لقد كان بن غيون، الرئيس الإسرائيلي السابق يقول عن الفلسطينيين، إن شيوخهم سيموتون وصغارهم سينسون، أما كولدا، ماير، رئيسة الحكومة الإسرائلية إبان حرب أكتوبر، كانت تجزم أن لا وجود للشعب الفلسطيني ولا للفلسطينيين، هذا روجت له إسرائيل، خلال عشرات السنين الماضية، أي منذ اغتصابها أرض وشعب فلسطين، إلا انه قد أبان هذا الشعب الفلسطيني على أنه موجود وانه لم ييأس يوما ولم يتخلّ على حقوقه.

إن العملية الأخيرة التي نفذها شابان من قرية ياطا داخل تل أبيب وفي منطقة فيها مقاهي ومطاعم، وتوجد على بعد أمتار من وزارة الدفاع الإسرائلي، جاءت لتكذب وتفند هذه المقولات الإسرائلية، إضافة إلى أنها تكتسي معاني متعددة وتحتوي على رسائل إلى كل من الحكومة الإسرائيلية، وعامة الإسرائيليين، وكذلك إلى المنظمات الفلسطينية، والسلطة الفلسطينية وقادة العالم العربي.

إن هذه العملية تنطوي في سياق ما يسمى ويعرف بهبة القدس، والذي يخوضها شباب وفتيات فلسطينيون، والتي تمثلت في الهجوم بالسكاكين على أفراد قوات الإحتلال الإسرائيلي، وفي استعمال السيارات والجرافات لدهس جنود الاحتلال.

هذه العمليات أدت إلى استشهاد أكثر من 107 شاب وشابة فلسطينية إلى حدود الأسبوع الأول من شهر يونيو، أما في ما يخص إسرائل فإنها (العملية) فضحت فشل وعدم نجاعة الإجراءات الأمنية التي اتخذتها حيث أن هذه العملية وقعت في صلب الكيان الإسرائيلي وجوار وزارة دفاعها، حيث يخضع هذا المكان إلى طوق أمني مكثف، أما عامة الإسرائيلين فقد اكتشفوا مجددا أنه لا يوجد مكان يمكن لهم أن يكونوا فيه في مأمن من المقاومين والمجاهدين الفلسطينيين، فالخوف والهلع يلاحقهم أينما حلوا وارتحلوا.

إن هذه العملية أبانت وأعطت الدليل القاطع على أن هبة القدس لم تمت بل اشتد ساعدها، وانتقلت من هبة السكاكين إلى مقاومة مسلحة علما أن السلاح المستعمل من انتاج محلي.

إن هذه العملية تشكل قفزة نوعية، وهذه المقاومة المسلحة الجديدة، سيكون من الصعوبة بمكان مواجهتها، لأنها فردية، وليست مهيكلة كفصيل مثل حماس أو الجهاد الإسلامي، كما أنها تدل على أن الشباب الفلسطيني، قد أصبح متيقنا أنه يجب الرجوع إلى المقاومة الشعبية المسلحة، والتخلي على المفاوضات مع العدو الاسرائيلي، في مفاوضات عقيمة بل أكثر من ذلك، سمحت لإسرائيل من تكثيف الاستيطان وضم الأراضي، واستعمال السلطة الفلسطينية، في اطار التعاون الأمني لقمع كل مقاومة فلسطينية.

أما فيما يخص السلطة الفلسطينية فإن هذه العملية أبانت على فشل ممارستها التي ترمي إلى كبح كل مقاومة مسلحة ضد العدو الإسرائيلي، كما أبانت على أن جيل أبو مازن قد ولاّ، وأن جيلا جديدا صار يأخذ المبادرة، جيل يرفض كل مساومة مع العدو الصهيوني، والتحالف مع الأنظمة العربية التي قررت مغازلة إسرائيل كالسعودية وحلفاؤها.

إن هذه العملية تبين أن السلطة الفلسطينية لم تعد تمثل ولا تتحكم في غالبية الشعب الفلسطيني وبالأخص في الأجيال الصاعدة، كذلك تكون انتفاضة السكاكين وتطورها إلى مقاومة مسلحة هي صفعة قوية وإنذار عميق للمنظمات الفلسطينية كحماس، مذكرة إياهم أن الخيار الوحيد هو المقاومة المسلحة، وليس الهرولة وراء مفاوضات لن تكون إلا مميتة وقاتلة لحقوق الشعب الفلسطيني، إن هذه الانتفاضة هي كذلك انتفاضة ضد الأنظمة العربية، التي لا ترغب في مواجهة إسرائيل بل تدعو إلى التفاهم معها، والتي استطاعت إقناع بعض الفصائل الفلسطينية بأطروحتها، التي تقول وتؤكد ان العدو الأساسي هي إيران وليس إسرائيل التي يجب التحالف معها لمواجهة ما تسميه الهلال الشيعي، المكون من إيران سوريا حزب الله والحوثيين، والذي هو في الحقيقة يكون جبهة المقاومة والممانعة ضد العدو الإسرائيلي المدعوم من طرف الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي.