خصّ قاضي الرأي المعزول بسبب رأيه محمد الهيني، المتواجد بالديار اللبنانية، (خص) موقع "بديل" بمقال مثير، عشية جلسة محاكمة رئيس تحريره الصحافي حميد المهدوي، بعد الشكاية التي وضعها ضده  نائب الملك وزيره العدل، تطرق فيه إلى نواحي عديدة وتفاصيل دقيقة شرّح فيها مدى خطورة "تجني الرميد على حرية صحفي في التعبير"، كما قدم من خلال المقال قراءة قانونية ومستفيضة تخللتها مقاربات كثيرة مع ما نصت عليه عدة هيئات قضائية دولية وأممية في ما يخص حرية التعبير.

المقال، "جلد" من خلاله الدكتور محمد الهيني، وزير العدل والحريات، مصطفى الرميد واصفا شكايته بـ"المثيرة للشفقة" والتي تؤكد "زيف شعار الإصلاح وخطاب التدين الذي تبناه حزب وزير العدل وقياديوه".

وفي ما يلي نص المقال كاملا كما توصل به الموقع:
فوجئ الرأي العام الوطني والدولي بمتابعة الزميل حميد المهدوي مدير موقع بديل بتهمة القدف بناء على شكاية قدمها وزير العدل مصطفى الرميد انزعاجا من مقال نشره الموقع حول تلقي وزير العدل لتعويضات قانونية مبالغ فيها.

وترجع خلفيات الشكاية إلى تذمر الوزير المذكور من خطه التحريري في تقييم سياسات الوزارة ومشاريعها القانونية والقضائية، وانتقاد حصيلة عملها، والاهم من ذلك هو متابعة ملف عزل قضاة الرأي الذي ظل كابوسا مزعجا للوزير نتيجة تسييس القضاء وانتهاك كل ضمانات المحاكمة العادلة ومحاربة الشرفاء والسكوت عن مواجهة المفسدين الذين جعل منهم شعارا لحملة حزبه الانتخابية .

والحقيقة أن الشكاية بصحفي من أجل مقال عادي تثير الشفقة حول ما آلت إليه صدور حاملي زيف شعار الإصلاح وخطاب التدين من عدم قبول الرأي الآخر والرغبة في إسكات كل مخالف لا يدين بالولاء لأطروحاتهم أو أفكارهم أو سياساتهم، مما يعكس أزمة فهم الديمقراطية والجهل بأدبيات حرية التعبير وحرية الصحافة المكرسة دستوريا في الفصلين 25 و28، وبدورها في الرقابة على مسيري المرافق العمومية، وفضح الفساد وإبراز مظاهر الخلل في التدبير وتقويم الاختلالات ،والحرص على إخبار الرأي العام وإيصال المعلومة له بما يكفل الحكامة الجيدة وإشاعة ثقافة المسؤولية والمحاسبة باعتبارهما السبيل الأوحد لرعاية المصلحة العامة وحماية حقوق وحريات المواطنين وتشجيع الاستثمار .

إن الأمر لا يتعلق بممارسة قانونية تتمثل في تقديم شكاية كحق من حقوق أي مواطن، بل إن الخطير هو أن يقوم مسؤول يدبر مرفق عمومي يتمثل في وزارة العدل في التجني على صحفي والمساس بحرية تعبيره واستغلال صفته الحكومية ورآسته للنيابة العامة، في البحث والمتابعة القضائية ،للانتقام واسكات موقع بديل لثنيه عن الاستمرار في مواصلة رسالته الصحفية النبيلة بكل حرية وضمير والتي باتت تؤرق أبواق من يخشون الحقيقة ويخافون من الأصوات الحرة ويعشقون التمجيد والتطبيل .

إنه من المضحك المبكي لكل صاحب فكر قانوني اعتبار تقاضي تعويضات قانونية مبالغ فيها قدفا، لأنه لا يستطيع طالب يفك شفرة نصوص القانون تكييفه كذلك، ولم أبالغ حينما كنت أقول دائما إننا نعاني من ضعف واضح وكفاءة لا جدال فيها في العديد من يشغلون المرفق العام،فقد بات ملكية خاصة لهم،لا رأي إلا رأيهم،وكل من ينتقدهم فهو عدو لهم، فحرية التعبير عندهم هي حرية مناصرتهم والتزلف لهم والسير على منوالهم.

إن مقال موقع بديل يدخل في إطار النقد المباح هو فعل ليس فيه قذف ولا سب ولا إهانة أي ليس مساً بشرف الوزير أو اعتباره أو سمعته وإنما هو نعي على تصرفه أو عمله بغير قصد المساس بشخصيته من جهة شرفه، فالمقال لم يذكر مطلقا أن الوزير اختلس أو بدد بل نعى عليه المبالغة في تلقي التعويضات القانونية ودعاه لتقليص عدد رحلاته وسفرياته التي لم ينل منها الشعب أي شيء يذكر، وهذا فعل لا يدخل في دائرة التجريم، فالهدف من نشر المقال لا يتعارض مع مبادئ الحرية والمسؤولية الوطنية او نشر خبر غير حقيقي من اجل الاساءة الى الوزير .

