في أقل من شهر تلقت السعودية ضربتين خطيرتين قد تهدد مستقبل هذه المملكة. فبعد قرار الكونچريس الأمريكي الذي يسمح لأهالي ضحايا اعتداءات 11 شتنبر 2001 بمقاضاة مسؤولين سعوديين وقريبين من الأسرة المالكة بتهمة التورط في هذه الاعتداءات. ها هي الأمم المتحدة تصدر لائحة سوداء تضم دول التحالف العربي المشاركة في حرب اليمن تتهمهم فيها بارتكاب أعمال حربية أدت إلى قتل عدد كبير من الأطفال في اليمن.

وإذا كان قرار الكونچريس الأمريكي يفتح المجال أمام محاكمة النظام السعودي بتهمة دعمه للإرهاب وفتح الباب على مصراعيه لتطورات قد تكون وخيمة على هذا النظام تذكرنا بما حدث لمعمر القذافي في قضية لوكربي التي بدأت باتهام بعض المقربين من القذافي بالتورط في تفجير طائرة  تابعة لشركة بان أميريكان لتمر عبر تعويض الضحايا ونزع  أسلحة الدمار الشامل الليبية وتنتهي بتلك النهاية المذلة للقذافي وإفلاس الدولة الليبية، فإن القرار الأممي  قد يعني اتهام السعودية ومن والاها في الحرب على الشعب اليمني أو جزء من هذا الشعب بارتكاب جرائم في حق الإنسانية ومتابعة المسؤولين عنها أمام محكمة العدل الدولية.

قد يكون  قرار الكونچريس الأمريكي  تعبيرا عن غضب متنامي للأمريكان ( وليس فقط الإدارة الأمريكية ) ضد السعودية وتوجهاتها المزعجة للغرب عموما ولأمريكا خصوصا، ولكن من  الأكيد أن التقرير الصادر عن  بان كيمون والأمم المتحدة ما كان ليصدر في هذه اللحظة التي تعرف أقصى درجات التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية والملكيات والأميريات العربية لولا مباركة الإدارة الأمريكية بل وقوفها وراء القرار الأممي.

هل نحن  إذن إزاء  ردود انتقامية  أمريكية ضد من لم يحترم قواعد اللعب الديبلوماسي مع  أمريكا التي ما كان لها لتقبل أو تستسيغ  إهانة رئيسها باراك أوباما، أثناء زيارته للعاصمة السعودية لحضور اجتماعات قمة مجلس التعاون الخليجي، عندما  لم يخرج  العاهل السعودي عنوة لاستقباله على أرض المطار، كما فعل مع باقي ضيوف آخرين وصلوا في اليوم نفسه. الأمريكان لم يستسيغوا ولم يخفوا أيضا امتعاضهم ورفضهم التهديدات التي وجهها لهم وزير الخارجية السعودي والقاضية بسحب الودائع السعودية المقدرة بمئات الملايير من الدولارات من البنوك الأمريكية بما يهدد الاقتصاد الأمريكي والعالمي؟!

ممكن أن نكون إزاء عمل انتقامي، ولكن المؤكد هو أن الخناق قد بدأ يلتف حول عنق السعودية وقد يشتد أيضا على حلفائها أو من يربط مصيره بمصيرها.

بتاريخ 12 ماي 2015 كتبت مقالا بمناسبة إسقاط الطائرة المغربية في اليمن عبرت فيه عن موقفي  المبدئي الرافض لإقحام الجنود المغاربة في أي حرب خارج حدود المغرب، وقلت فيه: “صدقا أتأسف لأنهم ( أي السعودية وحلفاؤها ) لم يستثنوا المغرب من دخول هذه الحرب معهم لأن بلادنا بما تتوفر عليه من سمعة  ومكانة كان باستطاعتها أن تشكل عنصرا أساسيا في الخطة  “باء” أي إنهاء الحرب من خلال وساطة مغربية وجعل المغرب أرضا لاستقبال المتنازعين من أجل إيجاد حل يرضي كل الأطراف في المعادلة اليمنية….”.

صحيح  أن  واجب النصرة والتآزر يفرضان على المغرب  أن  ينصر الأشقاء الخليجيين ظالمين أو مظلومين: ينصرهم مظلومين ويدعمهم حينما تكون قضاياهم عادلة، وينصرهم ظالمين بنصحهم  ومطالبتهم بتصحيح مساراتهم وضبط خياراتهم. ولنكن صرحاء مع إخوتنا وأشقائنا في المشرق ونقول لهم بكل أخوة: دعمنا لقضاياكم وانخراط المغرب في أجنداتكم قائم لكنه سيكون محكوما بسقف تحده المصلحة العليا للمغرب والمتمثلة في عدم المس والإساءة إلى قضية وحدتنا الترابية. وضع المغرب حساس في الصحراء وأي اصطفاف غير محسوب ستكون عواقبه خطيرة خصوصا في علاقتنا مع قوى عظمى لها مكانتها في القرار الدولي وصاحبة الفيتو في مجلس الأمن.

قد ترى أمريكا ومن يوافقها الرأي  أن الدور جاء على بعض الملكيات والأميريات الشمولية التي ترى أنها كانت سبب الكثير من التطرف المؤدي للإرهاب، وقد تكون هذه الملكيات والأميريات تصر على أن تكون تلك “البراقش” التي جنت على نفسها عندما اختارت إثارة الانتباه إليها وليس من الحكمة في شيء أن نربط مصيرنا ببراقش التي تصر على الجني على نفسها. بلدنا سلك طريق الانتقال إلى الديمقراطية  ولا مستقبل لنا إلا في المضي قدما في هذا الخيار وتنميته في أفق بناء نظام ملكي برلماني عصري  مما يفرض احترام الجميع لنا.

اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد.

بديل/ عن موقع الأول