّ كان ضحية “قلّة عقل” عابرة، وكان ذلك ربما تسبب له في مشاكل اجتماعية واقتصادية أو تربوية في حالة إيداعه السجن مع المجرمين والقتلة وتجار المخدرات.

لكن الذي حدث أنه مع مجيء الاستعمار، شرّع المستعمر نصا قانونيا يمنع بموجبه على جنوده الافطار العلني مخافة قتلهم، وهو النص الذي تم الاحتفاظ به في أول تشريع جنائي المغربي بداية الستينات، والذي لم يتم تفعيله إلا في بعض الحالات السياسية التي كان يُتابَع أصحابها بجنحة الافطار العلني.

المسألة الأخرى المرتبطة بهذا الموضوع هو قضية المجاهرة بالافطار: هل تعني أن يقوم المرء داخل الأماكن العمومية بالاعلان بأنه ليس صائما وأنه سيفطر ضدا عنهم؟ أم أنه مجرد الجلوس في مكان عام والأكل في نهار رمضان؟ فإذا كان المشرع يقصد بالمجاهرة السؤال الثاني، فإن الأمر فيه إفراط وتدخل في حياة الانسان، وفي هذا الصدد تُطرح العديد من الأسئلة التي تحمل في طيّاتها بعض الاشكالات والإجابات: من سيحدد معنى “المعروف اسلامه” هل فقط لأنه ولد في بلد مسلم أم لأنه يحمل اسما اسلاميا؟ ومن سيحدد وجود العذر الشرعي من عدمه؟ وهل سيتم اعتقال الناس والتحقيق معهم حول ما إذا كانوا مسافرين أو لديهم عذر شرعي يمنعهم من الصوم؟ وما الخطر الذي يشكله مواطن يأكل في مطعم أو حديقة أو قطار على الصائمين؟ هل يقوم باستفزازهم أم بإثارة شهيتهم للأكل؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا لا يستفزهم الذي يفطر بعذر شرعي، ولماذا لا تثير شهيتهم الأغلبية التي تأكل عندما تكون الأقلية صائمة تطوعيا خارج شهر رمضان، ولماذا لا يثير استفزازهم وشهيتهم آلاف السياح الذين يُعمّرون المطاعم المغربية نهار رمضان ويكون النادل أو الطباخ المغربي الصائم هو من يخدمهم؟ وما الذي ينقص من إيمان الذين يصمون رمضان في دول فيها حرية الصيام مثل: تونس، وتركيا، والهند، وإندونيسيا وتايلاند وغيرها من الدول التي يوجد فيها مسلمون ربما أكثر من المسلمين الذين يعيشون في الدول الاسلامية؟ ولماذا التركيز فقط على الصيام وليس على الصلاة مثلا التي هي عماد الدين حسب القول الديني؟ وما نتيجة إيداع مواطن السجن فقط لأنه أفطر أحد رمضانات عُمره؟ هل سيتعوّد على الافطار بقوة، أم سينصلِح حاله في السجن، أم سيُدفع إلى مزيد من الإيمان، أم سيتخرّج مجرما من السجن، أم سيتم إثقال أسرته بمصاريف الزيارة، أم سيتم تعمير السجون بأناس لا يتوفرون على الشخصية الجُرمية ويُترَك المجرمون الذين يشكلون خطرا على اقتصاد وسياسية وأمن المجتمع؟

هذه الأسئلة وغيرها هي ما تدفع إلى الإلحاح على رفع تجريم الافطار في رمضان، وأن يتم بدل ذلك، معاقبة كل شخص يريد أن يكره الناس على اعتناق ما يَعتنقه، أو يسعى إلى اسفزازهم أو السخرية من عباداتهم أو فلسفاتهم الحياتية، إذ لا يمكن مثلا السماح بأن يخرج مواطن إلى الشارع ويدعو الناس إلى إفطار رمضان ويشرع في الأكل أمام أنظارهم عمدا ورغبة منه في السخرية منهم، أما أن يجلس في مطعم، أو يعمر مقهى، أو يأكل في قطار دون أن تصاحب ذلك أي سخرية أو تعمّد إحداث مشاكل، فإن الأمر لا يعدو أن يدخل في إطار الحرية الشخصية التي تجب حمايتها، ورب سائل: وماذا تعني الدولة إسلامية الواردة في الدستور إذا كانت الدولة ستسمح بحرية الايمان إتيان طقوس العبادة؟ لكن على صاحب هذا السؤال أن يُدرك قبل طرح سؤاله أن الدولة لا تُسلِم ولا تؤمن لأنها كيّان رمزي لا يؤمن ولا يُلحد بل الذين يفعلون ذلك هم المواطنون بمحض إرادتهم، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن إسلامية الدولة في نظر المدافعين عنها تفرض أيضا إجبارية الصلاة والزكاة وفرض الجزية على غير المسلمين، وقطع يد السارق، والرجم، وتطبيق حد الردة…أم المعاقبة على إفطار رمضان فهي تأتي في آخر سلم أولوياتهم وربما لا تأتي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

6 تعليقات

  1. مواطن يقول

    هدا النص المشؤوم يعارض ما هو وارد في النص القرآني حيث يخاطب كل إنسان ويحمله المسؤولية بشكل فردي اذ عليه أداء فدية اذا لم يصم …القرآن لم يأمر جهة معينة بالتدخل وارغام الناس على الصوم . ثم ما قيمة مسؤولية الإنسان على ما يأتي من أفعال أمام الله إذا كانت ممارساته مبرمجة ومتحكم فيها سلفا .?

  2. rachid يقول

    تصويب مغالطة شائعة: حول تاريخ تجريم الإفطار العلني
    كثيرا ما يروج أن الفصل 222 الذي يجرم المجاهرة بالإفطار في رمضان هو إرث استعماري حافظ عليه المُشرع المغربي، وقد تم وضعه لحماية الجنود الفرنسيين، وهو كلام غير صحيح، فهو لم يوضع من “أجل منع الفرنسيين من الأكل” لأنه بكل بساطة يُخاطِب من عرف باعتناقه الدين الإسلامي وهو ما لا ينطبق على الفرنسيين.
    كما أنه ليس إرثا استعماريا حيث أنه بعد سنة 1913 حاول المستعمر التقنين الجنائي عبر نصوص متفرقة تم تجميعها لأول مرة في مدونة جنائية صدرت في الجريدة الرسمية لعدد 19 نونبر سنة 1953 وتضمنت الجرائم الماسّة بإقامة الشعائر الدينية في الفصلين 167-168 ولم تنص على دين دون آخر بل عاقب على تدمير وتدنيس البنايات الدينية وعرقلة إقامة الشعائر الدينية عموما دون تمييز لدين على حساب دين آخر، ولم يظهر الفصل 222 المشؤوم إلا في المدونة الجنائية الصادرة في الجريدة الرسمية ل 05 يونيو 1963.

  3. جبلي يقول

    جمل منافقة فيرمضان ومن هنا يظهر البرهان.كيف يعرف معتنق الاسلام من عدمه.ام الامر يتعلق بفرض الدين على المواطن ايمواطن؟ان الامر هو ام الحريات الفردية وابتعدوا عن الناس وابحثوا لكم عن مسلك جديد تدوخون به الناس.

  4. كاره الظلاميين يقول

    هذه من نتائج الفكر الظلامي المتخلف لحزب بنزيدان وعشيرته
    ان الافكار الداعشية عرفت تطورا تصاعديا في التطرف الى أن أصبحت على ما هي عليه الآن
    فلقد بدأ أنصار البواجدة بالطلب من المرأة باللباس المحتشم ثم بعد ذلك زينوا لها ارتداء الحجاب بعد ذلك أمروها بوضع البرقع أو النقاب ثم أرغموها على ملازمة البيت وغدا سيقومون بوأدها اتقاء لشرها
    أما فيما يخص الحريات الفردية فقد كانوا يقولون: فان ابتليتم فاستتروا،وهاهم الآن يتجسسون على المواطنين في عقر دارهم ليصدروا فتاوى وأحكام تحريضية تدعو للعنف والانتقام وغدا سوف يحملون السلاح ليطبقوا قوانين الجاهلية في المواطنين

  5. المختار يقول

    العلم نور, شكرا.

  6. Kurt Bernstein يقول

    Plusieurs Milliards de BRAVOS

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.