في شهر أبريل من السنة الماضية، وداخل البرلمان المغربي، وفي جلسة تابعها ملايين المغاربة على شاشة التلفزيون،  قال ادريس لشكر، زعيم  آخر نسخة (..) من "الإتحاديين" لزعيم "العدالة والتنمية" عبد الإله بنكيران "أنت سفيه"، فرد عليه بنكيران: "ماكاينش سفيه اكثر منك".

لم يسحب لشكر عبارته ولا سحبها بنكيران ولا هما قدما اعتذارا للشعب المغربي على هذا السباب العلني، أو اعتذر أحدهما للآخر لاحقا، قبل أن يُفاجأ المغاربة، مساء السبت 12 يونيو الجاري، وهم يتابعون على نشرات وسائل الإعلام "السفيه" بنكيران يدخل مقر حزب "السفيه" لشكر.

لم تكن طريق "السفيه" بنكيران إلى مقر حزب "السفيه" لشكر مفروشة بالورود بل سمع بنكيران ما تقشعر له الأبدان على لسان اتحاديين رافضين دخوله لمقرهم، الأمر الذي يفتح الباب على مصراعيه لأسئلة مشروعة منها: لماذا قبل رئيس الحكومة ووزراؤه كل هذه الإهانة والسب والقذف في حقهم؟ ألم يكونوا على علم برفض قبول زيارتهم؟ لماذا الإصرار على هذه الزيارة رغم كل الإساءات البليغة لهم، في وقت يرفضون فيه العديد من الدعوات لزيارات مماثلة؟  ثم كيف قبل لشكر دخول بنكيران لمقر حزبه وهو الذي وصف عمر بنجلون بـ"الكلب الأجرب"؟ ألم يكن على علم بردود أفعال زملائه في الحزب اتجاه هذه الزيارة؟ وما هو ربحه السياسي منها؟

هناك سلوك قار بين سلوكيات قادة حزب "العدالة والتنمية" وأعضائه، فحين تتابعهم لعنة من اللعنات أو جريمة من الجرائم، يسعون إلى البحث عن "صكوك غفران"، ليظهروا أمام الرأي العام أنهم كانوا مجرد ضحايا لأقليات تكرههم وأن التاريخ اليوم ينصفهم.

فعندما تعالت الأصوات المُطالبة بمحاكمة القيادي بحزبهم عبد العالي حامي الدين، بسبب شبهات تورطه في مقتل الطالب آيت الجيد محمد بنعيسى، سعى حامي الدين إلى  الحصول على "صك غفران"، عبر المشاركة في ندوة من داخل جامعة "ظهر المهراز"، حتى يقول لاحقا للرأي العام: "كيف تتهمونني بالمشاركة في قتل طالب جامعي، والطلبة استقبلوني بالأحضان في الجامعة، بل وخصصوا لي مقعدا على منصة لتأطيرهم فكريا، إن كل الإنتقادات المُوجهة إلي هي فقط انتقادات معزولة لشردمة من الحاقدين علي وعلى تجربتنا الحكومية؟

وحين شاعت "جرائم" وزير العدل ضد قضاة الرأي وضد الصحافيين المستقلين، وبعد أن فقد، بحسبه، أصدقاءه، وبعد أن خسر قطاع واسع من المحامين وكتاب الضبط والعدول، ووجد نفسه أمام عزلة قاتلة، فكر في الحصول على "صك غفران" فدبر في الخفاء بتنسيق مع نقيب خنوع، تكريما، ويا للفضيحة والخزي والسابقة التي ستبقى وصمة عار على جبين المكتب الحالي لـ"جمعية هيئات  المحامين في المغرب"، أن هذا "التكريم المخدوم" جرى بمدينة  الوزير "الجديدة"، وعاصمة منطقته، وكل ذلك حتى يقول الوزير للرأي العام: أنا محامي وهذه حقيقتي ومكانتي الطبيعية، وأن كل الإنتقادات الموجهة إلي بسبب عزل قضاة الرأي ومتابعة الصحافيين والعجز عن محاربة الفساد وفتح بحث في وثائق "بانما"، والأخطر العجز عن حماية حقوق المواطنات والمواطنين، هي فقط انتقادات معزولة لشردمة من الحاقدين علي وعلى حصيلتي الوزارية وتجربتنا الحكومية؟

وحين يزور بنكيران مقر "الإتحاديين" فإن خلفية الزيارة لا تخرج عن هذه الحسابات السياسية، فهو بدوره يبحث عن "صك غفران" بعد أن شبع "غنائم وأواني فضية"، وكأنه يقول للمغاربة من وراء هذه الزيارة: هذه حقيقتي، أنا اتحادي بالأصل، ولا علاقة لي بأي جريمة سياسية، وهذه شهادة ميلادي، ومن داخل الدار الإتحادية، على أني كنت ضحية يساريين والمخزن، وأن كل الإتهامات الصادرة ضدي هي مجرد اتهامات كاذبة مصدرها أقلية اتحادية حاقدة، تبخر صوتها اليوم أمام صوت العقل والحكمة والرزانة".

ورب سائل يسأل  وأين مصلحة لشكر ومكتبه السياسي من هذه الزيارة حتى يقبل كل هذه الإهانة؟

لشكر، وبعد أن تأكد أن حزبه لا يوجد ضمن حسابات "البام" ما بعد 07 أكتوبر المقبل، خاصة بعد ظهور "قُبل الود" التي تبادلها لحسن الداودي مع الياس العماري في طنجة، يقول اليوم لحزب"البام"، وعبره لـ"أصحاب الحال" من وراء هذه الزيارة: نحن قادرون على لعب جميع الأوراق وقلب الطاولة إن اقتضى الحال، إذا لم يكن لنا نصيب في الكعكة بعد 7 أكتوبر، وأن أساس التعاقد اليوم ليس بالضرورة فكريا أو اديولوجيا أو اخلاقيا، بل يمكن التعاقد من أجل " الكعكة والأواني الفضية" حتى مع الصهاينة، بل ويمكن تجنيد إخواننا في الحزب لضرب إخواننا الآخرين لدخول بنكيران إلى مقر حزب بنجلون والمهدي".

زيارة بنكيران لمقر الإتحاديين دون أن يسبقها نقد ذاتي أو مراجعات عار على جبين لشكر ورفاقه، بل هي إهانة بليغة لروح بنجلون، وإذكاء للعزوف السياسي، وتأكيد على أن القادة الجدد لحزب "الإتحاد الإشتراكي" وصلوا إلى انحطاط أخلاقي ما بعده انحطاط، وكل ذلك من أجل مواقع ومقاعد زائلة!