عند رجوعي من منفاي الاختياري، منذ قرابة سبع سنوات، حاولت أن أعيد النظر في بعض المسلمات التي كانت تشكل عندي هاجس رعب و خوف من الحكم و الحكام، و ما كان بوسعي أن أحتفظ بهذا الغم لنفسي، أو أتحمل و حدي ما يضعه من مسؤولية جسيمة على كاهلي، و التوغل في خط الخطيئة، فتوجهت و أنا مثقل بهذا العبء الوازن، و الأمل العظيم يراودني في زحمة المخاض، إلى روح العقل و معالم البصر بعيدا عن أسى و شجن الجرح العميق.

كنت خائفا من مستقبل الأيام الآتية، و من مخاطر الرجوع إلى الوراء و ما يدفع به اليأس لصناعة حاكم يرغب فيه المشرق و الغرب، و يقبل به أهل السياسة و التقنوقراط ببلادي. والغريب أن طبيعة هواجسي هي التي كانت تبعدني عن المواجهة التي كانت دائرة في فضائنا السياسي حول الخماسي المنحوس: الديمقراطية و الفكر و الحرية و العنف و القيم.

كان هناك تصميم مسبق و غريب من أجل إنهاك ما تبقى من الأمل، و تعويضه بحاكم يرعى الهوى والريح و لا يتعب من خطاب الانجازات الوهمية و المهام التافهة التي لا قيمة لها و لا أثر لها على أرض الواقع.

فكرت ساعتها فيما يصيب الأمة السياسية من حمق و أذى في غفلة الاقتراب من الاستحقاق لتعديل المسار و تغيير الطريق. جنون و فوضى لملئ الفراغ خوفا من العنف و الفتنة و التطرف الأعمى، لكي لا يكبر الحقد و التعصب و نسقط في محنة دموية.

لم يكن لدي الوقت ولا الكفاءة لدراسة الرواسب التاريخية والوعي بطبيعة الصراع وطرح بديل ممكن لقطع الطريق على حاكم الهوى والريح ، كانت الفرص المتاحة غير ملزمة للأمة السياسية، ما دام رصيد تجاربها كان قد أصابه العياء والملل والصدأ من جراء الجمر و الرصاص، رغم الرصيد الشعبي الذي تحول بقوة الأشياء إلى قصص و روايات و أغاني لعموم اليائسين.

عنوان المرحلة كان هو تقويض تجربة حاكم الإصلاح والدفع بموازين القوى إلى درجة الصفر، والقفز على نخب الأمة السياسية وإغلاق نوافذ الأنوار.

لم أجد أمامي سوى فرصة التفكير في جمع أحلامي و الاستعداد للرجوع من حيث أتيت، متجرعا كأس هزيمة نكراء أمام حاكم الهوى و الريح، وهو متربعا تحت شعار قدسية الجنة والنار و صدق النوايا و طهر الأهداف.

ولأن النار تخيفني، ولأن الرأي العام يحتاج لنظام ديمقراطي ولمؤسسات قوية ليرجح رأيي على حاكم الهوى والريح أو العكس، ولأن المجتمع الديمقراطي لا يمكن بناؤه عن طريق التخويف بالعقوبة وعدم تشجيع الفكر و لأمل والخيال، ولأن الخوف يولد القمع.. فالطريق الأفضل الذي وجدته أمامي، مرة أخرى، للإفلات من قبضة حاكم الريح والهوى، هو الانخراط في موجات السخط للحفاظ على وهم السلم الاجتماعي! في انتظار موعد السفر..

لم أكن في حاجة إلى دروس الدعم والتقوية، لكن ورفعا لكل التباس أو مغالطة، و قبل أن أفكر في الرحيل، قلت لابد من معرفة الحقيقة السياسية التي قادت حاكم الهوى والريح إلى السلطة، و لماذا هو بالضبط وليس غيره؟

صبرت وأنا أقاوم هذا السيل الجارف من الجراح والألم، ومطلبي و معيشي هو الحرية و الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة والكرامة.

وبعد، لم يكن يخامرني أدنى شك وأنا أتشبث بحقي في الكلام عن حاكم الهوى والريح، أن حرية التعبير آلية من آليات المشاركة السياسية، وتقودني من دون جواز السفر إلى المعترك السياسي، هنا أو/ و هناك، لأن المشاركة السياسية هي الوسيلة الناجعة لتحقيق الذات الفردية للإنسان، وكرامة الفرد تزداد بالاعتراف بحقه في المشاركة.