إن من لا يقبل النقد يجب أن يجلس في بيته ،لأن المرفق العام ملك للوطن والمواطنين، ويحق للجميع الإدلاء برأيه بخصوصه، والصحافة ما خلقت إلا لتكون عين المواطن وبصره، الرقيبة والأمينة على الصالح العام،باعتبارها إنذارا مبكرا لتفادي ما يقع من خروقات وانتهاكات لوقفها ومنع وقوعها وأيضا تفاقمها ،فالاعلام الحر والمستقل يضمن للمواطن الحق في الإخبار ،هذا الحق يصنف في خانة الواجب على الصحافة فهي مثل كلب الحراسة، لا ينام ولا يغمض عينيه، فالمال العام الذي يعتبر حمايته وصونه من أولويات الصحافة ليس سائبا لصرفه وفق أي وجه بل يجب صرفه ضمن الأوجه المقررة قانونا .

وهكذا قررت الهيئة العامة للامم المتحدة في اول اجتماع لها في 14/12/1946 :”ان حرية المعلومات هي حق اساسي للإنسان، وحجر الزاوية لجميع الحريات التي تنادي بها الامم المتحدة.”،وتبعا لذلك أكدت المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أنه :” لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون تدخل، والتماس الأنباء والأفكار وتلقيها، وبثها بأية وسيلة كانت، دون تقيد بالحدود الجغرافية.” ، وفي نفس الاتجاه أكدت المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على أنه ".

1-لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة.

2-لكل إنسان حق في حرية التعبير.

ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها.

وقد أعلنت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن حرية الصحافة تلزمها حماية خاصة كي تتمكن من أن تلعب الدور الحيوي المنوط بها، دور الحارس العام ومن تقديم المعلومات والأفكار التي تهم الرأي العام. وفي قضية Lingens V. Austria:"اعتبرت أن حرية التعبير تشكل واحدة من الحريات الاساسية في المجتمع الديمقراطي. ومن واجبها نشر المعلومات والآراء في القضايا السياسية وغيرها التي تهم المصلحة العامة.

وحرية الصحافة تقدم للجمهور واحدة من الوسائل لإكتشاف وتشكيل الرأي واتجاهات القادة السياسيين، لأن حدود النقد المقبول يكون اكبر عند تطبيقه على السياسيين بالمقارنة مع آحاد الناس.

إن القانون الجزائي النمساوي عندما يطلب من الصحفي اثبات صحة اسناداته فذلك امر مستحيل وينتهك حرية الرأي نفسها، …وقالت إن إثبات الحقائق facts مطلوب أما اثبات الأحكام القيمية value judgment فهو غير قابل للإثبات..

وفي مصر كرس اجتهاد المحكمة الدستورية العليا قاعدة أنه من الخطر فرض قيود ترهق حرية التعبير بما يصد المواطنين عن ممارستها.. إذ لا يجوز لأحد أن يفرض على غيره صمتا ولو كان معززا بالقانون.. وانه إذا أريد لحرية التعبير أن تتنفس في المجال الذي لا يمكن أن تحيا بدونه، فإن قدرا من التجاوز يتعين التسامح فيه، ولا يسوغ بحال أن يكون الشطط في بعض الآراء مستوجبا إعاقة تداولها. (القضية رقم 42 لسنة 1995).

و في قضية أخرى اعتبرت:” إن حرية التعبير، وتفاعل الآراء التي تتولد عنها، لا يجوز تقييدها بأغلال تعوق ممارستها، سواء من ناحية فرض قيود مسبقة على نشرها، أو من ناحية العقوبة اللاحقة التي تتوخى قمعها، بل يتعين ان ينقل المواطنون من خلالها – وعلانية- تلك الأفكار التي تجول في عقولهم، فلا يتهامسون بها نجيا، بل يطرحونها عزما – ولو عارضتها السلطة العامة- إحداثا من جانبهم بالوسائل السلمية لتغيير قد يكون مطلوبا، فالحقائق لا يجوز إخفاؤها، ومن غير المتصور أن يكون النفاذ اليها ممكنا في غيبة حرية التعبير.

(قضية رقم 17 لسنة 1995،انظر:-يحيى شقير: مقال المعايير والآليات الدولية الخاصة بحرية الرأي والتعبير، منشور بموقع https://yahiashukkeir.wordpress.com )

وفي الأخير إذا كان الوزير يخاف على سمعته ،فالأولى أن يخاف على سمعة الوطن الذي لن يرضى بمحاكمة الصحفيين ومتابعة الأقلام الحرة،ولصوص المال العام يتحركون بدون حسيب ولا رقيب، وإذا كان يرغب في الاخبار الصحيح للمواطنين في كيفية صرف تعويضاته، فلتكن له الجرأة أن يكشف للرأي العام الوطني والدولي وللمحكمة عن تفاصيلها مند تقلده المنصب إلى الآن، لأنه هو من يملك حسابات الميزانية وليس الصحفي، لذلك يعتبر مطالبة الصحفي بإثبات وجه المبالغة فيها ضرب من الجنون الذي يقول به المجانين والحمقى فقط ؟

فإذا كان الاعتقاد لدى السدج أن الشطط يزكي الخوف ويضعف إرادة المتابعة والفضح فإنهم واهمون، لأن الشطط لا يولد إلا إرادة المواجهة والتصدي لإقبار الظلم وأصحابه، فالتاريخ لا يسجل إلا الصفحات المشرقة البيضاء الحامية للحقوق والحريات، أما الصفحات السوداء المعزولة عن المجتمع فلا يتذكرها إلا أصحابها.

بيروت لبنان يومه السبت 4/6/2016