أذاعت قناة فضائية فرنسية برنامجا وثائقيا،حافلا بالتعريض والتحامل على أوضاع المملكة، وعلى السياسة الملكية، على النحو الشخصي للملك، وعلى النحو العام، فيما عنونته بالحكم السري، كان ذلك ليلة الخميس 26 ماي، من القناة فرانس 3، ناهيك عما نشرته مجلة "مانيير دو فوار" التابعة لمجموعة "لوموند ديبلوماتيك" في عددها الجديد من تشهير بالملكية المغربية ضمن ملف تناول بالذم مختلف الملكيات العربية.

وقبل ذلك بأيام أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريرا عن أوضاع حقوق الإنسان بالمغرب، ضمنته صورة قاتمة، ولوحة مجللة بالسواد.

خلال ظرفية سياسية واحدة، وزمن جد متقارب، تأتي هذه الضربات الإعلامية، فيما يكشف عن حملة منسقة ومدبرة، من قبل دولتين تتزعمان الغرب، هما فرنسا وأمريكا، الدولتان اللتان يعتبرهما المغرب من أسمى أصدقائه، بينما لا يفتأ زعماؤهما في باريس وواشنطن من الترديد والإعلان أن المغرب شريك استراتيجي وحليف تاريخي، وسند قوي في الحرب على الإرهاب.

وبغض النظرعن مدى الواقعية والمصداقية من عدمها بخصوص المعطيات والتقارير التي تروج لها هذه الحملات الإعلامية، فإن السؤال يبقى مشرعا ومشروعا، ما هي الخلفية الحقيقية الثاوية وراء هذه الغيرة المفاجئة على حقوق الإنسان وعلى الأوضاع السياسية بالمغرب؟ وما سبب هذا الكرم الإنساني الذي رأت فرنسا وأمريكا أن تغدقه على المغرب، بالعطف أخيرا على أوضاع الشعب المغربي، حقوقيا وسياسيا واقتصاديا، وتحريك وسائلهما الإعلامية والرسمية، في حملة تحريضية مكشوفة على النظام السياسي، لا غبار عليها ؟

ما نعلمه وما هو راسخ من أبجديات المعرفة، وما لا يجهله سوى من ران الدجل الغربي على عقله وقلبه، هو أن فرنسا وأمريكا ووسائلهما الإعلامية والرسمية هم ٱخر من يرف لهم جفن على حقوق الإنسان، وعلى أوضاع الشعوب المستضعفة، كيف وأنهار الدماء التي جرت في تاريخ البشرية والتي لازالت تجري كالطوفان، ذبحا للشعوب بأطفالها ونسائها وشيوخها، هي من فتك الجيوش الفرنسية والأمريكية، كيف وتمزيق شمائل الشعوب وتدمير الدول ماضيا وراهنا هي من دسائس ومؤامرات ساسة فرنسا وأمريكا، في باريس وواشنطن، الذين يلبسون ويتعطرون ويتأنقون مثل بني البشر، ويأكلون وينامون مثل بني الإنسان، ولكنهم يتحولون إلى وحوش مصاصة للدماء، حينما ينقضون على الشعوب المدافعة على حرياتها وثرواتها وكرامتها وأصالتها، يفترسونها افتراسا ما إن وحوش الحيوان لتربأ بفطرتها عنه، وتعافه بغرائزها. يستوي عندهم في ذلك شعوب العالم الإسلامي، وشعوب أفريقيا وٱسيا وأمريكا الجنوبية، الأجنبية عن نسل الغرب وثقافته.

وعن أي حقوق للإنسان وعن أي ديموقراطية تتحدث فرنسا وأمريكا، وهما من يجهض الديموقراطيات في العالم ويجهز عليها، ألم تكن باريس هي من دمرت الديموقراطية في الجزائر بداية التسعينيات حتى راح فيها مليون جزائري ما بين قتيل ومفقود ومعطوب، ألم تكن أمريكا هي من دبرت وحمت وجهزت لضرب الديموقراطية في مصر، حتى أزهقت ولا تزال أرواح الآلاف من خيرة أبناء مصر، لا لشيء سوى أن الغرب لا يريد أن يسمع كلمة الإسلام في العملية الديموقراطية.

وتتحدث فرنسا وأمريكا عن حقوق الأقليات، ولكن شعب الروهينجا في بورما الذي يشوى أطفاله ونساؤه أحياء على النيران المتسعرة، ويقتل رجاله بتقطيع الأيدي والأرجل والرؤوس، هذا الشعب القتيل يوميا لا تراه العين الفرنسية ولا الأمريكية ولا تبكي عليه، وليس لوزارة الخارجية الأمريكية، ولا لقناة فرانس3، تقرير أو شريط وثائقي تروجه لفضح عظائم الجرائم في بورما ولا في فلسطين ولا في سوريا والعراق.

قبل مائة عام كان الغرب الاستعماري يتربص بالمغرب، ويتحدث عن وجوب الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويتحدث عن ضرورة تحديث البلاد وإدخالها عصر التحضر، ولم يكن الأمر سوى خدعة مكنت من اصطناع طابور ضاغط من العملاء الذين راحوا يهللون للإصلاحات المزعومة، ويغرون سلاطين ذلك الزمن المغربي البئيس بالإذعان لإرادة الاستعمار الغربي الفرنسي، وكانت النتيجة هو ذلك الإذلال الاستعماري الذي دام عقودا من الزمن، تبخرت معه أحلام الإصلاحات.

فرنسا وأمريكا ووسائل إعلامهما ومؤسسات القرار والرأي، فتحت الحملة على المغرب، تجرح نظامه السياسي، وتحرض عليه، وسوف تتتالى فصول هذه الحملة وأوجهها، والغاية ليست هي الحض على توسيع مجال العدالة والكرامة والسيادة، والتي هي حق أصيل للشعب المغربي يحققها بنضالات أبنائه ومن داخل بيته وعرين أسوده، لا يحتاج فيها لوصاية قوى الاستعمار من قتلة الشعوب، ولكن الأمر في باطنه، يستهدف طبيعة المجتمع المغربي المتسمة بالتجذر في المحافظة والأصالة والامتداد التاريخي، وترى العين الغربية فرنسية وأمريكية أن الاستقرار المغربي تستفيد منه قوى المحافظة، فتستفيد منه القوى الحامية لقيم الأصالة والهوية، تحت غطاء النظام السياسي الراعي للمرجعية الدينية، ونسقية التقاليد، وإذن فلابد من الحملات التدخلية، لإلهاب السخط والاحتجاج، تكون الغاية منه تحفيز دينامية على يسار النظام، لتتطور بالحماية والدعم كي تصبح على يسار المجتمع. وتلك هي أولى الدسائس على طريق تفكيك الاستقرار المغربي.